التدخل الدولي وكذبة "السيادة الوطنية"

السبت 2013/09/07

الضربة العسكريّة الدولية المرتقبة على النظام السوري تشغل بال السوريين جميعا، بحيث أن هناك من بدأ يتناسى جرائم النظام بحق الشعب ومجازره التي فاقت الوصف والاحتمال، ليتذرع بالسيادة الوطنية وغيرها من الحجج التي تزعم الدفاع عن حدود البلد ضد أي اعتداء خارجي، وتحيل إلى «الأخوة الشعبية» وغير ذلك مما تجود به قرائحهم وإنشائياتهم وشاعرياتهم التي تبرز وتتفعل مع اقتراب التدخل المحدود، الذي يبدو أنه سيكون تأديبيا لا غير.

الملاحظ أن أنصار هذا التيار وهم ممن كانوا يجوبون المناطق الرمادية، ويختلقون المزاعم للوقوف ضد الثورة أو المطالبة بمقاييس محدّدة للثورة كي تنطبق عليها الصفة الثورية التي رفضوا أن يعترفوا بها، يختارون التعتيم على الجرائم العظمى المرتكبة والمآسي الكارثية التي أنزلها النظام بالسوريين طيلة ثلاثين شهرا من عمر الثورة، ويتجاهلون الكلفة الباهظة لاستمرار النظام في إجرامه الذي يقضي على البلد تاريخا وجغرافيا ومستقبلا.

ثم ترى هؤلاء يستعيدون الجدل البيزنطي حول دور الشعب ومجابهته للتدخل الدولي، وغير ذلك من المزايدات التي يحاولون بها ذر الرماد في العيون، وإلهاء الناس عن موتهم وقتلهم اليومي المتعاظم.

بالنسبة للضربة، تكثر التأويلات حولها أيضا، فالمتحدث باسم البيت الأبيض طمأن رأس النظام السوري بأن الضربة لا تستهدف الإطاحة بالنظام. وهذا بدوره يثير الكثير من التساؤلات حول جدوى الضربة من عدمها، وحول انتقام النظام تاليا من الشعب باعتباره لا يجرؤ على مقارعة الخارج إلا بطرقه الملتوية وعبر أدواته (وهو أداة لغيره) هنا وهناك.

كما يثير السجال بين قائل بأن التدخل العسكري المرتقب رسالة للنظام كي يكف عن استخدام الأسلحة الكيميائية، وأنه لن يكون لحسم الصراع لصالح الثوار، وبأن الضربة تهدف إلى إنهاك النظام لا إنهائه، وتترك للحل السياسي المفترض في جنيف 2 أن يتخذ مساره ومجراه. وفي جانب آخر يتنامى الترويع من حجم الضربة وتداعياتها، وهذا الترويع يتعاظم ليصل إلى عقود لاحقة واحتلال مباشر وغير ذلك من الأقاويل التي تصب في خانة إبقاء النظام، وإن كان يمارس القتل، بحجة أن الأخ حين يقتل سيكون أرحم من الغزاة والأجانب.

التاريخ أثبت أن النظام طيلة تاريخه كان أجبن من أن يتحدى الخارج بطريقة مباشرة، وبحسب أوهام «البطولة» التي يتغنى بها في وسائل إعلانه/ إعلامه. والواقع يؤكد أن مخاطر الضربة المرتقبة كثيرة للغاية، لكن مهما يكن من أمر، فإن تلك المخاطر لا تزيد عن مخاطر بقاء النظام واستمراره في ارتكاب المجازر تلو بعضها، وسينتقل بالكيميائي من منطقة إلى أخرى، تحت سمع العالم وبصره، لأنه يعلم بأنه مارق ولا أحد يوقفه.

آخر الدواء الكي كما يقال، ويبدو أن الخطوة الأولى للانتقال إلى الغد دون النظام الذي خلف كوارث بحق البلاد لا تكون دون ضربة دولية، لأنّ تمادي النظام في غيه واستغلاله التردد الدولي وتأمين الروس الغطاء السياسي له، والإيرانيين مختلف أنواع الدعم والمساندة له، بلغ حدودا مخزية، وتجبر الدول العظمى على التدخل لحفظ ماء وجهها أمام شعوبها وأمام التاريخ.

بالعودة إلى المتحدثين عن السيادة الوطنية. أين يمكن تصنيف مجزرة الكيميائي في الغوطتين التي راح ضحيتها الآلاف؟ هل تكون السيادة الوطنية مجرد شعارات بائسة في حين يتم التنكيل بالشعب ومحاولة إفنائه بشتى السبل وبجميع أنواع الأسلحة؟ ألا تكتسب الدول الاحترام من خلال احترامها لشعوبها؟ هل يمكن أن نصف نظاما يقتل الشعب في البلد الذي يحكمه بأنه نظام وطني؟ ألم يستعن النظام بالدول الحليفة له لتتدخل لمساندته منذ بداية الثورة أم أن تلك الدول التي تقتل الشعب السوري هي رسل سلام لا شياطين حرب؟ ماذا يسمى الطائفيون الذين يتاجرون بالدين وينهبون باسم الدين والوطنية، في حين أن انتماءاتهم عابرة للأوطان والأديان؟ أين السيادة الحقيقية المتمثلة بالحرص على الوطن والمواطن؟ هل هي في ملايين اللاجئين والنازحين والمشردين ومئات آلاف القتلى والمعتقلين؟ هل هي في مدن مدمرة وشعب مهجر؟


كاتب وروائي سوري

9