التدين الاستعراضي.. طريق سالك بين الناس يسهل الحياة

“التدين الاستعراضي”، وهو التدين المرتبط بالمظاهر حصرا، ليس ظاهرة حديثة، وإن كانت أدواته في التعبير والاستعراض هي الجديدة، مع وجود هاتف ذكي في يد كل “متدين مغشوش”، ومع توفّر وسائل للنشر تتمثل خاصة في صفحات مواقع التواصل الاجتماعي. ويبدو أن هذا اللون من التدين، تحول إلى ظاهرة غزت المجتمعات المسلمة.
السبت 2018/01/06
سيلفي والشيطان خلفي

تونس- رغم تحول نصيحة رجل دين سعودي في برنامج تلفزيوني إلى حملة عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، حينما هوّن من جرم زنا المحارم مقارنة مع ترك الصلاة، تمسك عبدالله السويلم برأيه وقال في تصريحات صحافية: لن أتراجع عما ذكرته من أن “زنا المحارم أهون من ترك الصلاة”.

يعتبر خبراء نفسيون أن المسألة ليست مجرد نفاق أو جهل وإنما هي وعي فاسد بالدين، يؤدي إلى نوع من التدين الظاهري الذي يشكل بديلا عن الدين الحقيقي أساسه يجب أن يراك الجميع في المسجد في صلاة الفجر بلحية وقميص. وهذا التدين البديل مريح وخفيف ولا يكلف جهدا ولا ثمنا لأنه يحصر الدين في الشعائر والمظاهر فقط.

وهذا ما يفسر الانحلال الأخلاقي في أكثر المجتمعات تدينا، إذ صنفت أفغانستان مثلا على رأس خارطة التحرش عالميا، فيما تعتبر الدول العشر الأولى المشاهدة للأفلام الإباحية على المواقع المتخصصة من البلدان العربية والإسلامية.

النقاشات حول إساءة استعمال السلطة الدينية محرمة، لتستمر بذلك ظاهرة "عبادة" الشخصيات المعروفة بالورع الظاهري

رجال دين لكنهم متحرشون

مؤخرا بدأت النساء يخرجن عن صمتهن ويتكلمن عن الشيوخ والعلماء الإسلاميين المتهمين باستغلال ورعهن، ضمن حركة “أنا أيضا” العالمية التي كشفت عن المفترسين الجنسيين.

عدد المفترسين الجنسيين من “علماء الدين” يعدّ على الأصابع. ولذلك تفسيرات وفق تقرير لمجلة “ذا أتلنتيك” الأميركية.

ويؤكد التقرير أن “المشاعر المعادية للإسلام والمسلمين تجعلهم يحجمون عن نشر غسيلهم المتسخ أمام العموم إذ لا أحد يرغب في أن ينفخ على نيران الإسلاموفوبيا الملتهبة أصلا”.

لكن السبب الرئيسي هو أن النقاشات حول سوء السلوك الجنسي وإساءة استعمال السلطة تظل نقاشات محرمة في الكثير من الأوساط الإسلامية. وأخيرا تستمر ظاهرة عبادة الشخصيات بشكل كبير في الإسلام المعاصر.

يوجد اسم العالم الإسلامي السويسري المولد طارق رمضان في قلب انتفاضة هاشتاغ “أنا أيضا” واتهمته امرأتان مسلمتان بالاغتصاب والاعتداء الجنسي. رمضان الذي أخذ إجازة من جامعة أكسفورد أنكر التهم وردها إلى “حملة تشويه يحركها بكل وضوح خصومي القدامي”.

ظل رمضان، وهو حفيد مؤسس حركة الإخوان المسلمين حسن البنا، شخصية خلافية في فرنسا حول موضوع الهوية الإسلامية والاندماج لأكثر من عقدين من الزمن.

وفي بلد يفهم العلمانية بمعنى الحرية من الدين وليس حرية الدين، عمل رمضان على الدفاع عن الإسلام وتحديد مكان له في الحياة العامة. لكن مثلما كتب أدام شاتز مؤخرا في صحيفة “ذي نيو يوركر” رمضان هو “شاشة عرض أو اختبار هرمان رورشاخ (طبيب نفسي) للقلق القومي حول ‘مسألة المسلمين\'”.

وفي أوائل خريف عام 2017، وُجّه الاتهام لأستاذ إسلامي مقيم في تكساس اسمه علي خان بإقامة علاقات غير لائقة مع عدة نساء مسلمات بما في ذلك البعض منهن اللائي عملن معه أو طلبن مشورته.

وهذه العلاقات التي تتنافى مع الفضائل الأخلاقية التي يتبناها أمام العموم يُدّعى أنها تتضمن صور سيلفي دون قميص ونصوصا بذيئة نشرت لقطات شاشة لها بعد مدة قصيرة.

التدين البديل ساهم في إيجاد حاضنة للإرهاب في المجتمعات المسلمة

حظي خان بمتابعة عالمية مكثفة بين الشباب المسلم بفضل دروسه القرآنية المتحركة التي مزجت بين تأويلات محافظة للنصوص القرآنية عن العلاقات بين الذكور والإناث وسيناريوهات ذات علاقة.

في منشور على فيسبوك في صفحته الشخصية رفض وأنكر خان الاتهامات “صراحة”. على الرغم من أنه لم يتم اتهام خان بارتكاب جريمة، تسببت آثار القضية في استقطاب الجالية المسلمة.

وفي فضاء الإنترنت بالتحديد هناك تشهير بالناقدات لدفعهن إلى التزام الصمت. كما تم التشهير بالنساء المعنيات بالفضيحة اللائي ادعين أنه تم تهديدهن برفع دعاوى ضدهن إذا تكلمن.

وفي هذا السياق كتبت شاهين باشا في صحيفة “دلاس مورنينغ نيوز″ قائلة “اعتبرهن بعض المسلمين نساء حاقدات حقيرات وشككوا في نقائهن الديني لمجرد الدخول في مثل هذه الحوارات مع خان”. ردة الفعل هذه تكشف لِمَ الحديث علنا وبصراحة داخل المجتمع المسلم عمّن يدعون التقوى والورع يكون محفوفا بالمخاطر.

حسب أيشا شودري، أستاذة الدراسات الإسلامية ودراسات النوع الاجتماعي (دراسات الجندر) في جامعة كولومبيا البريطانية في كندا، تتمحور هذه الأمثلة عن تحلق الأشخاص حول الرجال “لأن الناس في المجتمعات الأبوية يتبعون الرجال بشكل أسهل من اتّباع النساء”.

وتؤكد “لدفع ثورة هاشتاغ ‘أنا أيضا’ الإسلامية علينا أن نضخم أصوات الضحايا بغض النظر عما إذا كان الفاعلون وعاظا أو علماء محبوبين، وبغض النظر عن الإسلاموفوبيا، فبالنسبة إلى عقيدة بدأت قبل قرون بهدف معلن يتمثل في محاربة المظالم غير المعقولة، هذا واجب طبيعي”.

منافق معصوم من الخطأ

إن المتأمل للوضع الآن في المنطقة العربية يجد أن الشعوب العربية مصابة بهوس التدين الظاهري المتمثل في طريقة الملبس والمأكل وغيرهما دون أن يلامس هذا التدين جوهر حياة الناس، لأنه رغم حالة التدين التي نراها في عالمنا العربي إلا أننا نجد أن نسب الجريمة والفساد والرشوة وحتى القتل والدعارة وغيرها من الجرائم التي يندى لها الجبين في ازدياد يوما بعد يوم.

فالكثيرون بيننا يؤدون فرائض الدين الإسلامي بإخلاص، لكنهم في حياتهم اليومية يتصرفون بطريقة أبعد ما تكون عن الدين؛ هم يصومون ويصلون ويتصدقون ويحجون ويحيّون الناس بتحية الإسلام ويلزمون زوجاتهم وبناتهم بالحجاب والنقاب.. وهم يعتقدون بعد ذلك أنهم قد أدوا واجبهم الديني كاملا غير منقوص.

في المقابل تنظر شرائح كثيرة في المجتمع البشري إلى كل شخص يتحلى بعلامات التدين -من “اللحية الشرعية” وهي في حجم قبضة اليد على الأقل، وملابس الصلحاء المتمثلة خاصة في قميص قصير وأمارات السجود في الجبهة، وما إلى ذلك- على أنه كائن يختلف عن بقية البشر ومعصوم من الخطأ وارتكاب الذنب؛ فالشيطان لن يجد إليه سبيلاً.

هذه الثقافة التي يتبنّاها المجتمع حول التدين ومقياسه الشكلي ومعياره الظاهر، ثقافةٌ متأصلة فيه وظلّت من أهم العوامل التي ساعدت أناساً على أن يتخذوا من تلك المقاييس وسائل لتمرير مخططاتهم المغرضة وغاياتهم الرخيصة.

الثقافة التي يتبناها المجتمع حول التدين، ثقافة متأصلة ساعدت أناساً على أن يتخذوا منها وسيلة لتحقيق غايات رخيصة

وكان الشارع العراقي ضج قبل سنوات بعد انتشار أفلام اباحية مصورة بهاتف محمول يمارس فيها السيد مناف الناجي وكيل المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني في مدينة العمارة جنوب العراق، الجنس مع نساء عراقيات.

وانتشر الفيلم في عموم محافظة ميسان ولم يضم مقطعا واحدا بل عدة مقاطع فيديو الواحد يختلف عن الآخر. واتهم الناجي باستغلال موقعه الديني وعوز وفقر وجهل الضحايا لايقاعهن في شباكه.

تكمن خطورة التدين الظاهري في عدم حصول الشخص على سلامه النفسي، بل إنه يصبح رغمًا عنه يعيش بازدواجية، فهو مطالب بالظهور أمام الناس بصفته الدينية التي تعطيه هالة من الوقار يلاحظها في نظرات من حوله، فتشبع غروره، بل قد يتمادى ليحاكم الآخرين على تقصيرهم في أداء واجباتهم الدينية، ويُبوّئهم مكانة دونية.

يرى الإمام والمفتش في وزارة الشؤون الدينية والأوقاف الجزائرية فضيل بن سعيد أن مسألة الاهتمام بمظاهر التدين على غرار اللحية والقميص والجلباب، لنيل ثقة الناس والبحث عن مكانة اجتماعية وروحية معينة، هي أحد وجوه التحولات الاجتماعية السلبية والغلو الديني.

وقال “اختلال القيم الأخلاقية والروحية، حوّل الأنظار إلى التركيز على المظاهر الدينية، دون ملامسة باطن الأشخاص وحقائقهم، والاهتمام بالقشور بدل اللب، وهو أمر يضر بأخلاق وممارسات الدين الإسلامي السمح أكثر مما ينفعه ويحقق الجاذبية له، فالحقائق الصادمة لدى بعض المهتمين بالمظاهر تثير الاشمئزاز وتشكل عامل تنفير”.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب” “من خلال احتكاكنا اليومي بالمساجد وبرواد المراكز الدينية، تأكد لدينا أن المظاهر الدينية أخذت امتدادات مذهبية وطائفية ومرجعيات دينية، فمن خلال الزي بات يمكن تمييز أتباع هذا المذهب أو ذاك، وهي كلها مظاهر مستوردة لا تمت إلى الشخصية والمجتمع بصلة”.

وتابع الإمام ” الأدهى من كل ذلك أن المظاهر المذكورة صارت ملاذ الكثير لبلوغ أهداف وغايات اجتماعية ودنيوية معينة، ولا علاقة للمسألة بالتدين، فكم من فتاة ترتدي الجلباب للتظاهر بالعفة والحصول على زوج، وكأن الأخلاق الدينية مرتبطة بزي معين، وكم من تاجر يهتم باللحية وبترديد آيات القرآن وأحاديث السنة والأدعية، للتغطية على ممارسات تتنافى مع الأحكام الحقيقية للإسلام في مجال التجارة”.

وخلص المتحدث إلى أن “هذه الديار احتضنت الإسلام منذ قرون، وإلى وقت قريب كانت العبرة في الأخلاق والقيم الإسلامية السمحاء، وفي مبادئ التعاون والاحترام والتسامح، وليس في الهروب إلى مظاهر وأشكال لإيهام الناس، والسعي لأهداف وأغراض اجتماعية ومادية معينة، وهو ما قد يندرج في مصطلح الرياء الذي نهى عنه ديننا الحنيف”.

مواجهة الإسلاموفوبيا

رواج الإسلاموفوبيا في المجتمعات الغربية

لقد تضرر الإسلام والمسلمون كثيرا من التدين المغشوش؛ فزيادة على أنه اهتمام بالقشور وإهمال لِلُّبّ، يثير اشمئزاز المجتمع، وقد يكون عامل تنفير لدى المسلمين وغيرهم، وهو ما ولّد ظاهرة الإسلاموفوبيا.

وقد أفاد تقرير رسمي لمنتدى “تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة” بأن أهم أسباب تنامي ظاهرة الخوف من الإسلام (الإسلاموفوبيا) ما وصفه بـ”التديّن المصطنع”، لأن صناعة التديّن حوّلت الدين من طاقة للسلام إلى نزاعات دينية وسياسية، فأضرت بمصالح المجتمعات والأوطان في حاضرها ومستقبلها.

وحدد التقرير الذي صدر في نهاية أعمال المنتدى في العاصمة الإماراتية أبوظبي قبل أقل من شهر ثلاثة إجراءات لمعالجة الإسلاموفوبيا، معتبراً أن وسائل تعزيز السلم التي يتم تبنيها في المجتمعات المسلمة هي الوسائل نفسها التي تنشر السلم في كل المجتمعات الإنسانية، لا سيما أن منغصات السلم وعوائقه واحدة في كل مكان، وهي جزء من ظاهرة الرُّهاب والخوف من الإسلام.

ووفقاً للتقرير، يتمثل أول إجراء لمعالجة الإسلاموفوبيا في إعادة ترتيب البيت الإسلامي، مؤكداً أن المنظومة الفكرية في نطاق المجتمعات المسلمة في أمس الحاجة إلى تجديد يبرز المناهج الصحيحة والمآخذ السليمة في التعامل مع نصوص الكتاب والسنة.وطالب علماء المسلمين بأن يبصّروا المجموعات المسلمة في المجتمعات ذات الأغلبية غير المسلمة بأهمية تعزيز روح الاندماج في المجتمعات المحتضنة لها.

وتمثل ثاني إجراءات المعالجة في “الحوار مع الآخر”، لا سيما أن كل المجتمعات صارت خليطاً من الأجناس والأعراق والأديان واللغات، وهذا التنوع في المنطق الديني والإنساني ينبغي أن يكون محفزاً على العمل الإيجابي والتعارف والتعايش.

وأكد التقرير أن الإيمان بالمطلق لا ينافي الاعتراف بالاختلاف ولا يناقضه. وأفاد بأن الأخوة الإنسانية، والحق في الاختلاف، وحرية التدين، والجدال بالتي هي أحسن، واعتبار المسالمة على بساط البر والقسط، تعد أصلاً في العلاقات مع الآخرين، وقيماً ومبادئ من شأنها تعزيز سبل الحوار والتعارف بين المسلمين وغيرهم.

وذكر التقرير أن آخر إجراءات معالجة الإسلاموفوبيا يتمثل في التحالف مع أولي بقية من أهل الأديان ومحبي الإنسان، مشيراً إلى أن أمام العالم والأديان تحدياً يجب مواجهته لاقتراح حلول إبداعية.

صحافية من تونس

شارك في إعداد التقرير من الجزائر: صابر بليدي

12