التدخل العسكري الروسي في سوريا يعمق إرهاب داعش

كلما دخلت القداسة الدينية في الدعوة إلى الحروب وتبريرها، إلا وأخذت الحرب منحى أكثر عنفا وإرهابا وتوحشا، في تجانس مع لا إنسانية الحرب أساسا ولا عقلانية تبريرها الديني الذي يخفي الغاية السياسية الحقيقية. والحدث الأخير المتصل بالتغطية الدينية على الحروب، جد مؤخرا في ما يتعلق بالأزمة السورية، فقد دعا تنظيم ما يسمى الدولة الإسلامية مقاتليه إلى النفير العام لقتال الجنود الروس في سوريا، وهو يرد بذلك على دعوة الكنيسة الأرثودوكسية السورية إلى الحرب المقدسة ضد داعش الإرهابية.
الاثنين 2015/10/05
الثورة السورية تواجه العديد من المتناقضات الدولية المتشكلة في تيارات إسلامية نقيضة الثورة

تونس - دعا تنظيم داعش الإرهابي عناصره إلى النفير العام والاستعداد لخوض حرب برية ضد روسيا، بعد الضربات الجوية التي شنتها موسكو على مواقع التنظيم في حمص بسوريا. ووجه التنظيم رسالة إلى عناصره، عبر مواقع إلكترونية تابعة له، جاء فيها “الكنيسة الصليبية دعت إلى حرب مقدسة في سوريا ستستدعي الدعوة إلى إعلان الجهاد، وكلها حروب إبادة للسنة والمجاهدين وتفويض منها، ولكن نذكرهم بأن مجموعة صغيرة من مجاهدي الشيشان أذاقت الروس المر العلقم فكيف بأسود الدولة الإسلامية”.

ويؤكد مراقبون أن هذه الرسالة لن تمر دون فحص استثنائي من الأجهزة الروسية، فدخول سوريا عسكريا وبهذه الطريقة أمر لا يمكن فهمه على أنه مجرد حماية لنظام بشار الأسد، بل إن الأمر يتعلق بالمجال الجيوسياسي الحيوي لروسيا الذي تهدده بالأساس المجموعات الإسلامية المسلحة التي لها تاريخ مع الجيش والمخابرات الروسية.

ويعد الخزان الشيشاني من المقاتلين في صفوف التنظيم الإسلامي المتطرف “الدولة الإسلامية” من أهم الخزانات البشرية التي تغذي داعش بالمقاتلين المتكونين عسكريا وميدانيا وعقائديا في مجال قتال العصابات والتنظيمات الإرهابية الإسلامية. وللروس معارك طويلة مع هذا الصنف خاصة في أواسط تسعينات القرن الماضي وبعض الهجمات الإرهابية في العشرية الأولى لهذه الألفية.

وقد أكد شوتا أوتياشفيلي وهو مسؤول كبير سابق في وزارة الداخلية الجورجية أن “هناك ما يصل إلى 70 شخصا من وديان بانكيسي الجورجية يقاتلون حاليا مع جهاديي تنظيم داعش”.

وتعد منطقة باكيسي التي توجد على الحدود بين جورجيا والشيشان من أكثر المناطق في المجال الحيوي الروسي خطرا باعتبارها الممول الرئيسي للمقاتلين المتطرفين، نظرا لطبيعة تدين سكانها التي تميل إلى الانغلاق والتعصب لأنها محاطة بأتباع أديان أخرى خاصة المسيحية الأورثودوكسية.

ولعله باستحضار المثال الشيشاني في سياق الحديث عن حرب روسيا على الإرهاب، والتي تمثل في جوهرها حربا روسية من أجل امتدادها الدولي لإقامة حصون متقدمة حول مصالحها حسب خبراء، فإن الأماكن التي تقوم فيها القوات الروسية بعمليات ضد المجموعات المتطرفة المسلحة تكون دائما نقاط تماس أيضا مع قوات أميركية تقوم بالغرض نفسه. فالمنطقة الحدودية بين جورجيا والشيشان وسوريا الآن تمثل مسرحا لتقابل المصالح الأميركية والروسية على أرض واحدة، الأمر الذي دفع ملاحظين إلى القول إن “المجموعات الإرهابية الإسلامية المسلحة دورها الأساسي في هذه الفترة هي الحروب بالوكالة على القوى الدولية”.

التدخل الروسي العسكري في سوريا له مفعول عكسي في إثارة نقمة داعش وإعطاء تبرير لوجودها

إذ يستخدم مثلا ما يطلق عليهم الإرهابيون الشيشان هذا الوادي كقاعدة للهجوم على الشيشان، وإضافة إلى ذلك، تملك موسكو معلومات مفادها أن عناصر تنظيم القاعدة انتقلوا إلى هناك لإقامة مخيمات تدريب واستقطاب المقاتلين. وفي نهاية صيف 2003 خرجت مشكلة وادي بانكيسي إلى طور جديد حيث أعلنت الولايات المتحدة أنها تنوي إرسال خبرائها العسكريين إلى جورجيا.

وأضاف أوتياشفيلي المسؤول الأمني السابق بوزارة الداخلية الجورجية أنه “لا يوجد إسلاميون متطرفون في بانكيسي”، مضيفا “هناك ربما صبيان من الكيست فخورون بترخان الذي أصبح مشهورا في العالم، ولو كان لاعب كرة قدم لرغبوا جميعهم في ممارسة هذه الرياضة”. وذاع صيت وادي بانكيسي منذ بداية الحرب الروسية الشيشانية في أواسط تسعينات القرن الماضي، عندما أصبح ملاذا للانفصاليين الشيشان وملجأ لأكثر من 10 آلاف لاجئ، وقد أرسلت له الولايات المتحدة قوات بغرض ما أسمته مكافحة الإرهاب، الأمر الذي أثار تحفظات روسية والتي أرسلت بدورها قوات للقضاء على الإرهابيين هناك.

وتؤكد تقارير إعلامية أن الانتفاضة السورية التي بدأت منذ أربع سنوات لم تكن لتتبع مسار الشكل الحالي للوضع في سوريا لو لم تتمكن القوى الدولية من صنع أياد عسكرية داخل سوريا تقوم بالحرب ضد النظام وضد بعضها البعض بالوكالة، وتعتبر الحركات الإسلامية المتطرفة في سوريا الآن الوجه الأبرز لهذه الحرب بالوكالة بين القوى الدولية، تماما كما كان الوضع في الشيشان.

وقد أكد المحلل الألماني فولكر بيرتس وهو خبير في منطقة الشرق الأوسط أن العمليات العسكرية التي تقوم بها بعض القوى الدولية ضد تنظيم داعش “ليست سوى حرب بالوكالة” تبعث من خلالها القوى الدولية الكبرى برسائل إلى بعضها البعض لكي تثبت قوتها وحضورها في المجال الدولي، مشيرا إلى المثال الفرنسي الذي يفسر كيف أن فرنسا تقوم بضربات منفردة على مواقع مفترضة لداعش من غير إلحاق ضرر حقيقي بها، الأمر الذي يفهم على أنه رسالة فرنسية بأحقيتها في المشاركة في أي حل سياسي للأزمة السورية يضمن مصالحها في المستقبل. ويخلص الباحث إلى القول إن الجماعات الإسلامية المسلحة بشكل عام خاصة في سوريا “هي المسؤولة عن أي تدخل دولي مسلح في سوريا”.

13