التدخل الأميركي الحاسم في سرت لا يعني نهاية داعش في ليبيا

حقق التدخل الأميركي ضد داعش في سرت مراده، ولكن ذلك لا يعني وفق المحللين نهاية التنظيم في ظل استمرار حالة الانقسام السياسي، وشراسة عناصر التنظيم الذين تكمن عدد منهم من الفرار قبل انطلاقة المعركة.
الأحد 2016/08/21
من المستفيد فعلا من الضربات الأميركية على سرت

طرابلس - أحدث تدخل الولايات المتحدة الأميركية، منعرجا هاما في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في مدينة سرت شرق ليبيا.

وبات التنظيم على ضوء العملية البرية التي تقودها قوات إسلامية موالية لحكومة فايز السراج والضربات الجوية المكثفة للطيران الأميركي قاب قوسين أو أدنى من خسارة المدينة الاستراتيجية.

وقالت قيادة القوات الأميركية في أفريقيا “أفريكوم” إنها نفذت 62 ضربة جوية دقيقة ضد مواقع داعش في مدينة سرت منذ انطلاق عملية “برق أوديسا” قبل 19 يوما.

واستعرضت القيادة في بيان توضيحي نتائج عملياتها خلال الفترة الأخيرة، لافتة إلى أنها تمكّنت من استهداف 32 من مواقع التنظيم في المدينة، فضلاً عن قصف 5 سيارات مفخخة، وشاحنة مجهزة للقتال، وأخرى تستخدم لقيادة العمليات الهجومية.

ويقول محللون إن التنظيم تلقى ضربة قوية في سرت ولكن ذلك لا يعني بالمرة طيّ صفحة المتشددين في هذا البلد، ووفق مسؤولين ليبيين فإن بعض مسلحي التنظيم نجحوا في الفرار من المدينة قبل محاصرتها، ومن المرجح أن يحاولوا استعادة أنشطتهم في أماكن أخرى من البلاد.

كما يمكن للمتشددين أن ينضموا إلى خلايا موجودة وفصائل مسلحة تنشط بالفعل في مناطق أخرى مع استمرار الانقسامات التي غذت التطرف في ليبيا من الأساس.

وتشهد ليبيا منذ سقوط حكم العقيد معمر القذافي انقساما سياسيا وانفلاتا أمنيا، الأمر الذي فتح المجال أمام تغلغل تنظيم داعش، ويحاول المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية إعادة فرض الاستقرار وتنفيذ استراتيجية موحدة لمحاربة الإرهاب في هذا البلد.

ولكنّ هذا الأمر يصطدم بصعوبات كبيرة أبرزها استمرار الانقسام ورفض الجيش الليبي بقيادة اللواء خليفة حفتر، وكذلك التعاون مع حكومة الوفاق في ظل عدم حصولها على اعتراف من البرلمان المنتخب.

وأعطى مسؤولون القليل من التفاصيل عن مقاتلين متشددين اعتقلوا أو قتلوا في المعارك لتحرير سرت وقالوا إنهم يجدون صعوبة في تعقب المسلحين الذين يستخدمون هويات متعددة إضافة إلى قلة الموارد المتاحة لملاحقة وتوقيف الهاربين.

ووفقا لتقديرات محمد جنيدي، وهو مسؤول في المخابرات العسكرية في مصراتة الواقعة غرب ليبيا، فقد تمكن أكثر من عشرة من قادة المتشددين ومئات من صغار المقاتلين من الهرب.

وفقا لتقديرات محمد جنيدي، وهو مسؤول في المخابرات العسكرية في مصراتة الواقعة غرب ليبيا، تمكن أكثر من عشرة من قادة المتشددين ومئات من صغار المقاتلين من الهرب من سرت

وقال “هرب قادة مهمون من سرت.. نعتقد أن هناك بعضا منهم في الصحراء وأنهم سيحاولون إعادة تنظيم صفوفهم ومواصلة العمل بذات الفكر”.

لكنّ جنيدي ومسؤولين آخرين قالوا إن ذلك لا يعني أن الدولة الإسلامية ستعاود الظهور علنا في مدينة ليبية أخرى.

لكن بمقدور التنظيم شن هجمات انتقامية أو تمرد وإدارة خلايا نائمة في المناطق الحضرية وعقد تحالفات جديدة في المساحات الشاسعة في الجنوب.

وقال ماركو أرنابولدي، وهو باحث في الإسلام السياسي ومتخصص في الشؤون الليبية، “من أحد الأمور القليلة التي نعرفها حق المعرفة هو أن الدولة الإسلامية لا يمكنها مواصلة التصرف على أنها دولة حقا كما كانت تفعل من قبل”.

وسرت هي مسقط رأس معمر القذافي وكانت آخر مدينة كبرى تسقط في انتفاضة 2011 التي أطاحت به. وتقع سرت في وسط الساحل الليبي في منتصف الطريق بين مناطق سيطرت عليها حكومتان متنافستان في الشرق والغرب منذ 2014.

وسيطر تنظيم الدولة الإسلامية على سرت قبل عام ونصف العام فيما كانت الفصائل المتناحرة تتقاتل في أنحاء البلاد.

وكانت أغلب القوة العددية للتنظيم في ليبيا متمركزة في سرت والتي تضعها أغلب التقديرات قبل معركة سرت بين 2000 و5000 مقاتل.

وفي مرحلة من المراحل يرى مسؤولون غربيون أن المدينة قد تصبح خيار التقهقر أمام المسلحين المعرضين للضغوط في المعارك في سوريا والعراق.

لكن الفرع الليبي من الدولة الإسلامية -والذي تم طرده مرة من قبل بالفعل من معقله السابق في مدينة درنة شرق البلاد- واجه صعوبات في كسب التأييد وجني الأرباح والاحتفاظ بالمناطق التي يسيطر عليها.

وفي يناير 2016 قام المتشددون المتمركزون في سرت بالتوسع نحو الشرق من الشريط الساحلي الممتد على مسافة 250 كيلومترا الذي يسيطرون عليه وهاجموا مواقع في الشرق لكن دون السيطرة على منصات نفطية كبرى.

وفي مايو الماضي اندفعوا نحو تجمعات سكانية ونقاط تفتيش إلى الغرب مما استفز القوات المحلية للقيام بهجوم مضاد من مصراتة وبدء الحملة لاستعادة السيطرة على سرت.

وتمثل سرت الآن ساحة معركة وأحياؤها المركزية المهجورة حاليا تشهد تبادلا لإطلاق النار بصورة متقطعة فضلا عن قذائف مدفعية مع اشتداد القتال من داخل المنازل.

وفي أيام احتدام الاشتباكات وردت تقارير عن مقتل العشرات من الجانبين. ولا تتوافر أرقام دقيقة لأعداد القتلى من صفوف الدولة الإسلامية لكن القتلى في صفوف الكتائب التي تقودها مصراتة تشهد على قوة العدو مع مقتل أكثر من 350 شخصا وإصابة 1500 آخرين.

وأدى سقوط هذا العدد الكبير من القتلى إلى تدخل جوي أميركي مكثف مما حفز على تقدم القوات لكن ذلك التقدم أبطأته تفجيرات السيارات الملغومة وعمل القناصة المدربين جيدا والأنواع المتعددة من العبوات الناسفة بدائية الصنع.

ويخشى المسؤولون الليبيون الآن من أن مثل تلك الأساليب الدموية يمكن أن تستخدم في أماكن أخرى تشمل العاصمة طرابلس ومدنا أخرى في الغرب الليبي الذي شن تنظيم الدولة الإسلامية فيه هجمات من قبل.

وقال فتحي باشاغا، وهو مسؤول أمني ينسق بين القوات في مصراتة وحكومة الوفاق التي تدعمها الأمم المتحدة في طرابلس، “الآن هم محاصرون ومن السهل هزيمتهم لكن بعد أن يهزموا بالتأكيد سينتقمون”.

2