التدخل البري الإيراني مقدمة لتثبيت مناطق نفوذ في سوريا

يشكل مقاتلو الميليشيات الغالبية العظمى من المقاتلين في مختلف المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري، حيث يحتشد الآلاف من عناصر الحرس الثوري وقوات الجيش الإيرانيين، إلى جانب حزب الله اللبناني والميلشيات الشيعية العراقية المدعومة جميعها من إيران. وكان لافتا من بين هذه الجماعات تواجد قوات الجيش الإيراني في خطوة قال خبراء إنها تأتي في ظلّ القلق الإيراني من الاتصالات الأميركية الروسية، والتي تجري في قنوات خلفية لمؤتمر جنيف وأيضا بسبب الحرج الإيراني في سوريا الذي فرض استخدام نخبة من الجيش الوطني الإيراني.
الأحد 2016/05/01
خاب الظن

دمشق – تقول أوساط إيرانية إن طهران تشعر بقلق بالغ مما يمكن أن يحاك خلف ظهرها بشأن سوريا. وتكشف بعض المعلومات، أنه وعلى الرغم من التحالف بين روسيا وإيران، إلا أن الطرف الإيراني غير مرتاح للاتصالات الأميركية الروسية، والتي تجري في قنوات خلفية لمؤتمر جنيف.

وكانت معلومات تحدّثت عن أن روبرت مالي، مسؤول الشرق الأوسط في البيت الأبيض، وألكسندر لابرنتييف، مبعوث الرئيس الروسي والذي عمل مستشارا في السفارة الروسية في دمشق لعدة سنوات، عقدا سلسلة من المحادثات غير المعلنة في جنيف وضواحيها.

وتراقب العاصمة الأميركية عن كثب تطور الانخراط الإيراني في سوريا، والذي أخذ لأول مرة شكلا جديدا من خلال الإعلان الرسمي عن مشاركة عسكرية للجيش الإيراني، وليس للحرس الثوري فقط، في الحرب السورية. وكان الجنرال علي آراستة، نائب منسّق القوات البرية الإيرانية، قد أعلن منذ فترة أن بلاده أرسلت “قوات خاصة من اللواء 65 ووحدات أخرى إلى سوريا للعمل كمستشارين.”

واللافت أن الجيش الإيراني لم يشارك في أيّ عمليات عسكرية منذ الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، وأمر العمليات العسكرية الخارجية لإيران كان منوطا بالحرس الثوري فقط، لا سيما ذراعه الخارجية المتمثلة بفيلق القدس. أما مهام الجيش الإيراني فكانت تقتصر على ما هو تقليدي من حماية لحدود البلاد.

مع ذلك فقد سبق لقائد القوة البرية التابعة لجيش الجمهورية الإسلامية الإيرانية العميد أحمد رضا بوردستان أن أعلن عن عمليات نشر قوات على الحدود العراقية الإيرانية، إضافة إلى عمليات “استباقية” لحماية البلاد من أيّ اختراق محتمل قد يقوم به تنظيم داعش للداخل.

في هذا الصدد كان بوردستان قد أوضح أن عناصر من وحدة الرصد والاستطلاع التابعة للجيش الإيراني كانت قد عبرت الحدود إلى داخل الأراضي العراقية بعد التنسيق الكامل مع الحكومة العراقية. كما كشف أن مروحيات عسكرية إيرانية قامت قبل ثمانية أشهر بالتحليق فوق مناطق يسيطر عليها تنظيم الدولة داخل العراق.

وفيما تتحدث مصادر إيرانية عن أن قوام اللواء 65، المعروف بالقبعات الخضر، يتراوح ما بين 6 و7 آلاف مقاتل، فإن نفس المصادر تعتقد أن “المستشارين” الذين أرسلوا إلى سوريا لا يتعدون المئتي مقاتل من القوات الخاصة التابعة للواء، علما أن اللواء 65 يعتبر من ألوية النخبة التي كان لها دور لافت، حتى ما قبل قيام الجمهورية الإسلامية.

على أن إعلان قائد سلاح البر في الجيش الإيراني العميد أحمد رضا بوردستان عن مقتل أربعة مستشارين عسكريين إيرانيين في سوريا، خلال مشاركتهم بالمعارك، كشف عن طبيعة المهام الموكلة للقوات الإيرانية، وطبيعتها غير الاستشارية. وقد اعترف بوردستان “أن هؤلاء العسكريين قتلوا أثناء مشاركتهم في عملية أمنية ضد مسلحي جبهة النصرة وغيرهم من (التكفيريين) جنوب حلب”، مضيفا، أنهم قبل مصرعهم تمكّنوا من تدمير عدد من الدبابات والمدرعات وقتل 200 من هؤلاء.

تناقض تصريحات العسكريين حول إرسال قوات من الجيش الإيراني يكشف عن مشكلة قيادة سياسية في البلاد بين مؤسسة المرشد ومؤسستي رئاسة الجمهورية والحكومة

وبانتظار جلاء النزاع المالي بين طهران وواشنطن وتطبيع الولايات المتحدة علاقات نظامها المالي مع النظام المالي في إيران، تستخدم طهران لغة موازية للغة التي تستخدمها واشنطن في مسألة التصدي للإرهاب. ففيما يكرر الرئيس الأميركي باراك أوباما أن محاربة تنظيم داعش هو أولوية أميركية، يؤكد قائد سلاح الجو في الجيش الإيراني “أن تنظيم داعش الإرهابي المسلح ليس هو الخطر الأكبر على بلاده، بل العدو الرئيسي لإيران هو والولايات المتحدة، وأن طهران تستعد للمواجهة على هذا المستوى”. وهذا ما قد يفسر إعلان طهران عن مشاركة المئات من المستشارين من الجيش الإيراني مقابل إعلان أوباما عن إرسال 250 جنديا أميركيا إضافيا إلى سوريا في إطار الحرب ضد داعش هناك.

لكن اللافت تجلى في تصريحات لقائد الجيش الإيراني، الجنرال عطاالله صالحي، والتي نفى فيها مشاركة اللواء 65 التابع للجيش في المعارك بسوريا، مؤكدا أن مسؤولية إرسال “قوات عسكرية استشارية” إلى سوريا ليس من مهام الجيش، وأن مؤسسة أخرى (الحرس الثوري) تقوم بإرسال عناصر من الجيش”.

ويكشف تناقض تصريحات العسكريين حول مسألة إرسال قوات من الجيش الإيراني عن مشكلة قيادة سياسية في البلاد بين مؤسسة المرشد ومؤسستي رئاسة الجمهورية والحكومة الإيرانية. ويرى المراقبون أن المرشد بات يخترق مؤسسة الجيش الإيراني دون المرور بوزارة الدفاع، وأن الحرج الإيراني في سوريا بات يستدعي استخدام قوات الجيش الإيراني ونخبه، بعد أن ثبت فشل الحرس الثوري وفيلق القدس والميليشيات الشيعية غير الإيرانية التابعة له.

واشار المراقبون إلى تصريح مساعد شؤون التدريب في القوة البرية للجيش الإيراني، العميد كمال بيمبري، الذي قال فيه إن الجيش يقاتل جنبا إلى جنب مع الحرس الثوري في سوريا، بأوامر من القائد العام للقوات المسلحة، وهو المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.

على أن ارتفاع عدد القتلى الإيرانيين في سوريا، والذي وصل إلى حوالي 300 منذ أكتوبر 2015، يعكس مدى التورط الإيراني في سوريا، والذي أصبح رسميا معلنا، يشمل الجيش الإيراني أيضا، على نحو يعلن تدخلا كاملا دفاعا عن مصالح طهران في سوريا.

لكن أوساط دبلوماسية أوروبية اعتبرت التطور الإيراني مقدمة لإعلان دول إقليمية أخرى تدخّلا مباشرا ما في الميدان السوري، لا سيما أن بعض السيناريوهات التي تحدثت عن تثبيت نفوذ أمر واقع في سوريا، على ما تم تداوله، قد يدفع لتدخلات برية مختلفة الهويات تذكر بذلك الذي حصل في نهاية الحرب العالمية الثانية حين تمّ تقسيم ألمانيا المنهزمة إلى مناطق نفوذ تديرها فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.

4