التدين بلمسات أنثوية

الخميس 2016/02/04

قد لا يعدو أن يكون الأمر أكثر من انطباع أحاول أن أَرويه كما ينبغي، على أنّ المعاينة واقعة والعُهدة عليّ في آخر التحليل: قُدر لي أن أعاشر العشرات من المتدينين والمتدينات من مختلف الطوائف والمذاهب والديانات. وفي غمرة هذه الحياة الطارئة بمباهجها ومواجعها تقاسمت معهم أصدق المشاعر وأعمق الأحاسيس دون أن يفسد اختلاف الاعتقاد للود قضية. فربّما كان الحكيم الإغريقي هيراقليطس بليغا في قوله: من الاختلاف يأتي أجمل ائتلاف. غير أنّ المستنتج في الأخير أمرٌ لطيف طريف ظريف. ما هو؟

يسهل على المرأة –المختلفة عنك دينيا- أن تصلي لأجلك وتدعو إلهها بصدق أن يحميك من نوائب الدّهر وصروف الزمن، بصرف النظر عن إيمانك الشخصي، واضعة بذلك ثقتها الكاملة في رحمته التي تسع كل شيء، إذ أنها ترى الله بعيون امرأة، غير أن الرّجل –المختلف عنك دينيا- مهما أحبك أو صادقك أو تعاطف معك، وسواء كنتَ ذكرا أو أنثى، فإنه يفضل في آخر المطاف أن يضع علاقته معك في إطار علماني صرف، بمعنى أنّه يفصل الدين عن الصداقة.

بهذا النحو، يفضل الرّجل عدم توريط إلهه في علاقاته الإنسانية مع أشخاص لا يتقاسمون معه نفس الإيمان الديني. طبعا، قد يبدو هذا المنحى أكثر عقلانية، غير أنّه أقرب ما يكون إلى النفاق الدبلوماسي، في المقابل يبقى موقف المرأة أكثر عمقا وصدقا وخلقا. لربما السبب أن المرأة تمنح ثقلا كبيرا للمعاملات على حساب العبادات، وأنها تضع الدين ضمن السياق الإنساني والرهان الوجداني على حساب سائر الحسابات الأخرى. وربّما لهذا السّبب نلاحظ أيضا بأنّ المثقفات المتدينات أكثر ميلا إلى التصوف النظري ذوقا واستيعابا. وتلك معاينة أخرى لا أرغب في إغفالها.

قلة قليلة من تعتقد بأنّ المرأة تتفوق في الذكاء السياسي على الرّجل، لكن لا أحد في المقابل يشكّ في أنّ المرأة تتفوق في الذكاء الاجتماعي على الرّجل، تتفوق عليه أحيانا بمسافة طويلة. والسبب كامن في أن علاقات العمق الإنساني تحتاج دائما إلى ذكاء ناعم يفهم رنين الرّوح وأنين الحروف.

ماذا نستنتج؟ بكل تأكيد تحتاج أنسنة الدين إلى ذكاء ناعم. وهذا ما تتألق فيه المرأة حين تحاول أن تنسج تديّنها بأنامل أنوثتها. غير أنّ الدرس الأول للأصوليات الدينية يجعل المرأة تتعلم كيف تتخاصم مع أنوثتها، فلا تستعملها عند الضرورة القصوى إلا في المجال الخاص جدا.

عموماً، حين تنجح المرأة في اجتناب كافة الأصوليات الذّكورية المهجوسة بمسائل الحجاب والعري والزينة والكعب العالي إلخ، وحين تقترب من المنظومات التي يكون فيها الصوت الأنثوي للمرأة حاضرا ظاهرا سافرا، فإنها تستطيع أن تعيد للفضاء الديني بعده الروحي والوجداني والإنساني. وربما لهذا السبب بالذات قال الشيخ الأكبر ابن عربي: المكان إذا لم يؤنّث لا يعول عليه.

24