التدخل السعودي في سوريا: أسئلة الجدوى ومآلات الفعل

الخميس 2016/02/11

قررت السعودية أن تشارك بقوات برية ضد “داعش” في سوريا، محققة بذلك رغبة لطالما تمنتها الإدارة الأميركية وذلك بإرسال قوات برية على الأرض لمحاربة الإرهاب ودحر الإرهابيين، بعد أكثر من 15 شهرا من إنشاء التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. لقد باتت محاربة الإرهاب في سوريا هي “ورقة التوت” التي يستتر خلفها جميع من قام بغزو سوريا من دون استثناء.

ازدحمت سماء سوريا بطائرات أميركية وفرنسية وبريطانية وعربية وروسية وتركية، وازدحمت الأراضي السورية بمسلحين من كل أصقاع الأرض بمختلف جنسياتهم وعقائدهم وأهدافهم، فماذا سيضيف أو يؤثر إرسال قوات برية سعودية على المسرح والميدان في سوريا؟ وهل المشاركة السعودية ستحارب الإرهاب، كما تم إعلانه، أم أن مهمتها حماية المعارضة، أو فرض مناطق آمنة للنازحين من الشعب السوري كما تطالب تركيا، أم تأمين الأراضي المحررة من الإرهابيين، أو محاربة النظام وجيشه، أو فرض واقع جديد يدفع بالحل السياسي إلى الأمام؟ من ناحية أخرى، أين روسيا من هذا كله، وهل سيقبل حلفاء النظام السوري تغيير موازين القوة على الأرض وفرض قواعد جديدة للاشتباك؟

لا تنكر السعودية خطر داعش والمنظمات الإرهابية، ولكن القراءة السعودية للمشهد في سوريا تجادل منذ البداية بأن الرئيس السوري وجيشه قتلا مئات الآلاف وقاما بتشريد الملايين من الشعب السوري وأنهما سبب كل ما يجري على أرض سوريا وفي سمائها، وما وجود المنظمات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في سوريا إلا نتيجة لسوء إدارة النظام.

ولذا تصر السعودية على رحيل الرئيس ونظامه مما سيؤدي إلى تلاشي المنظمات الإرهابية. وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع القراءة السعودية، جاء قرار المشاركة بقوات برية على الأرض بعد مقدمات لا يمكن إغفالها تمتد إلى بداية الأزمة السورية. بدءا بمطالبة السعودية العلنية وإصرارها على رحيل الأسد “طوعا أو كرها”؛ 2- دعم السعودية للمعارضة السورية سياسيا وماليا وعسكريا؛ 3- مشاركة السعودية في التحالف الدولي في الحرب على داعش؛ 4- طلب الرئيس الأميركي إرسال قوات عربية على الأرض؛ 5- التدخل العسكري الروسي القوي في سوريا؛ 6- تغيّر الأجندة الغربية بحيث لم يعد رحيل الرئيس والنظام في سوريا يشكل أولوية للقوى العظمى حسب ما جاء به القرار الأممي 2254؛ 7- التحركات السياسية السعودية النشطة وإعلان إنشاء التحالف الإسلامي العسكري؛ 8- فشل المعارضة السورية المسلحة وقرب تفككها وانفراط عقدها.

الآن حصحص الحق، وحشدت السعودية الآلاف من الجنود من عدد من الدول العربية والإسلامية، حسب ما تناقلته وكالات الأنباء. ستنضوي تلك القوات البرية تحت مظلة الولايات المتحدة الأميركية وحلف شمال الأطلسي حسب ما صرح به عادل الجبير وزير الخارجية السعودي بعيد اجتماعه مؤخرا بوزير الخارجية الأميركي.

فهل هذه القوة العسكرية نواة للتحالف الإسلامي العسكري؟ وإذا كانت كذلك، فلماذا الانضواء تحت قيادة الولايات المتحدة أو الحلف الأطلسي؟ وهل سبق للولايات المتحدة أو حلف شمال الأطلسي النجاح في مهمات مماثلة في العراق أو أفغانستان أو ليبيا؟ والسؤال الأهم والأصعب، ما هو رأي ودور روسيا اللاعب الأقوى في الميدان والحليف الأكبر لسوريا؟ وهل يمكن إجراء أي عمليات في الداخل السوري من دون التنسيق مع روسيا والحكومة السورية؟ وما هو الدور الذي ستلعبه المعارضة المسلحة في سوريا؟ وما هو رأي ودور إيران وحزب الله في ما طرأ من مستجدات على الساحة السورية؟

الأسئلة تبدو أكثر من الأجوبة بعد القرار السعودي، والتشاؤم يغلب التفاؤل على النتائج المُحتملة. هل روسيا على دراية بالتفاصيل، وهل ما يجري مقدمة لما سيئول إليه الحال في سوريا؟ وهل تصريح الرئيس فلاديمير بوتين قبل أشهر بأنه يمكن للرئيس بشار الأسد طلب اللجوء إلى روسيا يَصب في مقايضات دولية؟ وهل زيارة وفد عسكري سعودي وظهور العميد أحمد العسيري، مستشار وزير الدفاع السعودي، على قناة روسيا اليوم قبل شهر تقريبا وتمريره معلومة مشاركة السعودية ضمن التحالف الدولي لضرب أهداف في سوريا، ضمن سيناريو التنسيق مع روسيا؟ لكن في المقابل، يزداد التصعيد الروسي مع تركيا، ويزداد تقدم الجيش السوري وضرب المعارضة السورية ودحرها في مناطق الشمال باتجاه حلب، وتتصاعد اللهجة الحادة والصلبة في تصريحات سيرغي لافروف، ويثمر لقاء الرئيس فلاديمير بوتين بملك البحرين التأكيد على سيادة الدول، وكل ذلك يوحي بأن روسيا لم تغير من موقفها.

أما إذا افترضنا حسن النية في تصريحات الدول، وأن جميعها تهدف إلى محاربة الإرهاب وتخليص سوريا من المنظمات الإرهابية وعلى رأسها “داعش” الذي لحق أذاه العالم، فهنا تبرز أسئلة أعمق وأشمل. هل سحق “داعش” في سوريا سينهي تنظيم الدولة جغرافيا فقط، أم يحولها كـ”القاعدة” منظمة إرهابية عابرة للحدود؟

هل سينام داعش في سوريا ويستيقظ في ليبيا واليمن وتونس ومصر وبقية دول الشرق الأوسط؟ هل ستنال الدول المشاركة في القوات التي حشدتها السعودية نصيبا من أَذى داعش بعمليات انتقامية وارتدادية؟ خصوصا إذا ما علمنا أن 34 مجموعة إرهابية في العالم أعلنت مبايعتها لـ”داعش”، حسب ما قاله بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة. أم أننا أمام استحضار دعوة جو بايدن، نائب الرئيس الأميركي، بتقسيم العراق إلى ثلاث دول: كردية في الشمال؛ وشيعية في الوسط والجنوب؛ وسنية في غرب العراق، ورأي جون بولتون الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 24 نوفمبر 2015 في مقال بعنوان “لهزيمة داعش أنشئوا دولة سنية”. وهل تتحقق “سوريا المفيدة”، وتضمن إسرائيل بقاءها إلى الأبد في الجولان المحتل، وتحل الكثير من دعاوى الانفصال والإقصاء الطائفي في العراق وسوريا؟

ما يظهر على السطح اليوم في سوريا، أن هناك صراعا عالميا بين القوى العظمى، وصراعا إقليميا بين القوى الكبرى. الولايات المتحدة ومن يتبعها في صراع مع روسيا ومن يدعمها؛ والسعودية وإيران وتركيا في صراع إقليمي بمسحة طائفية بعض الشيء؛ أما إسرائيل القوة الغائبة عن المشهد فمطمئنّة إلى معرفة كل القوى العظمى والكبرى برغباتها مقابل صمتها وعدم تدخلها في النزاع. التدخل العسكري الروسي الصلب جاء متسلحا بالمشروعية في دعوة النظام الشرعي له، وهو يعمل على أسس القانون الدولي، ومصمم على حماية الدولة السورية ونظامها ورئيسها، حتى لو اضطر إلى التحجج بالإرهاب. أما الولايات المتحدة، ومعها حلف شمال الأطلسي، فهي من القوة الهشة بحيث لن تتمكن من مواجهة التصميم الروسي لأنها تدرك النتائج والتداعيات. أما السعودية واستعدادها إرسال قوات برية فيمكن اعتبار ذلك تحركا سياسيا أكثر منه مشاركة عسكرية.

في ظننا، أن إعلان السعودية استعدادها إرسال قوات برية لمحاربة الإرهاب “داعش”، لا يعدو كونه: -1 ردا على الاتهامات بأن السعودية تدعم الإرهاب في سوريا؛ 2- إبعاد التهمة التي تلصق الإرهاب بالإسلام وأن الدول العربية والإسلامية تغض الطرف عن الإرهاب السني الإسلامي؛ 3- رفع الحرج عن موقفها المؤمل فيه الدفاع عن السنة في العالم؛ 4- عدم ترك الساحة السورية خالية من أي قوات عربية وإسلامية بينما تتجمع كافة القوات العسكرية غير العربية في سماء سوريا وأرضها. ومما يؤكد ذلك، هو تصريح الأمير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد السعودي ووزير الدفاع، عند إعلانه التحالف الإسلامي العسكري، بأنه لن يكون هناك تدخل في الشؤون الداخلية وأن سيادة الدول سيتم احترامها.

أخيرا السعودية تحارب الإرهاب منذ 1980، وليست في حاجة لحشد قوات عربية وإسلامية والذهاب بها بعيدا إلى التواجد في تركيا لمحاربة داعش في سوريا مع كل ما يصاحب ذلك من مخاطر. فالسعودية مستنفرة كامل قواتها وجهودها لمحاربة الإرهاب في الداخل، كما أن داعش على مرمى حجر في اليمن ولدى السعودية المسوغات القانونية والأخلاقية والقدرات العسكرية للقضاء على داعش مادامت حرب اليمن قائمة. كل السيناريوهات محتملة بعد قرار السعودية المشاركة بقوات برية في سوريا، إلا أن السيناريو المخيف لم نأت على ذكره وهو إمكانية نشوب حرب عالمية ثالثة، في ذكرى مرور 100 عام على نشوب الحرب العالمية الأولى.

كاتب سعودي

إقرأ أيضاً:

التدخل السعودي في سوريا: حدود المهمة ومقتضياتها

8