التدخل الروسي في سوريا يخلط حسابات قوى إقليمية ودولية

الخميس 2015/10/01
موسكو تدعو إلى تحرك داخل سوريا تحت مظلة دولية وقرار من مجلس الأمن

تواترت في الآونة الأخيرة الكثير من الأسئلة المتعلقة بالتدخل الروسي في سوريا مفادها، هل أنّ ما يجري في سوريا من تدخلات لبعض القوى الإقليمية والدولية، يعيد للمنطقة أجواء الحرب الباردة؟ أم هو محاولة لكسر العظام السياسية، تقودها قوى لها مصالح حيوية في الشرق الأوسط؟ وهل بتدخل روسيا في الحرب مباشرة ستتغير معادلات الأزمة التي مضى عليها أكثر من أربع سنوات؟ ولماذا قررت موسكو حاليا استخدام سلاح الجو ضد داعش؟ وما هو الدور المتوقع من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد الإرهاب؟

أسئلة بدأ طرحها يتزايد منذ اكتشاف وجود قوات روسية على الأرض السورية، والشروع في بناء قواعد عسكرية في بعض الموانئ السورية، لكن بعد موافقة أعضاء المجلس الاتحادي الروسي بالإجماع على طلب منح الرئيس بوتين صلاحية استخدام القوات المسلحة خارج الحدود، تحولت هذه الأسئلة إلى هواجس وكوابيس، قلبت حسابات بعض القوى الإقليمية والدولية، التي كانت تعتقد أنها تمسك بمفاتيح الأزمة.

وكان بوتين قد وجه خطابا، الثلاثاء، للمجلس الاتحادي (الغرفة العليا بالبرلمان الروسي) طالب فيه منحه تفويضا باستخدام القوات المسلحة خارج الحدود، وهو ما علق عليه سيرغي إيفانوف رئيس إدارة الكرملين عليه بالقول “إن التفويض متعلق بسوريا، لقد طلب الرئيس السوري بشار الأسد رسميا المساعدة والدعم العسكري من الرئيس بوتين”، مشيرا إلى أن الحديث يدور عن “عمليات تقوم بها القوات الجوية الروسية، أما مشاركة القوات الروسية في عمليات برية فهو مستبعد تماما”. وكانت دمشق أصدرت بيانا بدورها أكدت فيه أن إرسال قوات جوية روسية إلى سوريا قد تم بطلب رسمي منها.

عدد من المراقبين يعتبرون أنّ التحرك الروسي تكتيكي في المقام الأول للضغط على الأطراف الأخرى، وإجبارها على التعامل مع الأوضاع بجدية

ويقول محمود علام سفير مصر السابق في بكين وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، إنّ قرار مجلس الاتحاد الروسي يأتي في إطار حرص موسكو على العودة من جديد للمشهد الدولي لتلعب دورها كقوة مؤثرة فاعلة على الساحة الدولية، بعد انحساره، عقب انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي، وابتعادها عن مناطق حيوية، مثل الشرق الأوسط وشرق أوروبا، بما أثر سلبا على مصالحها الإستراتيجية.

وتابع علام في تصريحات خاصة لـ”العرب” أن روسيا بدأت هذا التحرك عقب اندلاع الأزمة في أوكرانيا بالقرب من حدودها، وتعرضها لضغوط من جانب بعض القوى الكبرى، والآن تظهر تحركاتها في الشرق الأوسط من خلال حليف قديم لها في سوريا.

ولفت السفير المصري السابق إلى أن القرار الروسي يعكس يقظة موسكو من جديد لرعاية مصالحها الخاصة، وعدم ترك الساحة خالية أمام الطرف الآخر الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، حيث أصبح الوضع في سوريا يتأرجح ما بين السيئ والأسوأ .

وشدد علام على أن وجود الرئيس بشار الأسد على رأس السلطة يعني إلى حد ما بقاء الدولة السورية ووقف محاولات القضاء عليها وإفشالها وتفتيتها، حتى وإن كان بقاؤه في مرحلة لاحقة بعد استقرار الأمور غير مهم .

ولفت عدد من المراقبين إلى أنّ التحرك الروسي تكتيكي في المقام الأول للضغط على الأطراف الأخرى، وإجبارها على التعامل مع الأوضاع بجدية، خاصة أن ضربات التحالف الدولي ضد داعش لم تأت بنتائج جيدة توقف تمدد التنظيم، وهو ما ظهرت ملامحه خلال الأيام الأخيرة في تصريحات وزير الخارجية الأميركي جون كيري وتصريحات رئيس وزراء بريطانيا ديفيد كاميرون، بأنه يمكن قبول وجود الأسد على الساحة كجزء من الحل مرحليا .

وأضاف السفير علام قائلا إن كانت الدول الكبرى ترى أن وجود الأسد يمثل خطرا فوجود تنظيم مثل داعش يشكل أكثر خطورة، وانتشار هذا التنظيم وما حققه من مكاسب نتيجة ضعف الدول والكيانات التي يعيث في أراضيها هو من قبيل الفساد، سواء في العراق أو في سوريا، ولدرء الخطر الأكبر لابد من قبول الخطر الأصغر.

واستبعد وصول الأمور إلى مرحلة المواجهة التي شهدتها الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق من جديد، أو وريثه الشرعي روسيا الاتحادية، لأن الأطراف جميعها ليس من مصلحتها الوصول إلى هذه المواجهة المكلفة، لكن قد يكون هناك شد وجذب وضغوط بين الجميع .

وتوقع علام أن يجري الرئيس الروسي بوتين حوارا ومفاوضات مع قادة الدول العربية الرئيسية في المنطقة للتنسيق، حتى وإن لم يشارك بعضها بشكل مباشر بقوات في الحرب السورية، فإنها لن تقف عقبة في طريق هذا التحرك، لأنه قد يحقق نوعا من التوازن وزيادة القدرة على حصار المخاطر التي تشهدها المنطقة وسوريا بالتحديد.

محمود علام: القرار الروسي يعكس يقظة موسكو من جديد لرعاية مصالحها الخاصة

وكشفت بعض المصادر العسكرية لـ”العرب” أنّ الموقف في سوريا شديد التعقيد والارتباك، بحيث من الصعب أن تقول إلى أين ستسير الأمور؟ لكن ما يمكن توقعه أن هناك بوادر اهتمام عالمي بما يحدث وهو ما ظهرت تجلياته في المواقف الدولية المختلفة، ومن بينها مشكلة تدفق اللاجئين السوريين، وما تمثله من تحد للمجتمع الدولي، وقد فرضت عليه إدراك التعامل مع أصل المشكلة، والتوصل إلى حلول عملية لها.

ونصح السفير المصري السابق في بكين الدول العربية أن تدفع في اتجاه إبعاد المنطقة عن صراعات القوى الكبرى، والدفع باتجاه حل عملي لجذور المشاكل الأساسية، التي أوصلت المنطقة لكل الصراعات التي تحفل بها، والعمل على وقف انتشار قوى التشدد والإرهاب، خاصة تنظيم داعش وما قام به من ممارسات في المناطق التي احتلها.

من جانبه، قال السفير رؤوف سعد سفير مصر السابق في موسكو إنّ قرار مجلس الاتحاد الروسي يعزز موقف موسكو المعروف، ودعمه التقليدي للنظام السوري، وكان لابد منه في الوقت الراهن.

وتابع سعد في تصريحات خاصة لـ”العرب” إنّ القرار لا يعني تدخل روسيا فرديا في الصراع الدائر، لكنه يأتي في إطار دعوة لتحالفات جديدة، وهو ما شبهه الرئيس الروسي بمحاربة النازية في الحرب العالمية الثانية، وبالتالي فهو يوفر كل الاعتبارات المرتبطة بالقرار، وهذا لا يعني أن ذلك سيليه تحريك مباشر للقوات ولا يعني أن يتم تحرك منفرد أو أن موسكو تسعى لتشكيل تحالف جديد.

ولفت إلى أن روسيا طرحت مشروع قرار على مجلس الأمن تضمن فكرة التحالف، والفارق بالطبع بين ما تدعو له روسيا والتحالف الغربي، هو اهتمام موسكو بأن مثل هذا التحرك لابد أن يكون تحت مظلة دولية وقرار من مجلس الأمن.

وحول مدى تعارض القانون الدولي مع القرار الروسي، قال سعد إن التدخل تم بناء على طلب من الدولة صاحبة المشكلة، وهو ما يتسق مع القانون الدولي، وإذا كان هناك وضع يدعو لتدخل المجتمع الدولي فيتخذ مجلس الأمن القرار تحت الفصل السابع للحفاظ على السلم والأمن الدوليين بالتدخل، خاصة فكرة المبدأ الجديد الذي استقر الآن في العلاقات الدولية وهو مبدأ “المسؤولية الجماعية للحماية”، والذي يطبق في حال كانت الحكومة عاجزة عن السيطرة على الوضع في البلاد أو تكون هناك أوضاع تستوجب ذلك، مثل التطاحن بين فئات الشعب المختلفة أو وجود مذابح أو غيرها، وكل هذا يمكن أن يصدر على أساسه قرار من مجلس الأمن.

7