التدرب على العزف يطور الدماغ وينمي قدرات الحواس

الخميس 2017/01/19
الموسيقى تمرن جميع أجزاء الدماغ المشاركة في الانتباه

مونتريال- أظهرت نتائج دراسة جديدة نشرت في مجلة “الدماغ والإدراك” أن الموسيقيين المدربين لديهم ردود فعل أسرع مقارنة بغيرهم، خاصة في الإشارات السمعية واللمسية. وأفاد البحث بأن ردود فعل الموسيقيين تجاه المؤثرات الحسية قد تكون أفضل من غير الموسيقيين، وركزت الدراسة على كيفية تأثير تدريب الموسيقيين على الدماغ خلال السنوات الأخيرة، والتغيرات التشريحية والهيكلية التي تشمل الحاسة البصرية واللمس والمناطق السمعية في المخ.

وقامت بهذه الدراسة مجموعة من الباحثين بجامعة مونتريال بكلية “أو دو أم” وهي كلية متخصصة في علم لغة الكلام والأمراض وعلم السمع في كندا. وشملت الدراسة 19 من غير الموسيقيين مقابل 16 من الموسيقيين، على ألا تقل فترة تدريب الموسيقيين عن 7 سنوات وعلى أن يكون الموسيقي قد بدأ التدريبات الموسيقية لأول مرة في الفترة ما بين 3 و10 سنوات.

في غرفة مضاءة جيدا وهادئة تم اختبار كل مشارك على حدة، وضع كل منهم إحدى يديه على الفأرة والأخرى على جهاز فيبرو باللمس ووضع الباحثون أمام كل المشاركين مكبر صوت تنبعث منه طلقات وإشارات من الضوضاء. وطالب الباحثون من المشاركين بالنقر على الفأرة إذا شعروا باهتزاز أو سمعوا صوتا. وتعرض كل مشارك إلى 180 اهتزازا بما فيها اهتزازات صوتية أو اهتزازت باللمس أو سمعية، ثم قام الباحثون بتحليل البيانات ووجدوا أن الموسيقيين هم أفضل من غيرهم في دمج المدخلات الواردة من الحواس المختلفة.

أثناء ممارسة الموسيقى وأدائها يعزز الدماغ مهارات الاتصال نفسها المتطلبة للمخاطبة والقراءة. فلدى الموسيقيين نظام عصبي متخصص في معالجة الصوت والصورة والموسيقى والحديث، مما يعني أن تعلم الموسيقى في سن مبكرة يساعد الأطفال على تطوير مهارات القراءة والكتابة ويقلل من الاضطرابات. وأظهرت دراسة أخرى أجريت في المركز الطبي لجامعة جورج تاون أن الموسيقى تمرن جميع أجزاء الدماغ المشاركة في الانتباه. وتحصل ذروة النشاط في الدماغ عندما يشارك المستمعون في لحظات الهدوء بين الحركات، مما يوحي بأن شبكة النشاطات الموسيقية في الدماغ مرتبطة بالحدس والانتباه وحدة الإدراك العصبية.

الموسيقى التي لا يتجاوز الإيقاع فيها 60 نغمة في الدقيقة الواحدة، تحفز خلايا نصفي المخ الأيمن والأيسر معا

وأثبت الدراسات الحديثة أن للموسيقى تأثيرات جمّة على الذاكرة والقدرة على التذكّر. فالموسيقى التي لا يتجاوز الإيقاع فيها 60 نغمة في الدقيقة، تحفّز خلايا نصفي المخّ الأيمن والأيسر معا. ونشاط هذين المنطقتين من الدماغ في آن واحد يزيد من القدرة على التعلّم وتذكّر المعلومات. فحينما تنشط الجهة اليسرى للمخّ لفهم المعلومة وتحليلها، تقوم الموسيقى بتنشيط الجهة اليمنى، ممّا يجعل المستمع للموسيقى أكثر قابليّة لفهم المعلومة وحفظها في ذاكرته.

بالإضافة إلى ذلك، الاستماع للموسيقى أداة هامّة للتذكّر واسترجاع تفاصيل دقيقة مرتبطة بأغنية معيّنة أو لحن مميّز. ففي دراسة أجريت حول تأثير الموسيقى على التعلّم، تبيّن أنّ المعلومة تكون أكثر سهولة للتذكّر حينما يعيد التلميذ اللحن الموسيقي باطنيّا وبذلك يتذكر المعلومة بكل بساطة. وذلك يدعم فكرة أن للموسيقى تأثيرا إيجابيا على مستوى تركيز المستمعين.

ويعتبر العلاج بالموسيقى إحدى وسائل عمليات تنشيط الحالة النفسية لدى الإنسان، وذلك بتنشيط الحواس والغدد والجهاز العصبي، وقد أعدت لهذا الغرض العديد من هذه المراكز التي تؤمن بمبدأ “التوازن النفسي السليم”. واستخدمت الشعوب القديمة الموسيقى لغرض الاستطباب، ففي زمن اليونانيين القدماء، آمن أولئك البشر بأثر الموسيقى على شفاء المرض.

وكان أبوأقراط أول من استخدم الموسيقى بين اليونانيين إيمانا منه بقدرتها على تخفيف التعب والإرهاق وتعديل المزاج الحاد وشفاء الأمراض النابعة من الإنهاك العقلي والجسمي. والأطباء العرب أيضا استخدموا الموسيقى في العلاج ومنهم أبوبكر الرازي وابن سينا وإخوان الصفا والكندي. فقد بيّن أبوبكر الرازي أن للموسيقى آثارا سحرية تقي المرضى من تأجج أزماتهم النفسية. أما الكندي فكان يعتقد أن للألحان الموسيقية فوائد على صحة الجسم، إذ أنها تستخدم كمقويات للدم وكمسكنات وتساعد على التخلص من عسر الهضم.

ويقول الكندي إن لآلة العود قدرة فائقة على التخلص من الآلام جميعها ولذلك أدخل الآلات الموسيقية لمعالجة مرضاه. أما ابن سينا فيؤكد أن “الغناء أحسن رياضة لحفظ الصحة من العناء”. ويذكر لنا إخوان الصفا في رسائلهم عن استعمال الموسيقى في مشافي المجانين التي وجدت في ذلك العصر حيث كان يلجا الأطباء العرب لشفاء المرضى إلى استخدام الموسيقى لتخفيف الآلام عنهم أثناء النوبات.

17