التدهور البيئي المتسارع يفاقم أزمات لبنان

ضحايا التلوث البيئي سنويا في لبنان يفوقون ضحايا جائحة كورونا.
الأربعاء 2021/01/20
نفايات مكدّسة

بيروت – تفاقمت في لبنان مشكلات التلوث البيئي والتغاضي عن معالجتها بشكل جذري، من بينها استمرار تلوث نهر الليطاني (أطول نهر في لبنان) وتضاعف نسب التلوث الحاد في الهواء، مما ينذر بكارثة بيئية من شأنها أن تثقل كاهل البلد المرهق من أزمات اقتصادية وسياسية.

وبحسب مسؤولين وخبراء، فإن التلوث يزيد من معاناة السكان الصحية والاقتصادية، فيما الجهات الرسمية المعنية غائبة عن اتخاذ التدابير المناسبة لوقف التدهور البيئي.

ويرى مقرر لجنة البيئة في البرلمان قاسم هاشم أن حكومة تصريف الأعمال الحالية لا تضع قضايا البيئة من ضمن أولوياتها، مشيرا إلى أن التلوث في لبنان مزمن ويزداد تفاقما.

وقال هاشم “للأسف، استقالة الحكومة وتعثر تشكيل حكومة جديدة جعلا الاهتمام بالبيئة خارج الأولويات”، مضيفا أن “المشاكل البيئية زادت إلى حد ما بسبب الأزمة التي تمر بها البلاد”.

وفي 10 أغسطس 2020، استقالت حكومة تصريف الأعمال الحالية برئاسة حسان دياب، بعد 6 أيام على انفجار مرفأ بيروت الكارثي، وحتى اليوم لم تُشكل حكومة جديدة بسبب خلافات سياسية بين الأحزاب الأساسية.

ومنذ أكثر من عام، يعاني لبنان أزمة اقتصادية حادة أدت إلى انهيار مالي وخسائر كبيرة في أموال المصرف المركزي، كما تشهد البلاد احتجاجات شعبية بين الحين والآخر تُرفع فيها مطالب اقتصادية وسياسية.

وتقول المتخصصة في دراسة نوعية الهواء البروفيسور نجاة صليبا  إنه بين عامي 2017 و2020 زاد تلوث الهواء بنسبة 50 في المئة، بحسب دراسة أجرتها على عينات مأخوذة من مدينة بيروت.

ولفتت صليبا، وهي أستاذة مادة الكيمياء في الجامعة الأميركية في بيروت، إلى أنه في الفترة الأخيرة انخفضت أعمال كنس الشوارع، وزاد تكدس النفايات، وارتفعت أعداد المولدات الكهربائية التي تعمل على الوقود السائل.

أما في المنطقة المتضررة من انفجار مرفأ بيروت، فتقول صليبا إن تلوث الهواء زاد بنسبة 150 في المئة، بسبب الغبار الناتج عن الانفجار والدمار وأعمال رفع الركام.

وتسبّب انفجار مرفأ بيروت الذي وقع في الرابع من أغسطس الماضي، في مقتل 200 شخص وإصابة 6 آلاف آخرين، وأضرار مادية هائلة في الأبنية السكنية والمؤسسات التجارية.

يضاهي وباء كورونا

التلوث يهدّد أطول نهر في لبنان
التلوث يهدّد أطول نهر في لبنان

يقول مدير برنامج الحملات في الشرق الأدنى بمنظمة “غرينبيس” الدولية جوليان جريصاتي إن لبنان يسجّل أعلى نسب تلوث في الهواء في منطقة الشرق الأوسط، والسبب في ذلك غياب مصادر الطاقة المتجددة والصديقة للبيئة.

وفي مقارنة للدلالة على خطورة التلوث، قال جريصاتي إن تلوث الهواء في لبنان يسبب سنويا حالات وفاة أكثر مما تسببه جائحة كورونا.

“ويشدّد جريصاتي على أنه في ظل الأزمة الاقتصادية والصحية (جائحة كورونا)، أصبحت قضايا البيئة في أدنى الأولويات عند المسؤولين وأصحاب القرار”.

وحسب تقرير أصدرته المنظمة ذاتها صيف 2020، بلغ متوسط عدد الوفيات المبكرة في لبنان نتيجة تلوّث الهواء 2700 حالة عام 2018، أي بمعدل 4 وفيات لكل 10000 شخص، ويعتبر ذلك من أعلى المعدلات في المنطقة.

ويعاني نهر الليطاني أطول وأكبر نهر في لبنان (طوله 170 كلم) من تلوث حاد، ما أفقده دوره كشريان حياة أساسي في البلاد لتأمين مياه الشرب والري وتوليد الكهرباء.

وبحسب مدير عام المصلحة الوطنية لنهر الليطاني (جهة رسمية) سامي علوية، فإن الأزمة الاقتصادية في البلاد شكلت ذريعة بالنسبة للوزارات المعنية والمتعهدين، لعدم تنفيذ تدابير معالجة التلوث ووقف الصرف الصحي والصناعي الذي يصب في النهر.

وأضاف علوية “في ظل الأزمة، زاد انتشار مكبات النفايات العشوائية على ضفاف النهر، مما استوجب مضاعفة تحرك فرقنا لمنع ذلك”، لكنه أشار إلى أن “الأمور تتفاقم”.

ويفتك تلوث نهر الليطاني بصحة المواطنين في المناطق القريبة منه، والتي تشكل حوالي 20 في المئة من مساحة لبنان.

وبحسب علوية، هناك الآلاف من الإصابات بالأمراض السرطانية في البلدات المحيطة القريبة من النهر، مشيرا إلى أنه في بلدة واحدة (من أصل 296) سُجلت 600 إصابة.

ولفت إلى أن 20 في المئة من المزروعات في منطقة البقاع (شرق ووسط لبنان)، تُروى من مياه الليطاني الملوثة، وبالتالي هي غير صالحة للاستهلاك البشري.

ومن الأضرار الاقتصادية لتلوث النهر، انهيار الثروة السمكية وفقدان العشرات من العائلات لمصدر رزقهم بعدما كانت تعتمد على صيد الأسماك.

نفايات مكدسة

التلوث أخطر من الأوبئة
التلوث أخطر من الأوبئة

يعاني لبنان أزمة نفايات منذ 2015 حيث تشهد بعض المناطق تكدسا للنفايات بين الحين والآخر، ويرى خبراء أن التخلص من النفايات لا يتم بطريقة تراعي الشروط البيئية وتسبب أضرارا صحية.

وقال رئيس الحركة البيئية اللبنانية بول أبي راشد إن مكبات النفايات العشوائية انتشرت بشكل أكبر خلال الأزمة التي تعيشها البلاد.

ووفق أرقام نشرتها وزارة البيئة في 2018، هناك941 مكبا عشوائيا تنتشر في لبنان، والعشرات منها تُحرق في الهواء الطلق بمعدل مرة واحدة في الأسبوع على الأقل.

وبين صيف وخريف 2020 شهد لبنان حرائق غابات أدت إلى خسارته نحو 7000 هكتار من مساحته الخضراء والأراضي الزراعية، كما تعاني العديد من الشواطئ اللبنانية من التلوث بمياه الصرف الصحي منذ سنوات.