التدريب المهني للمعلم في الدول العربية أساس نجاح التربية والتعليم

أصبح من الأهمية بمكان أن تتجه المؤسسات التعليمية في البلدان العربية إلى اعتبار المعلم الركيزة الأساسية لضمان الوصول إلى تحسن نسبي في المنظومة التعليمية، ذلك أنه يظل المسؤول الأول عن تربية وتثقيف وتنوير الطلاب في كافة المراحل التعليمية، خاصة في ظل العديد من التحديات التي تواجه التعليم العربي.
الثلاثاء 2016/01/12
لا جدال في أهمية المعلم في المدرسة لكن مكانته في المجتمع تحتمل النقاش

هذه النظرة المستقبلية كانت محصّلة مؤتمر المعلمين السنوي الأول لتطوير التعليم في الوطن العربي، الذي عقد بالقاهرة يوم الأحد 10 يناير، حيث اتفق ممثلو المنظمات التعليمية في الدول العربية على أن الاهتمام بالتنمية المهنية المستدامة للمعلم العربي وتحسين ظروفه المادية والاجتماعية والاهتمام بتطوره المعرفي وترقيته في السلم الوظيفي، أصبحت من الضمانات الحقيقية لتحسين جودة المخرجات التعليمية ونهضة المجتمعات العربية.

تحقيق هذا الهدف، وفق توصيات المؤتمر، يستلزم أن تزيح البلدان العربية الظروف التي تؤثر على الأنظمة التعليمية وتبحث عن طرق جديدة وحلول مبتكرة، وأن تُفَعِّل العمل العربي المشترك مع ضرورة تعظيم الاستفادة من المنظمات العربية والإقليمية والدولية العاملة في مجال التعليم لدعم مسيرتها نحو تحقيق أهداف التعليم 2030، لضمان وصول التعليم إلى الجميع.

الهلالي الشربيني، وزير التربية والتعليم المصري، جزم بأن بلاده أيقنت أن الاهتمام بمجال تنمية المعلم أقصر الطرق لتطوير تعليمها، لذلك اتبعت منهجية علمية في تنمية وتطوير المعلمين، وقياس أثر البرامج التدريبية المتاحة لهم وتقييم أدائهم. وقامت الوزارة بوضع وثيقة المعايير القومية للتعليم في مصر عام 2003، وخصصت جزءا يحدد مهام المعلم العصري الذي أصبح أقرب إلى صفات المربي، والمخطط، والباحث، والمفكر، والمُقَيِّم، والقائد، بل والمتعلم أيضا.

الوزير المصري أكد على أن تفعيل دور الأكاديمية العربية للمعلم، كمركز تميّز عربي، يقوم على وضع خطط وبرامج وسياسات للارتقاء بأداء المعلم العربي، ويستلزم تضافر الجهود العربية وضبط اتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف، للمضي قدما نحو الاستفادة من الإمكانات الضخمة المتوفرة في هذه الأكاديمية.

التحديات التي باتت تواجه الدول العربية يقف وراءها فكر متطرف ضاعف من المهام الواقعة على كاهل المعلم العربي

لذلك كان الاتفاق بالإجماع على استغلال الفرصة القيّمة لجلوس ممثلي الدول العربية على طاولة واحدة خلال المؤتمر، للتوافق حول تفعيل الاتفاقيات والأطر القائمة في هذا الشأن، وتحديد مجالات العمل المستقبلي، وتجديد الالتزام بالتعاون المشترك، ووضع آليات تنفيذية ترتبط بجدول زمني ومعايير لتقييم المشروعات المشتركة، لأجل الوصول إلى إنجاز فعلي في مجال تنمية المعلمين.

ودعا الوزير المصري إلى اعتماد جوائز قيّمة لأفضل معلم على مستوى كل قطر عربي، ومكافأة المعلم الباحث الذي يقدم أفضل البحوث بما يساهم في تطوير مهنته ومدرسته وتحفيز كل معلم وتشجيعه على أن يكون مثاليّا، وهو ما يثري العملية التعليمية في جوانبها كافة.

المتابعة المستمرة للمعلم داخل المؤسسات التعليمة، من شأنها ضمان جودة الخدمة التعليمية المقدمة للطلاب، ومهنة التدريس تعتمد أساسا على التزام المعلم بأداء مهنته على أعلى مستوى من الكفاءة، ولأن المعلم هو من يؤسس للتربية من أجل المواطنة العالمية، والديمقراطية، والاعتدال، وإعلاء مصلحة العامة، والمسؤولية الاجتماعية، وغيرها من المبادئ التي تصنع حضارة الأمم، فإن خير وسيلة لنشر تلك الأفكار بين أبنائنا أن يكون المعلم قدوة لهم.

ولا يمكن تحقيق ذلك، إلا إذا لجأ المعلم نفسه إلى تطوير قدراته، بحيث لا يعتمد كليّا على المؤسسات التعليمية للقيام بهذا الدور، بل من الضروري أن يستند إلى البحوث لتقييم نفسه بصفة دورية، حيث يتمكن من رصد المشكلات التي تواجهه داخل المدرسة، وبالتالي يضع أسئلة بحثية لعلاج تلك المشكلات ويتشارك هو وزملاؤه المعلمين في إيجاد حلول لها، وكذلك مع الطلاب سعيا للتوصل إلى حلول مبتكرة تلبي احتياجاتهم وتنهي الفروق الفردية بينهم.

التوسع في تطبيق بحوث الفعل من شأنه أن يساعد على تحقيق الإصلاح المتمركز حول المدرسة والتنمية المهنية المستديمة للمعلمين، وهو يندرج ضمن المساعي العربية المتواصلة لتحسين جودة التعليم التي اعتبرها نبيل العربي، أمين عام جامعة الدول العربية، في كلمة ألقاها نيابة عنه بدرالدين العلالي الأمين المساعد للجامعة، “ضرورة ملحة لا تحتمل التأخير”.

وقد شدد العربي على أن مهنة المعلم من أشرف المهن، فهي مهنة الرسل والأنبياء ورسالة وطنية تهدف إلى تعزيز التجانس بين أفراد المجتمعات العربية، مشيرا إلى أنه ينبغي على المؤسسات التربوية والتعليمية توفير المناخ الجيد للمعلم، وأن جامعة الدول العربية تساهم بإمكانياتها وخبراتها في تحقيق نتائج وتوصيات المؤتمر.

تفعيل دور الأكاديمية العربية للمعلم، كمركز تميّز عربي، يقوم على وضع خطط وبرامج وسياسات للارتقاء بأداء المعلم العربي

فكل الدول المتقدمة لم يكن لها أن تحظى بهذه المكانة إلا من خلال التعليم، لذلك ظل التعليم ضمن أولوياتها وبرامجها السياسية، وهو ما أكده محمد القدسي نائب رئيس المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، بأن الاستثمار في التعليم العربي مضمون وهو مكسب للأجيال الحاضرة والقادمة.

وليس من الضروري أن يتم استثمار المعلم العربي لتحقيق طفرة تعليمية فحسب، لكن التحديات التي باتت تواجه الدول العربية من تهديد لسيادتها وانتمائها الحضاري، الذي يقف وراءه فكر متطرف لا جنسية له ولا دينا، بحسب أمين عام جامعة الدول العربية، ضاعفت من ثقل المهام الواقعة على كاهل كل معلم عربي، خاصة أن إشاعة الفكر الإنساني وبناء هدف التسامح، لن يتما إلا من خلال معلم محترف ومثقف ومتدرب.

ويتحتم على المعلمين أن يقدروا حجم مسؤوليتهم وأن يعملوا على الارتقاء بمهنتهم، وأن يعلموا أن التدريس ليس وظيفة روتينية بقدر ما هو مهنة تحتاج إلى الإبداع والتجديد والابتكار لتنمية شخصيات الطلاب، وتسليحهم بالمهارات التي تمكنهم من مواجهة التحديات المستقبلية والمشاركة بفعالية في تنمية أوطانهم.

كما أن للإعلام دورا هاما في بلوغ أهداف الارتقاء بالمعلمين وبالعملية التعليمية في العالم العربي، سواء من خلال البرامج التعليمية التي تعرض على القنوات التعليمية لخدمة الطلاب والتي تبرز النماذج البارزة من المعلمين، أو من خلال المواد الإعلانية والأعمال الدرامية التي يجب أن تركز على إعلاء شأن المعلم وإظهار مكانته وغرس قيمة احترام المعلم وتبجيله في المجتمع.

ومن وجهة نظر عمرو سلامة، مستشار الجامعة الأميركية بالقاهرة، ووزير التعليم والبحث العلمي المصري سابقا، فإن التحديات التي تواجه العرب في مجال التعليم صعبة للغاية، لكن طرق معالجتها وكيفية التعامل معها تظل سهلة، إذا ما توافرت إرادة حكومية وشعبية لإنقاذ المنطقة من الاضطرابات عبر تطوير النسق التعليمي والارتقاء بأداء المعلمين، لضمان الحصول على خريجين عرب يكرسون السعي لبلوغ التنمية المستدامة.

17