التدخين يفتك بالأطفال في الأردن دون حسيب أو رقيب

أطفال يدخنون في الشوارع ويشترون السجائر بلا ضوابط، وأكثر من 50 بالمئة من هذه الفئة المدخنة يكون أحد أبويهم مدخنا، وأكثر من 62 بالمئة يتعرضون للتدخين السلبي في البيوت.
الجمعة 2019/09/06
الحزم لا بد منه

تشهد ظاهرة تدخين الأطفال في الأردن انتشارا واسعا بسبب تدخين أفراد الأسرة وضغط الأقران في غياب قانون يجرّم هذا السلوك المضرّ بالصحة. وعلى الرغم من أن قانون الصحة العامة في الأردن يجرّم بيع السجائر للأطفال، بتسليط عقوبات وغرامات مرتفعة ومشدّدة للحد من هذه الظاهرة، إلا أن باعة السجائر يضربون بهذا القانون عرض الحائط ولا يتوانون عن بيعها للقصّر دون اكتراث بمصلحتهم.

عمان - ينفث إياد ذو السنوات التسع دخان سيجارته وهو يجلس قرب بوابة مدرسته في بلد تقول إحصائياته الرسمية، إن مدخنيه ينفقون نحو مليوني دينار أردني يوميا على شراء السجائر.

وأفاد رئيس لجنة الصحة والبيئة النيابية عيسى الخشاشنة، بأن نسبة المدخنين بين اليافعين الأردنيين تبلغ 45 بالمئة موزعة بين مدخن منتظم وغير منتظم. ونبّه الخشاشنة إلى أن أسباب تفاقم آفة التدخين يأتي في مقدمتها ضعف تطبيق قانون الصحة العامة وتحديات الثقافة المجتمعية التي تجيز التدخين بصورة غير منطقية أو عقلانية.

وفي هذا السياق قال خبراء لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، إنه على الرغم من تغليظ العقوبات الواردة بنص قانون الصحة العامة الأردني، إلا أن ظاهرة التدخين بشكل عام ولدى الأطفال بشكل خاص ما زالت مقلقة، وبحاجة إلى المزيد من الحزم والرقابة من قبل الحكومة والمدرسة والأسرة.

وأشاروا إلى حرص وزارة الصحة على تشديد الرقابة على بيع السجائر للأطفال والحد من ذلك، لكن هذا لم يمنع القاصرين -الذين هم دون سن الثامنة عشرة- من شراء علب السجائر وتناول هذه المادة السامة التي تهدد حياتهم وتعرضهم لأمراض متعددة في سن مبكرة.

وتوصلت (بترا) بعد مراقبة أحد الأماكن في الأردن، إلى وجود معضلة كبيرة، تتمثل في بيع السجائر للأطفال دون حسيب أو رقيب، بل يتجاوز الأمر إلى إشعال الطفل سيجارته أمام البائع دون اكتراث لمصلحة الطفل أو لقانون الصحة العامة الذي يحظر بيع الدخان للقاصرين تحت أي ظرف كان.

70 بالمئة من الأطفال لم توجه لهم ملاحظة أن شراء وبيع السجائر لهم غير مسموح به

وقامت مندوبة (بترا) بإرسال طفل عمره تسع سنوات إلى إحدى البقالات هناك ليشتري دخانا، وإذ به يعود حاملا علبة السجائر، متحدثا عن عدم مواجهته لأي صعوبة في شرائها، ودون أن يتعرض لأي سؤال.

وعند توجيه السؤال للبائع عن سبب بيعه الدخان للطفل، أجاب: طلب الطفل علبة سجائر لأبيه فأعطيته. وبسؤاله ماذا لو كانت السجائر له وليس لأبيه؟ أجاب: وما أدراني، أعتقد بأن هذا الأمر يتحمل مسؤوليته الأهالي وليس التاجر، عليهم مراقبة سلوك أبنائهم وماذا يشترون بمصروفهم. وبالاستفسار حول مدى علمه بعقوبة بيع الدخان للقاصرين وما يترتب عن ذلك؟ أجاب قائلا “سمعت، لكني أكسب قوت يومي، والله يسترنا”.

وفي هذا السياق قال أخصائي الصحة العامة والتغذية في مديرية التوعية والإعلام الصحي قسم الوقاية من أضرار التدخين بوزارة الصحة المهندس محمد أنيس “نحن نقوم بدراسات على أطفال المدارس كل سنتين إلى ثلاث، كان آخرها دراسة لعام 2013 وظهرت نتائجها في عام 2014 تشير إلى أن 11.4 بالمئة من الشباب بعمر (15-13) من الجنسين يقومون بتدخين السجائر، كما تشير الدراسة إلى وجود 26.7 بالمئة من الشباب من عمر (15-13) يدخنون الأرجيلة، وهي نسبة عالية وتدل على وجود فارق بين تدخين السجائر والأرجيلة وتشير إلى ازديادها وانتشارها.

وأضاف أن ارتفاع نسب التدخين لدى هذه الفئة العمرية يعود إلى عدة أسباب تتمثل في أن أكثر من 50 بالمئة من هذه الفئة المدخنة يكون أحد أبويهم مدخنا، وأكثر من 62 بالمئة يتعرضون للتدخين السلبي في البيوت والأماكن العامة، وهذا يعني تعرضه لمسببات التدخين في كل مكان.

كما أشار إلى أن سعر السجائر في الأردن رخيص جدا قياسا بالأسعار العالمية، وهذا يعني سهولة حصولهم عليها، منوّها إلى دور بيع السجائر الفردية من البقالات للقاصرين، حيث تشير الدراسات إلى أن 70 بالمئة من الأطفال لا يتم منعهم من شراء السجائر من قبل البائعين، ولم توجه لهم ملاحظة بخصوص أن شراء وبيع السجائر لمن هم دون 18 عاما غير مسموح به.

وأكد أنيس على الجهد الذي تبذله وزارة الصحة بالتعاون مع المؤسسات، لزيادة الوعي لدى الأهالي المدخنين، وتحذيرهم من أضرار التدخين السلبي على أطفالهم، من خلال عقد الندوات والمحاضرات والإعلانات الهادفة.

يشار إلى أن إحصائيات منظمة الصحة العالمية كشفت أن نسبة المدخنين في الأردن تعد من النسب الأعلى في العالم، وتصل إلى أكثر من 70 بالمئة بين الذكور حسب إحصائيات عام 2015، وهي النسبة الأعلى على مستوى المنطقة، والثانية على مستوى العالم بعد إندونيسيا.

تكثيف توعية الطلاب عن أضرار التدخين
تكثيف توعية الطلاب عن أضرار التدخين

وقال الاستشاري النفسي والتربوي موسى المطارنة “إن تدخين القاصرين عبارة عن نتاج نماذج مجتمعية، يأتي من خلال الأسرة، مرورا بالمدرسة، فيتعلم الأطفال هذه العادة من باب إثبات الذات والرجولة، خاصة عندما يرون من حولهم الكبار وهم يدخنون”.

وتبث بعض الأسر رسائل سلبية للأطفال عبر تبنيها لكلمات دون إدراك لأثرها على الطفل محتواها “إنك صغير ولا يجوز لك التدخين”، هنا يعتقد الطفل تلقائيا أنه عندما يكبر يصبح هذا الأمر من حقه.

وأضاف أن من أهم أسباب تدخين القاصرين أيضا هي المدارس، فطلاب المرحلة الأساسية الدنيا والوسطى يرون طلاب المرحلة الأساسية العليا وهم يدخنون، فيعتقدون أنهم عندما يصلون إلى هذه المرحلة عليهم أن يكونوا مدخنين، من باب التأثر بالآخر، خاصة المراهقين منهم.

ويرى المطارنة أن من أهم الحلول للحد من هذه الظاهرة، هي فصل الكبار عن الصغار في المدارس، حتى يتخلص الطفل من شعور محاولة إثبات ذاته دائما أمام الكبار، كسلوك التدخين في سبيل ذلك، داعيا المدارس إلى تكثيف توعية الطلاب عن أضرار التدخين، مع إرشادهم إلى العادات الصحيحة والابتعاد عن السلبية منها.

كما أكد أنه على الأسر أن تكون نماذج منفّرة من التدخين، وأنه عادة ضارة في الصغر والكبر، وضرب أمثلة للأطفال عن أناس مرضوا بشدة أو فقدوا حياتهم جراء التدخين، منوّها إلى أن هذه الرسائل عادة ما يتجاوب معها الأطفال.

21