التدخل ضد داعش في سوريا يثير جدلا بين روسيا والغرب

الثلاثاء 2014/09/30
ضربات التحالف تعمق الفجوة بين موسكو والغرب

تباينت مواقف عدد من الدول إزاء إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما عزمه توسيع الضربات الجوية ضد أهداف تنظيم “الدولة الإسلامية”، المعروف إعلاميا باسم “داعش”، لتشمل مواقعه في سوريا.

ويرجع محللون هذا التباين إلى نسبة المصالح القائمة بين النظام السوري من جهة وجملة القوى الدولية من جهة أخرى.

فقد ذهبت القوى التي تتحالف مع النظام السوري إلى القول إن التدخل العسكري داخل الأراضي السورية من قبل قوات التحالف الدولي (الذي لم يظهر بشكل محدد إلى الآن) يعد تجاوزا لسيادة الدولة السورية على أراضيها وخرقا لأهم الاتفاقات الدولية التي تحفظ حقوق الدول وحرمتها إزاء أي تدخل خارجي.

وهذا الموقف عبر عنه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافرورف في العديد من المناسبات، بعد أن دافعت روسيا طوال السنوات الثلاث الماضية على النظام السوري وحالت دون إسقاطه سلميا منذ البداية.

في الجهة المقابلة، وبعد أن ترددت بريطانيا في الإعلان عن مشاركتها في الحملة التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية (نتيجة التعرض لضغوط شعبية وداخلية) أعلن رئيس الوزراء البريطاني ديفد كاميرون عزم بلاده “إشراك جيشها في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية” مؤكدا أن هذه المشاركة تعد من قبيل الدفاع عن النفس.

وقد عبر عن موقف كاميرون بدقة وزير خارجيته ويليام هيغ الذي أكد أن “الدفاع عن النفس مسألة جدية ومسألة السيادة تعد ثانوية في هذه الحالة”.


التدخل غير شرعي دون موافقة الحكومة السورية

سيرغي لافروف: ولد سنة 1950 في موسكو وعمل سفيرا للاتحاد السوفيتي في سيريلانكا قبل أن يعمل في دائرة العلاقات الدولية ثم نائب وزير الخارجية فوزيرا سنة 2004


انتقدت روسيا بشكل مباشر الاستراتيجية الأميركية والبريطانية لمحاربة الإرهاب المتشدد في العراق وسوريا داعية إلى “احترام سيادة الدول وعدم ضرب أراضيها دون موافقة منها”.

ففي موسكو، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن “الرئيس الأميركي تحدث مباشرة عن إمكانية توجيه القوات المسلحة الأميركية ضربات لمواقع الدولة الإسلامية في سوريا دون موافقة الحكومة الشرعية التي تحكم سوريا الآن”، وذلك في إشارة منه إلى أن روسيا تملك موقفا آخر مغايرا تماما للنظرة الأميركية والبريطانية المتخذة إزاء خطر إرهاب ما يسمى بالدولة الإسلامية.

وقد أضاف لافروف أن ” القيام بمثل هذه الخطوة في غياب قرار لمجلس الأمن الدولي سيكون عملا عدوانيا وانتهاكا صارخا للقانون الدولي”.

وقدمت روسيا، وهي عضو دائم في مجلس الأمن تتمتع بحق النقض (الفيتو)، تأييدا مهما للأسد في الحرب الأهلية في سوريا التي قتل فيها أكثر من 200 ألف شخص إلى حد الآن.

وقد أكد سيرغي لافروف في العديد من المناسبات خاصة في اجتماع دول التحالف ضد الدولة الإسلامية الذي انعقد في باريس أواسط سبتمبر الجاري أنه “وبالرغم من وجود إجماع دولي على ضرورة محاربة الإرهاب في المنطقة والذي بدأ ينتشر بشكل سريع ومريب إلا أن الحكومة السوريــة الآن تعمل على وقف هذا الخطر والقضاء عليه عبر عملياتها الداخلية” ورأى لافروف أنه “لا حاجة لضربة دولية تمس من سيادة سوريا أو تجرى دون أخذ موافقتها”.

وفي سياق تفسيره لرفض روسيا الضربة الدولية ضد داعش في المنطقة يؤكد لافروف أن “استفاقة” المجتمع الدولي الآن أمام خطر التنظيمات المتطرفة والإرهابية تعد مسألة “غير منطقية، فقد نبهت روسيا مرات عديدة سابقا إلى وجود خلايا إرهابية في العراق وسوريا لكن أحدا لم يصغ إلينا”.

وأضاف مصرحا: “التحالف الدولي يتحرك بشكل مخالف للمجتمع المدني عبر تدخله العسكري في سوريا وإن كان لمواجهة الإرهاب”، موضحاً أن “مكافحة الإرهاب هي المهمة الأولية أمام المجتمع الدولي حاليا”، لافتاً إلى وجود “تقدم في حلحلة المشاكل في الشرق الأوسط”.

وقد أكد مراقبون أن اتخاذ روسيا مثل هذا الموقف إنما يعكس حرصها على عدم سقوط حليفها في الشرق الأوسط بشار الأسد الذي تدعمه منذ بدء الأزمة سنة 2011. وقد كانت السياسة الروسية تجاه نظام الأسد متطابقة مع التوجه العام لروسيا في الحفاظ على مصالحها، حيث تدعم الأسد بالسلاح والخبراء.

الرئيس الأميركي تحدث عن ضربة عسكرية ضد الدولة الإسلامية دون موافقة الحكومة الشرعية في سوريا وهذا اعتداء صارخ على سيادة الدول والقانون الدولي

وهو ما أكده وزير الخارجية الروسي بقوله أن “روسيا تسعى لأن تكون أهم المشاكل على جدول أعمالها وأولها مكافحة الإرهاب”، موضحاً أن “روسيا كانت ولا تزال تدعم الدول التي تحارب الإرهاب بالأسلحة الضرورية”، مضيفا “نحن نساعد دول الشرق الأوسط على ضمان أمنها بتزويدها السلاح والخبراء العسكريين والتنسيق الاستخباراتي”.

واعتبر لافروف في السياق ذاته أنه “من أجل الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين دُمر العراق”، مؤكدا أن “الأمور لن تصبح أفضل إن ذهب الرئيس السوري بشار الأسد بل ستصبح أكثر تعقيدا، فابتعاد دمشق عن جهود محاربة الإرهاب غير شرعي وغير مجد”، لافتاً إلى أنه “يجب الاعتماد على الحوار السياسي لحل المشــاكل والابتعاد عن الإملاءات الخارجية”.

وتابع لافروف مجيبا على تساؤل حول عدم اشتراك روسيا مع القوات الدولية قائلا: “إنه في نفس الوقت الذي نرى أنه وجبت المشاركة في الحرب الدولية على الإرهاب، فإنه يجب احترام القانون الدولي وسيادة واستقلال وسلامة أراضي الدول المعنية أيضا”.

وعبرت روسيا مرارا عن قلقها من تصاعد أعمال العنف في العراق وتقدم تنظيم الدولة الإسلامية، لكنها تعارض أيضا أي عمل عسكري خارجي في سوريا.


نظام الأسد غير شرعي والقضاء على داعش هدف يجب تحقيقه

ويليام هيغ: ولد سنة 1961 بمقاطعة بوركشايرر، أصبح زعيما لحزب المحافظين حتى 2001 ثم عمل وزيرا للخارجية في حكومة الظل حتى 2005 ليعين سنة 2010 وزيرا للخارجية ثم يستقيل سنة 2014


أعلن وزير الخارجية البريطاني السابق ويليام هيغ في أواسط الأسبوع الفارط عبر موقع تويتر أنه يحض أعضاء البرلمان على عقد جلسة عاجلة لمناقشة طلب العراق شن ضربات جوية على مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية على أراضيه بعد أن سيطر التنظيم على عدة محافظات خاصة في شمال العراق ووسطه.

وقال ويليام هيغ أنه قد أثار سابقا مسألة القيام بضربة ضد المتطرفين الذين يقاتلون في الشرق الأوسط وقد قام فعلا بجولة في وقت سابق عندما كان يتولى حقيبة الخارجية في عدد من الدول العربية والإقليمية لبحث سبل القيام بعمل دولي ضد الإرهاب.

وفي سياق التأكيد على أن الخارجية البريطانية تبنت فعلا التوجه الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية للقيام بحملة عسكرية في العراق وسوريا، يؤكد وزير الخارجية الحالي فيليب هاموند أن القوات البريطانية أصبحت على أهبة الاستعداد للقتال مع قوات التحالف. وقد صرح قائلا: “إن بريطانيا كانت تتشاور مع حلفائها لتحديد الأهداف”.

كما توقع هاموند “مقاومة ضئيلة من الأعداء على الأرض”، مشيرا إلى أن “الطائرات وطواقمها من سلاح الجو الملكي في نورفولك ومارهام كانت قد أمضت 6 أسابيع وهي تقوم بعمليات استطلاع فوق شمال العراق، وهي الآن قد استعدت لشن ضربة باستخدام قنابل (بافواي – 4) الموجهة وصواريخ بريمستون”.

وقد أكدت بريطانيا سابقا على لسان وزير خارجيتها وليام هيغ أنه لا توجد معوقات إقليمية للقيام بضربة، كما أن مسألة “موقف الأسد من ضرب الدولة الإسلامية فوق أراضيه لا تزن كثيرا” نظرا لموقف بريطانيا الرافض تماما لبقاء نظام الأسد حاكما في سوريا.

وقال هيغ أنه بحث سابقا مع نظيره التركي أحمد داود أوغلو “تنسيق المواقف في ما يتعلق بانعدام الاستقرار في العراق والنزاع السوري”.

كما أكد هيغ أن وزارة التنمية الدولية البريطانية أبدت استعدادها لتقديم مساعدة إنسانية عاجلة بقيمة ثلاثة ملايين وسبعمئة ألف يورو للمدنيين العراقيين الهاربين من المعارك شمال البلاد. وكشفت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” في وقت سابق أن مجلس العموم (البرلمان) البريطاني سيعقد جلسة طارئة، للتصديق على مشاركة المملكة المتحدة في الضربات الجوية التي تقودها الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) ووافق على ذلك في وقت لاحق من الأسبوع الماضي.

وقالت الهيئة إن الخطوة جاءت بعد تأكيد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، المشارك في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، بأن “محاربة تنظيم (داعش) يمثل خيارا لا يمكن الانسحاب منه”.

وأضافت الإذاعة أن مكتب رئاسة الحكومة البريطانية قد أصدر تأكيدا رسميا أعلن فيه عقد جلسة طارئة للبرلمان بعد انتهاء أعمال المؤتمر السنوي لحزب العمال المعارض. وعن مسألة احترام سيادة سوريا وعدم القيام بضربة في أراضيها دون موافقة السلطات القائمة الآن، يؤكد هيغ أن النظام السوري “ليس شرعيا ولم تعد له مشروعية الحكم في الشعب السوري بعد أن قتل مئات الآلاف وجرح وشرد العديد من الناس”.

لم نواجه من قبل خطرا أشد من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا فقد وصلت تهديداته إلى الداخل البريطاني وهذا ما يدفعنا لشن حرب مهما كان الثمن

وبالتالي فإن الخبراء يؤكدون أن مسألة سيادة سوريا لم تكن محسوبة في أذهان البريطانيين والتحالف الدولي بشكل عام نظرا لعدم اعترافهم بالنظام السوري الحالي.

وكان البرلمان البريطاني قد صوت بالأكثرية صيف العام الماضي ضد خطط اعتمدتها حكومة كاميرون لإشراك بريطانيا في ضربات جوية كانت الولايات المتحدة تعتزم شنها ضد النظام السوري ردا على مزاعم استخدامه أسلحة كيميائية ضد المدنيين في ريف دمشق.

لكن مجلس العموم في هذه المرة وافق بأغلبية أعضائه على ضربة ضد الدولة الإسلامية وذلك للوقاية مما تسميه صحف محلية “تصدير الإرهاب داخل بريطانيا”.


العرب يرسمون سياسة ذاتية لمكافحة الإرهاب والتحالف مع أميركا ظرفي


نيويورك- منذ حرب الخليج في 1991 لم تنجح الولايات المتحدة مطلقا في ضم دول عربية بهذا العدد إلى تحالف لشن ضربات عسكرية في الشرق الأوسط، وتشيد واشنطن بتوافق وجهات نظر حلفائها العرب إزاء خطر تنظيم الدولة الإسلامية.

لكن بعض الخبراء يشككون في صمود هذا التحالف الأميركي العربي الاستثنائي على المدى الطويل لتحقيق نجاح ما، وصفه الرئيس باراك أوباما علنا في الأمم المتحدة بـ”مهمة جيل لشعوب الشرق الأوسط”.

وعلى هامش التئام الجمعية العامة للأمم المتحدة، شكر أوباما الحكومات العربية الخمس التي شاركت في الضربات الجوية الأولى على مواقع جهاديي تنظيم الدولة الإسلامية، وهي السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن والبحرين وقطر.

وبعد ذلك الاجتماع مع ممثلي هذه الحكومات، عبر دبلوماسيون أميركيون عن ارتياحهم “للإجماع” القائم حيال “خطر ما يمسى تنظيم الدولة الإسلامية الذي يوحد العالم ضد الإرهاب”.

عديد الأسئلة مطروحة حول متانة التحالف مع أميركا الآن في ظل تلويح العرب وعزمهم على رسم خطط أمنية ذاتية

ورأى أحد هؤلاء المسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية أن هذه الدول العربية ستكون “مشاركة على المدى الطويل” في القضاء على الجهاديين المتطرفين الذين يعيثون فسادا في العراق وسوريا.

ونجحت الدبلوماسية الأميركية وعلى رأسها جون كيري فعلا في مساعيها لبناء تحالف خلال بضعة أسابيع مع دول الخليج ومصر والأردن ولبنان والعراق.

وقد تعهدت هذه الدول العربية العشر في اجتماع الرياض الماضي بالعمل معا على محاربة تنظيم الدولة الإسلامية في ختام اجتماع بحضور كيري. وأكدت دول الخليج مع مصر ولبنان والأردن والعراق أنها “تتشارك الالتزام بالوقوف متحدة ضد الخطر الذي يمثله الإرهاب على المنطقة والعالم بما في ذلك ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام”. وبالفعل، فإن عمليات القصف الجوي العربية قد نفذت فوق أراضي سوريا والعراق في عملية غير مسبوقة منذ حرب الخليج التي بدأت في يناير 1991 في العراق بعد اجتياح الكويت.

إلا أن التحالف الدولي كان في تلك الآونة أوسع مما هو عليه اليوم وكان هناك عدد أكبر من الدول العربية المشاركة عسكريا خاصة بواسطة قوات برية من دول خليجية.

لكن أن تقوم خمس دول عربية معا بتوجيه ضربات إلى جانب الحليف الأميركي فهو أمر غير مسبوق منذ عقود في نزاع في الشرق الأوسط. فأثناء آخر عملية دولية واسعة النطاق جرت في ليبيا في العام 2011، شاركت الإمارات العربية المتحدة وقطر فقط عسكريا.

وفي مقابل هذه المشاركة اللافتة للقوات العربية فإن تساؤلات الخبراء تبقى قائمة في خصوص متانة هذا التحالف للقضاء على الإرهاب خاصة في ظل إشارات عربية متواترة تقول أن الأمن القومي العربي يجب أن يخضع من هنا فصاعدا إلى تخطيط وتنفيذ عربي تام دون الحاجة إلى تدخلات أجنبية تزيد الوضع تعقيدا، خاصة وأن “المحور العربي لمكافحة الإرهاب” قد بدأ فعلا في البروز ممثلا أساسا في السعودية ومصر والإمارات والجزائر.

12