التدخل الروسي في سوريا يقود المسيحيين إلى المقصلة

الأحد 2015/10/11

كما توقع الكثير من المراقبين، لم تتأخر كثيرا عواقب التدخل العسكري الروسي في سوريا تحت شعار “محاربة الإرهاب” ومباركة هذا التدخل من قبل بطريرك الكنيسة الروسية ووصفه لهذا التدخل بـ”المعركة المقدسة” على المسيحيين السوريين. وكرد مباشر وسريع على المزاعم الروسية والتصريحات غير المسؤولة لبطريرك روسيا التي تتنافى مع جوهر العقيدة المسيحية الرافضة للقتل والحروب المقدسة، أعدم مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية ثلاثة مخطوفين آشوريين لدى التنظيم الإرهابي من أصل نحو 200 آشوري مازالوا في معتقلات تنظيم داعش بعد أن اختطفهم من القرى الآشورية على نهر الخابور في محافظة الحسكة عندما غزاها في فبراير الماضي.

عرض التنظيم مقطع فيديو يظهر فيه قيام مقاتلين مُلثّمين بإطلاق الرصاص على رؤوس ثلاثة شبان آشوريين مخطوفين لديه (عبد المسيح نويا وآشـور إبراهام وبسام ميشائيل)، كما ظهر ثلاثة آخرون يرتدون الزي البرتقالي المعد لتنفيذ الإعدامات عند تنظيم داعش ليوجهوا نداء استغاثة لإنقاذهم قبل فوات الأوان، ما يعني أن مصيرهم في خطر وينتظرون اقتيادهم إلى مقصلة التنظيم، ورجّح المرصد الآشوري لحقوق الإنسان أن يكون الإعدام قد تمّ تنفيذه خلال فترة عيد الأضحى الماضي.

دماء وأرواح مسيحية بريئة وقعت ضحية وثمن المزاعم الروسية حول تدخلهم في الحرب السورية لأجل حماية مسيحيي سوريا والمنطقة من إرهاب التنظيمات الإسلامية، وهذه الجريمة قوبلت بإدانات واسعة من قبل مختلف الأوساط الآشورية (سريانية/ كلدانية) والمسيحية، وكذلك لدى أوساط واسعة من المسلمين، كذلك زادت من الاستياء المسيحي على التدخل الروسي في الحرب السورية وعلى تصريحات بطريرك روسيا العبثية.

الناشط السياسي السوري سليمان يوسف الباحث في قضايا الأقليات، رأى في تصريح لـ”العرب” أن جميع أطراف وقوى الصراع في سوريا (المحلية والإقليمية والدولية) تتحمل بشكل أو بآخر مسؤولية خطف المسيحيين والمصير الدموي الذي وصلوا إليه، فالجميع برأيه “تخلوا عن آشوريي سوريا ولم يُحرّكوا ساكنا من أجل إطلاق سراح مختطفيهم الذين أصبحوا بالمئات في الحسكة والقريتين، وهذا لا يعني تبرير جرائم تنظيم الدولة الإسلامية بحق المسيحيين والمسلمين على حد سواء، سوريا كان أم عراقيا”.

بعد التدخل الروسي وتداعياته من المؤكد أن قضية المخطوفين الآشوريين على يد داعش باتت أكثر تعقيدا وتشابكا مع الأزمة السورية

وحمّل مسؤولية إضافية للمؤسسات والهيئات والمنظمات والأحزاب المسيحية (الآشورية والسريانية وغيرها) في سوريا ودول الشتات لأنها “لم تقم بواجبها كما يجب تجاه قضية المخطوفين، ولم تتحرك من أجل الإفراج عنهم، إن كان على الصعيد الدبلوماسي وحث قوى الصراع والقوى الدولية النافذة على التحرك للإفراج عنهم، أم على صعيد جمع المال اللازم دفعه كفدية لقاء الإفراج عنهم إذا ما كان هذا هو شرط الإفراج عنهم رغم شكوكي الشخصية بهذا الأمر”.

إلى ذلك قالت مصادر آشورية سورية من مدينة الحسكة لـ”العرب” إن تنظيم الدولة الإسلامية طلب فدية 10 مليون دولار مقابل إطلاق سراح المختطفين الآشوريين من قرى الخابور شمال سوريا، وأشارت إلى أن الكنيسة المحلية لم تستطع جمع المبلغ، فيما رفض كثيرون المساهمة بدفع الفدية خوفا من أن تصبح قاعدة وتساهم في زيادة عدد المختطفين المسيحيين في سوريا.

ويرى بعض المسيحيين السوريين أن إفراج داعش عن 21 رهينة آشورية بعد أسابيع قليلة من اختطافهم وإفراجه عن بعض المسنين دون مقابل، كانت رسالة إيجابية من التنظيم للآشوريين لكن المؤسسات والكنائس والأحزاب الآشورية لم تتلق الرسالة وراهنت فقط على عامل الزمن وتركت مصير المخطوفين للمجهول.

جميل ديار بكرلي، مدير المرصد الآشوري لحقوق الإنسان، قال لـ”العرب”: هذه الجريمة الأولى من نوعها بحق مختطفين مسيحيين في سوريا لدى تنظيم الدولة الإسلامية، ويجب أن لا ننسى أن لدى داعش بالإضافة إلى 185 مختطفا آشوريا مسيحيا من محافظة الحسكة، أكثر من مئة أسرة مسيحية مختطفة من بلدة القريتين المتاخمة للبادية السورية والتابعة لمحافظة حمص اختطفهم بعد سيطرته على البلدة في أغسطس الماضي. ويبقى لتنظيم الدولة الإسلامية حساباته السياسية وغير السياسية في طريقة تعاطيه مع المخطوفين لديه، لكن المؤكد أن فرص الإفراج عن المختطفين المسيحيين كان من الممكن أن تكون أكبر قبل التدخل الروسي في الحرب السورية وقبل التصريحات التي أطلقها بطريرك روسيا.

بعد التدخل الروسي وتداعياته من المؤكد أن قضية المخطوفين الآشوريين على يد داعش باتت أكثر تعقيدا وتشابكا مع الأزمة السورية، ويطالب السوريون الكنيسة الروسية بسحب تصريحات البطريرك وأن يُقدّم اعتذاره للسوريين، مسلمين ومسيحيين، وهو ما طالب به سليمان يوسف أيضا حيث قال “نطالب من بطريرك روسيا سحب تصريحاته والاعتذار عمّا قاله لأجل تسهيل عملية الإفراج عن الآشوريين المخطوفين لدى تنظيم الدولة، ورغم عدم معرفتنا إن كان التنظيم يقبل الوساطات أو الفدى المالية للإفراج عن المخطوفين، لكن ما نخشاه بعد بدء الهجمات الروسية أن يستخدم التنظيم المخطوفين كدروع بشرية يحتمي بهم من الضربات الروسية”.

التدخل الروسي العسكري و(الديني) في سوريا بدأ يجر الويلات على أكثر من صعيد، وأول الغيث قطرة، وإن لم تضع روسيا حدّا لتدخلها الفوضوي المنحاز بعبثية للدكتاتورية فإنها لا شك ستقود المنطقة برمتها إلى حروب مذهبية دميمة بلا نهاية.

كاتب سوري
5