طرابلس - شكلت مذكرة التفاهم بين تركيا وحكومة الوفاق بقيادة فايز السراج حول التعاون الأمني والعسكري وترسيم الحدود البحرية مثار جدل عربي ودولي واسع ضد التدخلات المتتالية لنظام أنقرة في أكثر من بلد عربي.

ويعمل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على تعزيز نفوذ بلاده شرق البحر المتوسط عبر دعم ميليشيات إسلامية متطرفة تسيطر على العاصمة طرابلس، التي يسعى الجيش الليبي إلى تحريرها من تلك الميليشيات واستعادة الدولة الليبية.

وأبرم السراج وأردوغان اتفاقية للتعاون الأمني والعسكري وترسيم الحدود وسط غضب شعبي ورسمي وتنديد دولي من الاتفاقية التي تتيح لأنقرة اختراق أجواء ليبيا ومياهها الإقليمية دون إذن.

ويسعى أردوغان إلى استثمار الاتفاقية في تصريحاته لاستفزاز الدول المعنية بالمنطقة البحرية مثار الاتفاقية، ومن بينها مصر واليونان وقبرص.

ويثير الغموض الذي يحيط بالاتفاقية وبنودها مخاوف من أن تعبّد هذه الاتفاقية الطريق أمام التدخل العسكري التركي العلني لحماية الميليشيات المسلحة في طرابلس، وذلك بعد تزايد الضغوط الدولية على أنقرة لوقف تزويد تلك الميليشيات بالأسلحة والطائرات المسيرة لغياب أيّ مسوغ قانوني يبيح لها ذلك.

ويرى متابعون للشأن الليبي أن الاتفاقية تشرّع لتقسيم ليبيا ورهن جزء من أراضيها لتركيا التي لا تتوقف عن التورط عسكريا في أكثر من جبهة.

وكان الجيش الليبي قد حذر من أن الاتفاقية تهدد السلم والأمن الدوليين والملاحة البحرية، وتؤثر بشكل مباشر على مصالح دول حوض المتوسط من خلال محاولة تركيا توسعة نفوذها وتحقيق أطماعها في المنطقة.

ويقول مراقبون إن التصدي لأطماع أردوغان في ليبيا يبدأ بسحب الشرعية الدولية عن حكومة الوفاق ومجلسها الرئاسي اللذين تحولا إلى واجهة سياسية لخدمة تيار الإسلام السياسي لاسيما بعد انسحاب أغلب أعضاء المجلس احتجاجا على هيمنة الإسلاميين على القرار.

ويزيد الاتفاق البحري الموقّع بين حكومة الوفاق الليبية وتركيا من تعميق التصدع في العلاقة بين بروكسل وأنقرة حيث اعتبر الزعماء الأوروبيون في بيان أصدروه خلال اجتماعهم مؤخرا أن اتفاقية ترسيم الحدود بين البلدين تنتهك القوانين الدولية، معربين عن إدانتهم لهذا الاتفاق البحري.

وأقر نص اتفاق زعماء الاتحاد الأوروبي بأن مذكرة التفاهم "تنتهك الحقوق السيادية لثلاث دول، ولا تمتثل لقانون البحار ولا يمكن أن تنتج عنها أيّ تبعات قانونية بالنسبة إلى الدول الثلاث".

وأعلن البيان صراحة "تضامن" الزعماء الأوروبيين مع اليونان وقبرص، اللتين لديهما مخاوف من أن تركيا تحاول إثبات ادعاء باحتياطيات غاز طبيعي قيّمة يشتبه في أنها تقع تحت قاع البحر.

التغلغل التركي الذي يثير استياء الجميع
التغلغل التركي الذي يثير استياء الجميع

وتتوجّس اليونان، من أن تمسّ الاتفاقية من حقوقها السيادية وتتدخّل في رسم الحدود البحرية بشكل غير قانوني ويتجاوز حقوق الدول المتشاطئة.

يذكر أن اليونان قد طردت السفير الليبي بسبب غضبها من الاتفاق الموقع في 27 نوفمبر الماضي بما أسس لممر بحري بين ليبيا وتركيا في مناطق تعتبرها اليونان ضمن حقوقها البحرية.

وتنص مذكرة التفاهم حسب ما تداولتها أوساط سياسية ليبية على الاستحواذ التركي الكامل على مقدرات ليبيا وقرارها السيادي في الحدود البحرية خصوصا.

وقال مدير الاتصال في الرئاسة التركية فخرالدين ألتون إن النص الجديد هو "نسخة أوسع من الاتفاق الإطار للتعاون العسكري المبرم" بين البلدين.

وأكد أن الاتفاق الجديد "سيعزز العلاقات بين جيشينا"، مشيرا إلى أن "استقرار ليبيا يمثل أهمية كبرى لأمن الليبيين ولمكافحة الإرهاب الدولي".

وفيما يخص مجالات الأمن والتعاون العسكري التي نصت عليها المذكرة المزعومة فيشمل التعاون في إنشاء قوة الاستجابة السريعة ضمن مسؤوليات الأمن والجيش في ليبيا لنقل الخبرات والتدريب والاستشارات والدعم المادي والمعدات من قبل تركيا.

وكذلك إنشاء مكتب مشترك للتعاون الأمني والدفاعي في تركيا وليبيا مع عدد كافٍ من الخبراء والموظفين عند الطلب. إضافة إلى توفير التدريب والمعلومات الفنية والدعم والتطوير والصيانة والإصلاح والتعافي والتخلص ودعم الموانئ والمشورة، وتخصيص المركبات البرية والبحرية والجوية والمعدات والأسلحة والمباني والعقارات (قواعد التدريب) بشرط أن تكون الملكية محفوظة.

وكذلك تقديم خدمات التدريب والاستشارات فيما يتعلق بالتخطيط العسكري المشترك وأنشطة نقل الخبرات والتدريب والتعليم وأنظمة الأسلحة واستخدام المعدات التي تغطي مجالات نشاط القوات البرية والبحرية والجوية ضمن هيئة قواتها المسلحة داخل حدود الطرفين، بناءً على دعوة من الطرف المتلقي.

أطماع أردوغان أبعد من مذكرة للتفاهم مع حكومة السراج
أطماع أردوغان أبعد من مذكرة للتفاهم مع حكومة السراج

وإلى جانب كل ذلك هناك التدريب وتبادل المعلومات والخبرات في تنفيذ العمليات المشتركة في مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية وأمن الأراضي والحدود البحرية والجوية ومكافحة الإرهاب والتهريب والتخلص من الذخائر المتفجرة والعبوات الناسفة وعمليات الإغاثة الطبيعية في حالات الكوارث وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون العملياتي.

وسبق وأن أكد أردوغان في يونيو الماضي أن تركيا تزود حكومة الوفاق بأسلحة، معتبرا أن تلك المعدات العسكرية سمحت لطرابلس "بإعادة التوازن" في مواجهة الجيش الليبي.

وحذرت مصادر سياسية وشعبية ليبية من أن هذه الاتفاقية تشرّع لتقسيم ليبيا ورهن جزء من أراضيها إلى تركيا التي لا تتوقف عن التورط عسكريا في أكثر من جبهة.

واعتبر مجلس النواب الليبي في بيان له أن الاتفاقية تهدف إلى تزويد الميليشيات الإرهابية بالسلاح، و"تسمح للجانب التركي باستخدام الأجواء الليبية ودخول المياه الإقليمية دون إذن، وهو ما يمثل تهديدا حقيقيا وانتهاكا صارخا للأمن والسيادة الليبية".

وحذر المجلس من أن "الاتفاقية تمثل تهديدا تركيا للأمن العربي وللأمن والسلم في حوض المتوسط، وهي خطوة ترقى إلى تهمة الخيانة العظمى".

وتمس الاتفاقية أيضا دول المنطقة على البحر المتوسط الأمر الذي دفعها إلى إعلان صريح برفضها، وصرح المتحدث باسم الخارجية اليونانية ألكسندروس ينيماتاس بأن "توقيع هذا الاتفاق لا يمكن أن ينتهك الحقوق السيادية للدول الأخرى" لأن "ذلك سيكون انتهاكا صارخا للقانون البحري الدولي".

Thumbnail