التدريس مهنة تفقد جاذبيتها في المدارس والجامعات

مهنة التدريس تمثل الطريق الصحيح الذي يدعم الطلاب للوصول إلى أهدافهم ويعزز من قدراتهم على اكتساب مهارات جديدة.
الثلاثاء 2018/05/01
خلو القاعة يعكس طبيعة المهنة

كوينزلاند (أستراليا) – من الطبيعي أن يتركز اهتمام الباحثين في قطاع التعليم على المناهج والبرامج والطرق المبتكرة وكل الظروف المحيطة بعملية التدريس بهدف تطويرها والنهوض بها، لكن ذلك لا يمنع الأبحاث، على قلتها، من طرق أبواب القائمين على هذه المهنة غايتها الكشف عن الأسباب الكامنة وراء تراجع حظوظ هذه المهنة مستقبلا وعدم تفضيل البعض لها، فيما تذهب آراء أخرى إلى أنها لم تعد مغرية للكثيرين مثلما كان عليه الحال في السابق. 

هل أن مهنة التدريس لم تعد مغرية للبعض أم أن الظروف المحيطة بها وما تسببه من إرهاق وأمراض وأحيانا من روتين ممل هو ما يدفع البعض للابتعاد عنها وتجنب خوضها، أم أن هناك عناوين أخرى ترسم حدود التقاطع بين المهنة و”الزاهد” فيها بأي تخصص وفي أي مستوى علمي كان؟

هذه الأسئلة وغيرها هي بوابة للتعمق أكثر في الأسباب والدوافع التي تجعل مهنة التدريس “مرهقة” ولم تعد جاذبة للمدرسين في العديد من البلدان من أنحاء العالم، فيما الوضع مختلف في البلدان العربية التي وإن كان هناك إجماع على الفكرة، إلا أن سقف الحدود لا يمكن أن ينزل إلى مستوى يجعل الكثيرين يعدلون عن خوضها.

لكن مهما بدت دوافع المدرسين في البلدان العربية موضوعية، ومتمثلة أساسا بهاجس البطالة وقلة ساعات العمل مقارنة مع مهن أخرى إضافة إلى ضعف الإمكانيات المادية لبعض الخريجين لفتح مشروع يرغبون فيه، فإن كل ذلك لا يثني الكثيرين عن اختيار مهنة التدريس عوض الدخول في مهن أخرى قد تأخذ منهم جل أوقاتهم.

جو آن فيريرا: خفض المسؤولية المهنية للمدرسين يجعل الوظيفة تبدو غير جذابة إلى حد ما
جو آن فيريرا: خفض المسؤولية المهنية للمدرسين يجعل الوظيفة تبدو غير جذابة إلى حد ما

هذه الأزمة كشف عنها مجلس عمداء التعليم في كوينزلاند بأستراليا الذي أقر بأن هناك انخفاضا ملحوظا في طلبات التفضيل الأولى لدورات إعداد المدرسين لهذا العام. وشهدت ولاية كوينزلاند انخفاضا بنسبة 26 بالمئة. أما الأمر الأكثر إثارة للقلق فهو أن جامعة كوينزلاند سجلت انخفاضا بنسبة 44 بالمئة، فيما شهدت جامعة كوينزلاند للتكنولوجيا انخفاضا بنسبة 19 بالمئة.

وإضافة إلى ذلك فقد شهدت الجامعات الكاثوليكية الأسترالية انخفاضا بنسبة 20 بالمئة للحرم الجامعي في كوينزلاند ونيو ساوث ويلز وفيكتوريا، حيث أقر مركز القبول الجامعي بفيكتوريا انخفاضا بنسبة 40 بالمئة في عام 2017.

ودفعت هذه الأرقام الصادمة التربويين إلى التساؤل حول الأسباب التي تدفع البعض إلى تجنب خوض هذه التجربة المهنية، فيما تركز اهتمام بعض الأكاديميين حول النبش وراء الأسباب الأكثر موضوعية التي تجعل من هذه المهنة منفرّة للمقبلين عليها.

وجاء في مقال لنان بحر نائب رئيس جامعة ساوثرن كروس الأسترالية وجو آن فيريرا مدير التعليم والتعلّم بنفس الجامعة، أن هذه الأسباب يمكن اختصارها في عناصر كبرى من بينها تقييم كفاءة المدرس التعليمية، عدم القدرة على تحقيق الاستقلالية، العنف المسلط على المدرسين وضعف الرواتب وغيرها.

ويشرح مؤلفا هذا المقال كيف يستمد أفضل المدرسين مهاراتهم من أجل تشجيع الطلاب على تحقيق ما يتجاوز توقعاتهم أحيانا. فهم يوظفون أوقاتهم لتقديم أفضل ما لديهم للطلاب ويستخدمون روح الفكاهة لشرح المفاهيم الأساسية، إضافة إلى كونهم يهتمون بطلابهم بل ويذهبون إلى مدى أبعد لتكييف طرق تعليمهم من أجل التواصل معهم بطرق هادفة.

وتقول نان بحر إن “وجود إطار لتحديد الكفاءات ليس بالأمر السيء. بالطبع نحتاج إلى أن تكون لدى المعلمين إمكانيات ملحوظة للتخطيط والتقييم والطرق ذات الصلة لتدريسه. وهذه المهارات ضرورية ولكنها ليست كافية. نحن بحاجة لإضافة بعد العلاقات الإنسانية لقائمة كفاءات المعلمين”، حيث أن أفضل المهارات التي نقيّم على أساسها أفضل المعلمين لا توجد مع الأسف في اعتماد البرنامج.

ويستشهد الباحثان في شرحهما لهذه الأسباب التي يبرز من بينها عدم القدرة على تحقيق الاستقلالية بالتجربة الفنلندية التي لفتت أنظار العالم حولها بسبب نظامها التعليمي الناجح.

ويقر الباحثان بأن المدرسين الفنلنديين يمتلكون القدرة على تحديد ما سيعلمونه للطلاب وسياسة التعليم التي سيتبعونها، أما في أستراليا فنحن نمارس السيطرة الكاملة على العملية التعليمية، بالإضافة إلى أن المدارس الأسترالية تفتقر إلى التركيز على أنشطة اللعب والفنون. وتقر جو آن فيريرا بأن “إدارات التعليم في بلدنا توفر إرشادات واضحة للفصول الدراسية حتى قبل بدء الدراسة بوقت كبير. وهذا يعني أن المنهج التعليمي والمحتوى موجودان حتى قبل أن يلتقي المدرس بطلابه. وهذا يقوض من قدرة المعلم على الاستجابة لمتطلبات طلابه”، وهذا من وجهة نظر الباحثين يخفض من مستوى المسؤولية المهنية للمدرسين، مما يجعل الوظيفة تبدو غير جذابة إلى حد ما.

أما الجانب الآخر فيتعلق بكثرة الأعباء الموضوعة على كاهل المدرسين، حيث تكثر أعباء العمل المتمثلة في تزايد حجم الواجبات والمسؤوليات التي تم إلحاقها بدور المدرس.

ويقول مدرسون إنهم لا يستطيعون الحصول على مكافآت التدريس، بفضل أعباء العمل الكثيرة والمناهج المزدحمة. ويتم التشديد عليهم من خلال مجموعة من الأشياء التي يُطلب منهم تدريسها. وتعزى هذه الزيادة في الأعباء إلى العديد من العوامل، ليس أقلها توسع مسؤوليات المدرسين لتشمل تنمية المهارات الاجتماعية التي كانت موكلة إلى الآباء في المنزل.   فالتدريس معروف جدا أنه عمل شاق، ومع ذلك، فإن العمل الشاق دون تقدير أو احترام هو عامل مثبط للعزيمة إلى حد كبير.

وهذا السبب لا يشمل المدرسين في أستراليا بل يشمل الدول العربية أيضا، حيث يتسبب خروج الزوجين للعمل، وهو السبب الرئيسي، في الدفع بالأبناء إلى الحواضن وفضاءات الدروس الخصوصية وغيرها مع تقلص الدور الموكول للوالدين في البيت، وهو ما يفرض أعباء إضافية على المدرسين بعيدا عن المقابل المادي تتسبب في تنفيرهم لهذه المهنة.

44 بالمئة نسبة الانخفاض في إعداد المدرسين بجامعة كوينزلاند الأسترالية

الأهم من كل الأسباب التي سبق ذكرها هو ظاهرة العنف المسلط على المدرسين، حيث  يميل الاتجاه العام إلى ازدراء التدريس كرسالة.

ومعلوم أنه من حيث المسيرة المهنية تمثل مهنة التدريس الطريق الصحيح الذي يدعم الطلاب للوصول إلى أهدافهم ويعزز من قدراتهم على اكتساب مهارات جديدة وهذا لن يتم إلا بفضل مدرسين أكفاء، لكن عندما يتم سلب كرامة المدرس ويتعرض إلى شتى أنواع العنف، فإن هذا الهدف سيفقد قيمته الأساسية حتما.

الأمثلة عديدة وخصوصا في البلدان العربية، بخلاف المثال الأسترالي، لوقائع من هذا النوع عرفتها بعض مؤسسات التعليم وأهمها ما كشفت عنه تقارير إخبارية في المغرب. وكانت إحصائيات صادرة عن مؤسسات حكومية أشارت إلى أن ظاهرة العنف أصبحت في تزايد مستمر، كما بينت هذه الإحصائيات أن حالات العنف وصلت إلى تعرض معلم كل شهر للعنف في المدرسة.

آخر الأسباب وأبرزها، وفق الباحثين في هذا التقرير، تؤكد أن ضعف الرواتب يسهم في جعل هذه المهنة أكثر من منفرة قياسا بحجم المهمّة الموكولة للمدرسين.

وفي الدول العربية الأمثلة عديدة لصراع طويل للمدرسين وبحثهم المتواصل عن حقوقهم المادية، فيما دفعت الأجور المتدنية الآلاف منهم إلى سلك طريق الهجرة للخارج.

17