التدخل العسكري الروسي في سوريا التفاف على مستقبل أزمة طال أمدها

تعدّدت تحليلات الخبراء والمراقبين واختلفت آراؤهم في ما يتعلق بخلفيات التدخل العسكري الذي تنفذه روسيا منذ أكثر من عشرة أيام على الأراضي السورية بتعلة التصدي لتمدّد تنظيم داعش الإرهابي، ففي حين يرى بعضهم أن هذه الجهود التي تبذلها موسكو تهدف إلى انتشال نظام حليفها بشار الأسد، يرى البعض الآخر أنها تتنزل في سياق أعم يقوده تنافس جديد على تقسيم النفوذ بين القوى الكبرى، كانت محطته الأولى في أوكرانيا وها هو اليوم ينطلق من شواطئ سوريا التي تمّ جذبها عنوة إلى صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل.
الاثنين 2015/10/12
موسكو تبحث عبر الخيار العسكري عن جعل نفوذها الجيوسياسي مستقرا ومقبولا

فتحت روسيا، مؤخرا، صفحة جديدة في سياستها مع العالم الغربي من خلال مواجهتها المُعلنة للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية في سوريا، التي يبدو أنها باتت تمثّل نقطة مفصلية في رسم مستقبل خارطة العلاقات الدولية في الشرق الأوسط. وهو ما بات يُمثل اختبار تجاذب كبير في نموذج العلاقات المنتظر بين روسيا والغرب، ما زالت تفاعلاته لم تتضح بشكل ملموس.

ويبدو أنّ إعلان موسكو وقوفها المباشر في صف النظام السوري بتدخلها العسكري الأخير، واستهداف تشكيلات المعارضة السورية وتعميق آلام المدنيين السوريين ومد النظام السوري بأسلحة متطورة وإعلانها أنّه أساس أي حل محتمل للأزمة، قد خلط مجموعة من الأوراق على الساحة الإقليمية والدولية. كما أنه يوحي بأنّ سوريا أٌقحمت عنوة في صراع دولي يُؤسس لنظام عالمي مختلف ينطلق من شواطئها.

ولفهم دوافع المنطق الروسي في ظل تراجع الدور الأميركي في الشرق الأوسط، لا مناص من طرح سؤال مفاده؛ ما الذي يعنيه التدخل العسكري في حسابات موسكو الإستراتيجية؟ خاصة أنه أضحى اليوم نقطة أساسية في منطق النسق الاستراتيجي الروسي، وهو يثير مخاوف شتى لدى الغرب، كما أنه مرتبط بعدد من الاستفهامات المحورية المتعلقة بطبيعة العلاقة بين السياسة الخارجية والسياسة الأمنية، وهو ما يفرض فحص سياسة الطاقة الروسية ورهاناتها، فهي توفر الموارد الضرورية لمشروع استعادة قوتها، وهي غير منفصلة عما يجري في أوكرانيا وسوريا، كما أنّها مرتبطة أيضا بكيفية تموقع روسيا الدولي، والدينامية والأهداف التي تأمل لتحقيقها، خاصة مناهضة النظام الدولي الذي همشها بعد انتهاء الحرب الباردة.

غالبية الدول العربية لن تقبل بأن توطد موسكو علاقتها مع طهران على حساب أمنها القومي

ذرائع وحسابات واهية

يكرر الجانب الروسي دائما على مسامع الجانب الأميركي أنّ ثمَة مصلحة مشتركة بينهما في مواجهة التهديدات والتحديات التي تمثلها الحركات الجهادية الإرهابية وانتشار الأسلحة النووية، فكلاهما يمثلان خطرا على مصالحهما الجوهرية، وهو الأمر الذي يحدد نجاح جهود التعاون بينهما من عدمه. كما يلوّح الروس بأنّ أي صراع بين الدولتين يفسح المجال لتضاؤل فرص تسوية العديد من القضايا الملتهبة، ويجعل النظام العالمي مرهونا للصراعات القائمة من أوراسيا وصولا إلى الشرق الأوسط، لأن كل ما تمر به هذه المنطقة له تأثير كبير على مصالحهما. وهو ما يفرض التعاون، وفق وجهة النظر الروسية، في الملف النووي الإيراني، وأزمتي الحرب الأهلية الأوكرانية والسورية ومسألة أمن أوروبا وقضايا الطاقة والتراجع عن مشروع الدرع الصاروخي الأطلسي، وتوسّع حلف الناتو نحو الشرق، حيث يرى الجانب الروسي أنه لا مجال للفصل بين هذه القضايا الجيوسياسية والاستراتيجية، فهي كل مترابط. أما في ما يتعلق بالقضية السورية على وجه التحديد، فيجب أن يكون حلها سياسيا من خلال مؤتمر جنيف 2 الذي يرى فيه الكرملين الحل الناجع لمعضلة تنامي الخطر الجهادي.

ولكل ذلك يصر الجانب الروسي على أنه ليس هنالك من بديل في الوقت الحالي للنظام السوري، إلاّ إذا كانت أميركا وإسرائيل تخططان لإشعال حرب سنية شيعية بدأت تشتعل جذوتها انطلاقا من الساحة السورية وذلك من أجل استنزاف إيران والعرب معا، ودفع روسيا في نهاية المطاف إلى تحمل عبء مكافحة خطر الحركات الجهادية الذي يشكل خطرا حقيقيا على توازن تعدد الانتماءات الدينية والثقافية داخلها.

وبالمقابل، تبدو روسيا بسياستها الداعمة للنظام السوري كأنها ملفوفة بالسجادة الإيرانية التي تراهن على نظام دكتاتوري وضع الجيش السوري بين نار السلطة الواحدة والحزب الواحد وخطر الأصولية، وفي ظل إنكار تام لمطالب الشعب السوري في الحرية والكرامة، مستغلة تذبذب الغرب لكي تتحول إلى دور سمسار قايض بالملف الكيماوي بداية، وحاليا يريد فك عزلته الدولية ولعب دور رئيسي في حركة النظام الدولي من خلال التدخل العسكري في سوريا.

ولدى إلقاء الضوء على الرؤية الروسية وثقافتها الإستراتيجية، ثمَة جملة من الأوراق التي لا تقل أهميتها عن بعضها البعض، وهي تشكل مفتاح تطلعات موسكو في إدارتها لعلاقاتها مع الخارج، ويتجسّد أبرزها في محورية سياسة الطاقة لديها، وهو ما تجلى من خلال تعاملها مع الأزمة الأوكرانية، حيث كانت التوترات الروسية الأوكرانية حول الطاقة وحقوق نقل الإمدادات، تنذر دائما بصراع سياسي وعسكري إذا غيرت الأخيرة وجهتها عن منطقة النفوذ الروسي، وهو ما دفع روسيا بالفعل إلى التدخل في منطقة نفوذها السابقة بشكل عنيف، حيث تندرج سياسة الطاقة الروسية في ثقافة استراتيجية متعلقة بحفظ الأمن القومي، يجب الدفاع عنها بكل قوة من وجهة نظر موسكو.

القوة العسكرية وورقة الطاقة باتتا تشكلان لدى روسيا أبرز مقومات ضمان حضورها في النظام الدولي الجديد

ويفسر هذا التوجه نحو حفظ الأمن القومي حسابات روسيا والمنطق الذي تبرر به موقفها من الصراع الدائر في كلّ من سوريا وأوكرانيا، مرة من بوابة الطاقة ومرة بوابة التصدي للإرهاب، على اختلاف الأهمية الإستراتيجية بينهما، ففي ما يتعلق بسوريا يتبين بالنسبة لروسيا بأن أميركا فشلت في التصدي لخطر “الدولة الإسلامية”، وهو بالفعل ما يعتبر الروس أنه ينعكس حتما على مستقبل أمنهم القومي المرتبط بآسيا الوسطى والجمهوريات الإسلامية التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفييتي سابقا. كما أنّ إسقاط النظام السوري يشجّع عودة آلاف المقاتلين من الشيشان ومن جمهوريات آسيا الوسطى، وهم بالنسبة إلى روسيا بمثابة قنبلة موقوتة يمكن استغلالها لتقويض أمنها لاحقا. هذا فضلا عن نتائج إضعاف إيران بإسقاط نظام دمشق، وهو ما يعني إسقاط نظامين تعول عليهما روسيا كثيرا لضمان حضورها في آسيا وفي المنطقة العربية، لا سيما بعد أن تم طردها من أفريقيا وأميركا اللاتينية، وسعي الناتو الدؤوب لتطويقها عبر بلدان البلطيق وأوروبا الشرقية.

وجملة هذه المخاوف هي التي تفسر ما اتخذته موسكو من إجراءات لاستعادة نفوذها في كل من أوكرانيا وسوريا في سياق سعيها على المدى المتوسط إلى جعل نفوذها الجيوسياسي مستقرا ومقبولا.

التفاف على مستقبل الأزمة

لقد بات جليا أنّ القوة العسكرية وورقة الطاقة باتتا تشكلان لدى روسيا أبرز مقومات ضمان حضورها في النظام الدولي الجديد. وفي حين كشفت الأزمة الأوكرانية عن حيازة روسيا لمعرفة دبلوماسية بطبيعة التوازنات الأوروبية المحيطة بها والمتعلقة بالطاقة، ولذلك ضمت جزيرة القرم باستخدام القوة منفردة، يُظهر تحركها اليوم في سوريا أنها باتت تُدرك كذلك أنّ تطوّر الصراع في هذه الأخيرة وتحوّله إلى صراع عسكري دامٍ سيُمكنها في آخر المطاف من التّحكم في أوراق مفصلية،وإعمالا لنظرية حيوية الجوار المباشر وإحكام السيطرة عليه، بدأت روسيا في استعادة نفوذها وعززت تموقعها بضم جزيرة القرم وكالنينغراد اللتين تعتبران نقطتين جغرافيتين مهمتين في منطقة البلطيق والبحر الأسود، وهاهي اليوم تسعى إلى تثبيت تموقعها في مياه المتوسط بتعزيز تواجدها في الساحل السوري وفضاء سوريا الجوي.

سلاح الجو الروسي يستعمل أحدث القنابل في سوريا

لكن وفق هذه الخلفية، وإذا كانت روسيا سابقا قد دفعت إلى إقناع الأطراف الدولية بأن التدخل العسكري لا يمثل حلا للأزمة السورية، وخاصة بعد التراجع عن التدخل العسكري الأميركي سنة 2013، على إثر المبادرة الروسية، فإنها اليوم بتدخلها المكشوف تلتف على مستقبل الأزمة كليّا، وتزيد من حالات الشد والجذب بين المعارضة والنظام السوري لكي تقترب من تشكيل حرب دائمة في إطار صراع اجتماعي وطائفي ممتد، قد يسفر عن تقسيم سوريا، كما أن تدخلها ودعمها للنظام يخدم في نهاية المطاف النفوذ الإيراني ويعززه، وهو مرفوض عربيا جملة وتفصيلا لكونه سيفاقم من العراقيل القائمة في وجه حل الأزمة.

وبناء عليه يستنتج محللون أنّ روسيا ربما تكون مؤهلة للعب دور أكثر توازنا في سوريا يمكن أن يشكل حالة انعطاف مهمّة في العلاقات الروسية العربية، لو دفعت النظام السوري بقبول حل سياسي، وعملت على تحجيم دور قوى انتهزت فوضى “الربيع العربي” للتغلغل في البلاد واللعب على الحبال الطائفية والمذهبية.

والثابت أنّ العرب لن يقبلوا بنظام حكم ذي توجهات أصولية وجهادية في سوريا، لكنهم لن يقبلوا كذلك بأن توطّد موسكو علاقتها مع طهران على حساب أمنهم القومي. وهو ما يجبر روسيا على إعادة التفكير إذا كانت جادة في بحثها عن تأمين مصالحها في المنطقة، وتبحث بجدية عن آفاق تعاون مع العرب يجعل منها شريكا في حماية أمن الشرق الأوسط. وتلك الجدية لا يمكن أن تتجسّد سوى عبر تشجيع الأطراف الإقليمية والدولية بالاتفاق على مآلات الصراع سلميا، وفسح المجال للخروج من نفق الحرب الدائرة، تتلوها مرحلة انتقالية تسمح في نهاية المطاف بعدم سقوط الدولة السورية والحفاظ على كيانها الموحد، وهو ما يعني إنهاء حكم الأسد ولو بعد حين، وعدم السماح بتكرار السيناريو اليوغسلافي، والحؤول دون أن تتحول سوريا في ظله إلى دولة فاشلة.

باحث جامعي، مركز أنظمة الفكر المعاصر، جامعة السوربون

6