التدخل الثاني في ليبيا

الاثنين 2016/09/19

في الظاهر يبدو تقدم قوات الجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر والسيطرة على الهلال النفطي، خطوة مهمة، قلبت موازين كثيرة، سياسية وأمنية لصالحه، لكن في تقديري أنها يمكن أن تجلب له المزيد من المشكلات.

وبدلا من أن تضعه في الصدارة قد تطيح به نهائيا، أو تجعله يقبع في الخلف، ليس لأنها أرخت بظلال سلبية على ترتيبات وتجهيزات أعدت لمستقبل ليبيا، لكن لأنها مهدت الطريق وأوجدت المبررات اللازمة لوقف زحفه وعدم التمادي في طموحاته. أعلم أن هذه النتيجة، ربما تجعل البعض يتهمني بالشطط أو الخرف، في ظل حمى التفاؤل التي انتابت قطاعا كبيرا من الناقمين على فايز السراج ورفاقه، أو ممن تصوروا أن ليبيا قاب قوسين أو أدنى من الاستقرار.

التحليل المنطقي للمعطيات التي وصلتني من مصادر ليبية على دراية بالكثير من الأمور الدقيقة، قد يجعل الاستنتاج السابق قريبا من التحقق، فالاستنفار الذي أعلنته بعض الدول عقب هذا التقدم، يشي بأننا أمام مرحلة جديدة من عمر الأزمة الليبية.

وبدءا من الطريقة السهلة التي وصلت بها قوات حفتر إلى الهلال النفطي، وحتى خروج أو استسلام إبراهيم الجضران قائد حرس المنشآت النفطية، يمكن القول إن ثمة مايسترو أو أكثر لعب دورا مهما في تهيئة الأجواء لهذه العملية، وأفسح المجال لدخول هذا (حفتر) إلى مسرح العمليات الغني بالنفط، وخروج ذاك (الجضران) منه، ليتسنى تنفيذ حزمة أخرى من المخططات.

ومع أن الثروة النفطية والغازية في ليبيا، أحد الأسباب الرئيسية التي قادت إلى غالبية الويلات والنكبات التي حلت بالبلاد، إلا أن مقتضيات اللعبة الأمنية فرضت اللجوء إلى ترتيبات خادعة لإغراء البعض، ما جعلهم يقعون بيسر في الفخ.

في هذا السياق، استشهد المصدر الليبي الذي تحدثت معه في القاهرة، بأن العملية لم تخلف وراءها قتلى أو جرحى تقريبا، وأن الدخول العسكري الواسع لم يكن بعيدا عن التفاهم مع الجضران، وكلها علامات تثير الاستغراب، ناهيك عن أن هذه المنطقة كان لقوات حفتر وجود على هوامشها منذ فترة.

وأضاف محدثي أن ما حصل في هذه المنطقة، لم يكن منفصلا عما جرى في مدينة سرت وضواحيها، فقد تم إنزال عناصر من القوات الأميركية، وقامت طائرات من دون طيران بشن العشرات من الطلعات الجوية ضد عناصر داعش، كل ذلك ولم نر جثة داعشي واحد، كما أن قيادات التنظيم في سرت تبخرت، أو تم نقلها إلى مكان آخر.

وهو ما يستكمل جانبا سياسيا من الصورة، وبحجة مطاردة فلول التنظيم المتطرف في الصحراء الشاسعة، وحماية آبار النفط، سيكون المسرح مستعدا لتقبل حديث عن دخول قوات دولية جماعية، للقيام بهاتين المهمتين، لأن وجود قوات أميركية وفرنسية وبريطانية وإيطالية على الأراضي الليبية، بصورة منفردة وفي أماكن متفرقة لن يساعد تماما على رسم السيناريو القادم، بالطريقة التي تخدم مصالح هذه القوى.

قلت لمحدثي الليبي، إن حفتر حصل على ضمانات من كل من روسيا والصين، تفيد بتكفل كل منهما بتعطيل أي قرار دولي داخل مجلس الأمن يسمح بإرسال قوات تحت مسمى حفظ السلام أو غيرها في ليبيا، فأمن على كلامي، مضيفا أن ذلك حدث فعلا بوساطة مصرية.

وسط التغيرات والتطورات والصفقات والتناقضات، لن يكون من المستبعد أن تتخلى كل من موسكو وبكين عن تعهداتهما غير المباشرة للمشير حفتر، إذا ضمنت كلتاهما الحفاظ على مصالحهما والحصول على مكاسب في قضايا أخرى، ربما تفوق أهمية ليبيا، والدليل التغير النوعي في الموقف الأميركي من الأزمة السورية، حيث بدت واشنطن كأنها استسلمت لإرادة موسكو، وتبنت سياسات عكس مواقفها المبدئية.

الواضح أن التدخل الدولي الثاني المتوقع في ليبيا، لن يتم بطريقة خشنة، وسيتم غالبا عبر اللجوء إلى أدوات ناعمة لتمريره، ولعل الحوارات والنقاشات التي فتحت أبوابها في القاهرة بشكل غير مباشر على جبهة حفتر، تعزز ذلك، حيث عاد سيناريو تنصيبه قائدا للجيش يحظى بقبول نسبي من جانب فايز السراج ورفاقه.

وإذا أخذنا في الاعتبار أن الجبهة المناهضة، أي جبهة طبرق ومن لف لفها، لا يزال هناك قطاع كبير فيها يتعامل مع حفتر على أنه مرشح الضرورة الذي لا مفر منه في الوقت الراهن، تزداد الصورة وضوحا، مع أن لدى فئات داخله، خاصة المحسوبين على نظام معمر القذافي، حالة من عدم الاقتناع بالدور الذي يقوم به.

وهو ما يستند في نظرهم إلى جملة من العوامل، أبرزها أنه لا يحظى بدعم شعبي كاف، وغالبية القبائل المؤثرة غير مقتنعة به، وعاش في الولايات المتحدة مدة طويلة، وحصل على الجنسية الأميركية، الأمر الذي يثير علامات استفهام كثيرة، علاوة على علاقاته القديمة بجماعات إسلامية متشددة، حيث درج على الذهاب إلى أفغانستان وعقد لقاءات مع عناصر ليبية متطرفة ذهبت للقتال، في ذروة الانخراط السوفييتي هناك في عقد الثمانينات من القرن الماضي.

الشاهد أن التقدم الذي أحرزته قوات حفتر، ساهمت فيه عناصر عسكرية محسوبة على النظام الليبي السابق، ومنذ تزايد انضمامها في العام الأخير، والجيش الليبي أصبح على درجة أعلى من الجاهزية، وهؤلاء مثلوا نقطة القوة الحقيقية، لأن لدى معظمهم عقيدة قتالية وطنية، من الصعوبة أن تلين لأي إغراءات أو ضغوط خارجية.

القضاء على شوكتهم قبل أن تنمو وتتكاثر وتستفحل وتتحول إلى منغص شديد، بات مطلبا ضروريا لقوى دولية عديدة، لذلك من الممكن أن يكون التقدم العسكري مخلب قط لهم، إذا صممت بعض القوى على مسألة إرسال قوات دولية مرة ثانية إلى الأراضي الليبية، بحجة حماية الثروة النفطية، والحيلولة دون اتساع رقعة الفوضى والانفلات.

كاتب مصري

9