التدخل البري في اليمن ضمن قائمة الخيارات غير المستبعدة

الأحد 2015/04/05
خبراء يدعون إلى اتباع سياسة التريث قبل التدخل البري في اليمن وإنهاك الخصوم قبل النزول إلى الأرض

القاهرة - تتزايد المطالبات بتدخل بري من قِبل تحالف “عاصفة الحزم” في اليمن، مع ارتفاع الضغط الميداني، ووسط مخاوف من توسّع عنف الحوثيين على الأرض، ردّا على خسارتهم التي تلحقها بمعاقلهم العمليات الجوية لقوات التحالف.

وتبعا للدعوات المتكررة التي وردت على لسان وزير الخارجية اليمني، رياض ياسين، بضرورة التدخّل البري العاجل تؤكدا التصريحات السعودية أن هذا التدخل ضمن قائمة الخيارات غير المستبعدة.

دخلت “عاصفة الحزم” أسبوعها الثاني، ولم يعلن حتى الساعة عن عملية برية يراها مراقبون تلوح في الأفق فيما يحذر آخرون من خطورتها. ولكن لا تخلو المواجيز الصحفية لأحمد العسيري، المتحدث باسم “عاصفة الحزم” من الإشارة إليها؛ ومنها ما ذكره، في وقت سابق، بأن “القوات البرية السعودية جاهزة ومدربة وسوف تقوم بدورها في الوقت المناسب”.

وكان وزير الخارجية اليمني، رياض ياسين، طلب من الدول العربية التدخل بريا للمساعدة في تأمين عدن. لكن لا يتوقّع خبراء أن استجابة التحالف سريعة، مثلما حدث مع التدخّل الجوي، مشيرين إلى أن التدخّل البري في اليمن مسألة في غاية الصعوبة، إن لم يتم التفكير في حلول مبتكرة، لكن ذلك لا يعني أن دول التحالف لن تتدخّل أو هي غير مستعدّة لذلك.

وتؤكد مصادر يمنية أن “قرار التدخل البري قد اتخذ” وأن هناك فقط ترتيبات تجري على الأرض، في الجوانب الفنية للعملية العسكرية البرية، نظرا للطبيعة الجغرافية والديمغرافية لليمن. ومن بين الأسباب التي يرى خبراء أنها قد تؤخّر التدخل العسكري البري في اليمن:

السعودية تستعد لسيناريو التدخل البري من خلال التدريب المشترك مع قوات العمليات الخاصة الباكستانية ذات الخبرة الطويلة في هذا المجال

*الطبيعة الجبلية: أرض اليمن عبارة عن جبال عالية بركانية، تشرف على ساحل البحر الأحمر من جهة الغرب، وتنحدر في الشرق نحو صحراء الربع الخالي، وتتخللها الأودية. وما بقي من أرض اليمن فهو عبارة عن سهل ساحلي قاحل على البحر الأحمر، عرضه حوالي 70 كلم وسهل ساحلي آخر على بحر العرب وخليج عدن، وهو سهل ضيق جداً تتخلله بعض الواحات.

وتمثل هذه الطبيعة الجبلية، لا سيما إذا صاحبتها ندرة في الخرائط الطبوغرافية، عائقا أمام أيّ قوة برية نظامية، واعترف بذلك مدير المخابرات العامة المصرية، صلاح نصر، إبّان حرب اليمن عام 1962.

وقال نصر، في مذكراته، إن “القادة الميدانيين المصريين كانوا يعانون من انعدام الخرائط الطوبوغرافية مما سبب لهم مشكلة حقيقية في الأشهر الأولى من الحرب.. فلم يستطع القادة وضع الخطط للعمليات العسكرية ولأن مصر لم يكن لديها سفارة في اليمن منذ سنة 1961، فقد طلبت معلومات من السفير الأميركي في اليمن، لكن كل ما أرسله في تقريره كانت معلومات عن الاقتصاد اليمني”.

وواجهت الولايات المتحدة نفسها هذه المشكلة مرتين، ولم تستطع رغم تقدم وسائل الاستطلاع لديها وتوافر الخرائط الطبوغرافية في حلّها، وكانت المرة الأولى في حربها بفيتنام عام 1956، حيث المساحات الشاسعة من الغابات، والمرة الثانية في حربها بأفغانستان عام 2001 حيث الطبيعة الجبلية.

ويوضّح الخبراء أن التعامل الأمثل مع مثل هذه الطبيعة الجبيلة، لا يكون بالاجتياح البري، لكن تلعب قوات العمليات الخاصة دورا مهما في هذا الصدد، كما يقول صفوت الزيات، الخبير العسكري والعميد المتقاعد بالجيش المصري.

ويضيف الزيات “هذه القوات لن تكون تحركاتها وفق أهداف تكتيكية واضحة، ولكن سيكون الهدف منها هو تنفيذ أهداف محددة لمواجهة مشكلة بعينها”. ويبدو أن السعودية تستعد لهذا السيناريو من خلال التدريب المشترك مع قوات العمليات الخاصة الباكستانية، والتي لها خبرة طويلة في هذا المجال.

وأعلنت السعودية في 30 مارس الماضي عن انطلاق التمرين المشترك “صمصام 5” بين القوات البرية الملكية السعودية ووحدات من القوات الخاصة بالجيش الباكستاني، وذلك في ميدان متخصص بالقتال الجبلي.

ونقلت وكالة الأنباء السعودية عن مدير التدريبات، العميد ركن شائح بن عبدالله القرني، قوله إن “التدريب امتداد لسلسلة من التمارين المشتركة بين القوات البرية الملكية السعودية ومجموعة من قوات الدول الشقيقة والصديقة ومن ضمنها جمهورية باكستان الإسلامية”، موضحا أن التدريبات على الحرب ستتم “في بيئات ذات تضاريس جبلية صعبة وفي عمليات غير نظامية”.

*الطبيعة القبلية: تشير بعض الدراسات اليمنية إلى أن القبائل تشكل حوالي 85 بالمئة من تعداد السكان البالغ عددهم ما يزيد على 25 مليون نسمة، وبحسب الدراسات فإنه يتواجد ما يقارب 200 قبيلة في اليمن وبعضها أحصى أكثر من 400 قبيلة.

وقال الباحث اليمني فؤاد الصلاحي، في دراسة بعنوان “المجتمع والنظام السياسي في اليمن”، إن القبيلة تبرز في المجتمع اليمني كبنى اجتماعية فاعلة وليست مجرد تشكيلات تنتمي إلى الماضي.

وأوضح الباحث أن النظام السياسي في اليمن اعتمد على سياسات أعطت مكانة كبيرة للقبيلة وأضعفت مرتكزات الدولة الحديثة وغيبت منظومتها الثقافية، فكان من أهم عيوب وأزمات الدولة في اليمن أنها لا تتعامل مع المواطنين مباشرة من خلال مؤسسات الدولة المدنية والقضائية والخدمية، بل من عبر المشايخ، مما عظّم من دور هؤلاء في مقابل تقزيم أدوار مؤسسات الدولة.

وخلق هذا الوضع دورا كبيرا للقبيلة في المشهد السياسي، وهذه القبائل يصعب تحديد موقفها من الأطراف المتصارعة في اليمن. فالقبيلة الواحدة في اليمن تتكون من أفخاذ، وقد تكون هناك أفخاذ مع تحالف عاصفة الحزم، وأفخاذ مع الحوثيين وعلي عبدالله صالح، كما هو الحال في قبيلة بكيل.

مصر تتعامل بحذر مع سيناريو التدخل البري
القاهرة - قال أحمد عبدالحليم، الخبير العسكري في تصريحات لـ “العرب”، إن تدخل مصر بريا في اليمن، لن يحدث إلا بموافقة مجلس التعاون الخليجي، مشيرا إلى ارتباط تدخل مصر العسكري في صنعاء بقرارات من المملكة العربية السعودية، طبقًا للاتفاقات المبرمة بين البلدين، ووفقا لصيغة التحالف المعلن الذي ارتضاه كل منهما.

وأضاف عبدالحليم، أن تواجد قوات بحرية مصرية في ساحل البحر الأحمر وبالقرب من اليمن، عملية تستهدف تأمين أيّ إمداد عبر البحر، لكن التدخل البري، إذا حدث، لا بد أن يتم وفق استراتيجيات أخرى، لافتًا إلى أن هذا التدخل الذي قد يلوح في الأفق ليس سهلا، فمن شأنه أن يؤدي إلى استنزاف للقوات واستعادة ما حدث من غيوم عسكرية خلال فترة الستينات من القرن الماضي، حيث أرسل الرئيس الراحل جمال عبدالناصر قوات خاضت غمار حرب كبدت القوات المصرية خسائر فادحة.

وأوضح الخبير العسكري أن هناك محاذير تأخذها قوات التحالف العربي حيال الضربات التي توجهها لعناصر الحوثيين في اليمن، فهي لا تسعى إلى تخريب البنية التحتية اليمنية، كما أن فكرة التدخل البري تتعامل معها القاهرة بحذر كبير، وعلى ضوء النتائج الحالية ربما لا يتم اللجوء إليها أصلا.

ورأى عبدالحليم أن الأمر لم يعد بحاجة إلى ضربات متواصلة، وأن الضربة الأولى تركت تأثيرًا إيجابيًا، والأمور تشير إلى رغبة الرئيس السابق علي عبدالله صالح، الذي يعد طرفًا رئيسيًا مع الحوثيين، في المصالحة السياسية الآن، حتى وإن كانت هناك نوايا خبيثة، الغرض منها أن ينأى بنفسه ويترك الحوثيين يلقون مصيرهم أمام قوات التحالف.

وعن المخاوف من التدخل الإيراني المباشر، حال قيام قوات التحالف بتوجيه ضربات متلاحقة وإنزال قوات برية، قال عبدالحليم، إنه ليس في مقدور إيران محاربة تحالف مكون من عشر دول، وأن معركتها الحقيقية تكمن في التقارب مع الغرب، وليس الدخول في مواجهات غير مباشرة معه.

وأشار الخبراء إلى مفارقة أخرى تكشف عن صعوبة تحديد الولاءات بالنسبة إلى القبائل، وهي أن صغير بن عزيز، وهو من رموز قبيلة “حرف سفيان” من المقربين لعلي عبدالله صالح، وفي نفس الوقت يقاتل ضد الحوثيين ومن أشد كارهيهم.

وقد تبدلت توجّهات بعض مشايخ القبائل الصغيرة بعد بدء ضربات تحالف عاصفة الحزم من تأييد لمعسكر الحوثيين والقوات الموالية لعلي عبدالله صالح، إلى تأييد “عاصفة الحزم”.

وقال صفوت الزيات، إن مصر عانت في حربها باليمن من هذه الطبيعة القبلية.

وأضاف “القبيلة بتكوينها الثقافي والاجتماعي لم تكن تعنيها شعارات التحرر التي رفعها الرئيس المصري جمال عبدالناصر، فكل ما يعنيها هو المصلحة القبلية”.

*انتشار السلاح: في ظل الدور الكبير للقبيلة، وقيامها بالوظائف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي يمكن للدولة أن تقوم بها، فرض ذلك أن تكون القبيلة اليمنية تنظيما حربيا، يضمن أمن أفرادها وحماية ممتلكاتهم.

ويعتبر السلاح بالنسبة إلى كل يمني جزءًا مهمًا من مظهره الخارجي، حيث ينظر إلى السلاح على أنه من لوازم زينة الرجل ومعززات مكانته الاجتماعية، كما أنه رمز للقوة والبطولة والشرف والرجولة، ومدعاة للفخر والاعتزاز. ويبرز السلاح في حياة القبيلة اليمنية كجزء أساسي لا يتجزأ من تكوينها وشخصيتها، ويعتبر التخلي عنه مدعاة للعار.

وتزيد هذه الحالة من حساسية التدخل البري في اليمن، فجيش التحالف حينها، لن يواجه جيشا نظاميا، لكنه سيواجه شعبا تمّ تسليحه من منطلق ثقافي “العرف القبلي”، ناهيك عن السلاح الذي استولى عليه الحوثيون من الجيش اليمني أو الذي وصلهم بسرية من إيران وقوى خارجية داعمة لهم.

*خطورة حرب العصابات: طبيعة جبلية تدعمها طبيعة قبلية وعقائدية وفوق ذلك سلاح في أيدي أغلب المواطنين، كل هذا يصب في اتجاه مخاطر كبيرة سيواجهها أيّ اقتحام بري غير مدروس لليمن. والخطورة ليست في أن ميزان القوة سيكون لصالح الحوثيين ومن يواليهم، لأن الهجمات الجوية، ستكون قد أتت على جزء كبير من قوّتهم؛ لكن الخطورة في أن جيش التحالف لن يواجه جيشا نظاميا، ولكن ستتم محاربته بأسلوب “حرب العصابات”.

وحرب العصابات كما يتم تعريفها في العلوم العسكرية، هي حرب غير تقليدية، بين مجموعات قتالية يجمعها هدف واحد وجيش تقليدي، وتتكون هذه المجموعات من وحدات قتالية صغيرة نسبيا مدعمة بتسليح أقل عددًا ونوعية من تسليح الجيوش، وتتبع أسلوب المباغتة في القتال ضد التنظيمات العسكرية التقليدية في ظروف يتم اختيارها بصورة غير ملائمة للجيش النظامي.

ويتفادى مقاتلو حرب العصابات الالتحام في معركة مواجهة مع الجيوش التقليدية لعدم تكافؤ الفرص، فيلجأون إلى عدة معارك صغيرة ذات أهداف استراتيجية يحددون هم مكانها وزمانها حيث يكون تأثيرها موجعًا للخصم.

ويرى مراقبون أن الحوثيين يفضلون المواجهة البرية مع قوات التحالف حتى يتمكنوا من تحقيق انتصارات بأسلوب “حرب العصابات”، لكن صفوت الزيات، العميد المتقاعد بالجيش المصري، يقول “من الواضح أن جيش تحالف عاصفة الحزم مدرك تماما لخطورة الاقتحام البري، وهو حتى الآن يتعامل مع الموقف بحالة من حالات الرشد الاستراتيجي التي تعجبني شخصيا”.

لكن إلى أيّ مدى يستطيع التحالف الحفاظ على هذا الرشد الاستراتيجي؟ يجيب على هذا التساؤل الكاتب الصحفي مكرم محمد أحمد متوقّعا تدخلا قريبا، خاصة في ظلّ الحديث عن استفزازات حوثية على الحدود السعودية.

ويرى مكرم محمد أحمد، الذي كان شاهدا على وجود الجيش المصري في اليمن إبان حقبة عبدالناصر، أن التدخل البري لقوات التحالف العربي في اليمن أصبح احتمالا واردا. واعتبر تخوف مصر من استنزاف القوات العسكرية هناك بأنه تخوف غير صحيح.

وأشار إلى أن الحوثيين كقوة عسكرية لا تشكل خطرا على جيش في حجم الجيش المصري، وأنهم يشكلون نسبة 2 بالمئة فقط من القبائل الزيدية، لذلك لن يستطيعوا السيطرة على اليمن.

4