التدخين يزيد احتمالات الإصابة بالأمراض العقلية

التدخين يرتبط في الأذهان بالإدمان على مادة النيكوتين التي تؤثر على الدماغ وتجعل الإنسان غير قادر على الاستغناء عنها. ورغم وعي غالبية المدخنين بالضرر الذي يلحق بالجسم جراء هذه الآفة إلا أنهم يواصلون ممارسة هذه العادة غير الصحية. ولعل النتائج التي توصلت إليها البحوث العلمية والتي أكدت في مجملها مضار التدخين لم تتوقف عند الضرر البدني بل وصلت لدراسة تأثيراته السلبية على الصحة النفسية والعقلية للإنسان.
الخميس 2015/09/03
أضرار التدخين لا تتوقف عند أعضاء الجسم بل تصل إلى العقل

التدخين يفتك بصحة الإنسان ويتسبب في أمراض القلب والأوعية والشرايين والتنفس وغيرها. وكذلك يضر الصحة العقلية والنفسية للمدخن وهو ما أثبتته دراسة جديدة ربطت بين تدخين السجائر والإصابة بمرض انفصام الشخصية “السكيزوفرينيا” وما تصاحبه من اضطرابات عقلية.

وخلصت الدراسة التي أجراها معهد الطب النفسي “بكينغز كوليدج” بلندن، إلى أن التدخين قد يزيد فرص الإصابة بمرض انفصام الشخصية بمعدل ثلاث مرات، وهو مرض يعاني فيه المرضى من اضطرابات عقلية، تصاحبها وساوس وهواجس وأوهام مثل سماع أصوات خيالية.

ويعتبر انفصام الشخصية مرضا نفسيا يصيب المخ حيث يؤثّر على طريقة تفكير وتصرّف الإنسان، وغالباً ما تطرأ تغيّرات حادة على المصابين، مما يؤثّر على العديد من جوانب الحياة كالنواحي الاجتماعية والمهنية، وعلى الرغم من تسمية المرض بهذا الاسم، إلا أنه -على عكس التصور الشائع– تكون للمريض شخصية واحدة لا تملك القدرة على التمييز بين الواقعي والخيالي، حيث ينعزل المريض عن واقعه، ويبدأ بتخيّل أصوات ومشاهد وأحاسيس وأفكار غير موجودة في الحقيقة.

وكشف العلماء في بحثهم عن العلاقة بين التدخين والإصابة بانفصام الشخصية عن احتمال وجود علاقة سببية بين تدخين السجائر وهذا المرض النفسي العقلي، حيث وجدت الدراسة أن حوالي 60 بالمئة من الذين يصابون بهذا المرض لأول مرة هم من المدخنين.

النتائج الجديدة عن التدخين، تشير إلى أن التبغ قد يكون هو الجاني الحقيقي، والمسبّب الرئيسي للاضطرابات العقلية

وأُجريت الدراسة على حوالي ثلاثمئة ألف شخص، منهم خمسة عشر ألفا من مدخني السجائر، ومئتان وثلاثة وسبعون ألفا من غير المدخنين، قسّموا إلى مجموعتين، وقال الباحثون: إنه يبدو أن التدخين يزيد فرص الإصابة بالمرض.

وخلال الدراسة قام فريق البحث وعلى رأسه البروفيسور جيمس مكابي، بتحليل معدلات التدخين لدى مَنْ يصابون بالمرض لأول مرة، ووجدوا أن 57 بالمئة منهم من المدخنين، وكان من بينهم من يصابون بمرض الفصام لأول مرة أكثر احتمالاً بواقع ثلاث مرات بالمقارنة بالمجموعات الأخرى.

ويوضح د. جيمس مكابي، الخبير في الطب النفسي بمعهد الطب النفسي بكينغز كوليدج والقائم على الدراسة، أنه من الصعب تحديد اتجاه العلاقة السببية بين التدخين والسكيزوفرينيا، إلا أن النتائج تشير إلى أنه يتعيّن أن نأخذ التدخين بجدية كعامل خطر للإصابة بالذهان.

وأضاف د. مكابي: الاضطرابات العقلية التي أثّرت على مئة شخص خلال الدراسة تبدأ عادة في سنوات المراهقة الأولى، ومن أكثر أعراض المرض شيوعاً اضطراب التفكير والإدراك، كما أن المرضى قد تكون لهم تجارب سابقة تتعلّق بالأمراض النفسية.

في حين يقول د. روبين موراي، أستاذ أبحاث الطب النفسي بمعهد كينغز كوليدج، وأحد المشاركين في البحث إن نشاط منظومة مادة “الدوبامين” في المخ قد يمثّل أحد التفسيرات للعلاقة السببية المحتملة بين التدخين ومرض السكيزوفرينيا، موضحاً أن زيادة الدوبامين أفضل تفسير بيولوجي بالنسبة للإصابة بمرض انفصام الشخصية “الذهان”، ومن الممكن أن يكون التعرّض للنيكوتين وزيادة إفراز الدوبامين قد تسبّب في ظهور المرض، والإصابة بالاضطرابات العقلية والنفسية.

الدراسة وجدت أن حوالي 60 بالمئة من الذين يصابون بانفصام الشخصية لأول مرة هم من المدخنين

وهناك دراسات وأبحاث أخرى ربطت بين إدمان المخدرات والإصابة بانفصام الشخصية، لكن الجدل لا يزال يدور بشأن وجود علاقة سببية أو احتمال وجود جينات مشتركة تجعل الإنسان أكثر عرضة عند تعاطي المخدرات للإصابة بالفصام، إلا أن النتائج الجديدة عن التدخين، تشير إلى أن التبغ قد يكون هو الجاني الحقيقي، والمسبّب الرئيسي للاضطرابات العقلية، لأن مدمني المخدرات غالباً ما يقرنون بينها وبين التبغ.

ومن جانبه، يشير د. محمود عبد السميع، استشاري الصحة النفسية، إلى أن التدخين يزيد الضغوط النفسية على الشخص، ويبدو أن زيادة الضغوطات في الحياة تزيد فرص الإصابة بمرض انفصام الشخصية، وهو ما يدعم فرضية الدراسة بأن التدخين بجانب الأضرار الصحية الكثيرة التي يضر بها القلب والصدر، فهو أيضاً مسبّب للأمراض النفسية والاضطرابات العقلية، لافتاً إلى أن مرضى السكيزوفرينيا يعانون من اضطراب عقلي شديد، يؤثّر على سلوك وتفكير المريض وقدرته على الإدراك، ويصاحبه في الغالب حدوث أعراض ذهانية مثل الوساوس والهواجس وسماع الأصوات أو التوهم.

ويفسر د. طارق كامل، الأستاذ بطب قصر العيني، العلاقة بين التدخين وحدوث اضطرابات عقلية، بأنها ترجع إلى مادة الدوبامين في المخ، حيث إن التعرّض للنيكوتين من خلال التدخين، يزيد من إفراز الدوبامين، وهو ما يؤثّر على منظومة هذه المادة، فيسبّب اضطرابات في عمل المخ وأداء الدماغ لوظائفه.

17