التدين والمواطنة، أو معنى أن أكون متدينا

الاثنين 2016/07/04

قد يحدث لنا بين الفينة والأخرى أن نضع على أنفسنا السّؤال التالي، هل نعيش حياة جيدة أم لا؟ ثم سرعان ما تأتي الإجابة، على الأرجح، بالنفي. لكن، لماذا يغلب علينا الشعور بأننا نعيش حياة ليست جيدة؟ أين الخلل؟ هنا قد نفكر في كل الشكاوى الممكنة وغير الممكنة من: ظروف العمل الشاقة، جيران السّكن المزعجين، الحياة الزّوجية المملة، الخدمات الصحية المتردية، الخصوم، الحظ، القدر، الدولة، الزمان، الشيخوخة، إلخ. كل هذا قد يكون حاصلا، وهو ما يستدعي القدرة على المقاومة، على جبهات متفرقة في البعض من الأحيان قد تشمل ما هو اجتماعي وثقافي ووجودي ووجداني، وذلك لغاية المساهمة في تحسين نوعية الحياة بالنسبة إلينا ولكل الذين نحبهم. والحال أنّ الحياة بالتعريف هي مقاومة قد لا نحرز فيها نصرا أخيرا لكننا نستطيع دائما تحسين شروط المقاومة.

على أن الشرط الأساسي للمقاومة الحياتية يرتبط بطريقة التفكير التي ننتهجها؛ تحديدا، هذا هو السؤال الذي قد لا نفكر فيه إلا نادرا: كيف نفكر؟ بمعنى، كيف نتمثل الأمور؟ كيف نتصورها؟ كيف نفهمها؟ كيف نتفهمها؟ إن طريقة تفكيرنا تحدد أسلوب حياتنا، ونمط عيشنا، ومآلات كفاحنا اليومي من أجل الخبز والحب والحرية. إن تمثلنا للحياة هو الذي يحدد طريقة حياتنا، إن تمثلنا للحب هو الذي يحدد طريقة ممارستنا للحب، إن تمثلنا للنضال الاجتماعي هو الذي يحدد أسلوب نضالنا، إن تمثلاتنا حول المرض والموت والألم والجسد والزمان هي التي تحدد علاقتنا بالوجود، وبالأحرى، إن تمثلنا للدين، وهنا مربط الفرس، هو الذي يحدد طريقتنا في التديّن. وفعلا، طالما أن الدين يطغى على تفكيرنا فلا شك أن تمثلنا للدين هو الأكثر أثرا وتأثيرا على سلوكنا ونمط عيشنا.

ما معنى أن أكون إنسانا متدينا؟ هل معناه أن أتوقف عن التفكير وأخلع عقلي عند باب المسجد قبل الدخول مثلما أخلع النعل؟ هل معناه أن أشل إرادتي أو أسلمها للشيخ أو السلف كما لو أني أتبرع بالأعضاء قيد حياتي؟ هل معناه أن أفقد وعيي وأغرق في الغيبوبة عند سماع دوي الأدعية الصاخبة، ولا أعرف لِم الصراخ إن كان الله سميعا؟ هل معناه أن أكون كارها للدنيا نابذا للحياة لاعنا للمتع محتقرا للجسد متشبعا بثقافة الموت والكآبة؟ هل معناه أن أكون حاقدا على من لا يشاركني ديانتي أو مذهبي أو طائفتي أو فرقتي “الناجية”؟ هل معناه أن أُنكر طبيعتي البشرية أو أتنكر لفطرتي الميالة إلى البهجة والحب والمجد والجمال؟ هل معناه أن أكون جاهلا متواكلا منفعلا، أفسر كل شيء بانفعالات الله، فأجعل غضبه سببا لفشلي الدراسي أو إخفاقي العاطفي؟ هل معناه أن أتسلط على رقاب الناس وأحشر أنفي في الحياة الشخصية للآخرين، كل الآخرين، ثم أملأ الدنيا صراخا وعويلا لمجرد قبلة خاطفة في ركن من الشارع الرئيسي؟ هل معناه أن تكون علاقتي مع الله قائمة على الخوف والترهيب، فترتعد فرائسي ولا أتوقف عن البكاء خشية الله الذي سألقاه آثما غارقا في ذنوبي من رأسي إلى أخمص القدمين؟ هل معناه أن أشعر بالذنب في كل أحوالي طالما العين تزني، واليد تزني، والخيال يزني، فأتجرّع مرارة تأثيم النفس إلى حدود الاكتئاب أو الوسواس القهري؟ هل معناه أن أفقد جرأة التفكير، وأسلم عقلي لغيري فأنقاد له انقياد الأعمى للضرير؟ هكذا وبهذا المعنى، يبدو جليا أن التمثلات حول معنى أن يكون المرء متديّنا تحدد بنحو حاسم السلوك الاجتماعي للمتدينين. وبمقتضى التمثلات السائدة تعطيل العقل والانحياز الكامل للانفعالات، بل والغرائز البدائية في البعض من الأحيان.

الأدهى، أن يتوهم المتدين بأن التنازل عن استعمال العقل واجب أخلاقي، طالما أن العقل ضال ومنحرف بطبعه، كما يظن الكثير من المتدينين. علما بأن هذا الظن قد تجاوزته الحداثة السياسية منذ لحظتها الأولى.

لا بأس أن نحاور أنفسنا في البعض من الوقت، طالما أن التفكير حوار هادئ مع النفس. لو تساءل كل واحد في قرارة نفسه: كيف أستطيع أن أحدد ما يجب فعله أخلاقيا وما لا يجب فعله؟ الجواب المتوقع من طرف غالبية المتدينين أنّ مصدر الأمر الأخلاقي هو الدين. من وجهة نظر دينية فهذا الجواب خاطئ؛ لأن الحديث النبوي يقول “جئت متمما لمكارم الأخلاق”. ما يعني أن الدين لا يبني الأخلاق وإنما يتممها فقط. وأما من وجهة نظر عقلية فالإجابة ليست خاطئة فحسب لكنها ساذجة أيضا؛ إذ تكفي مقارنة أخلاقية بسيطة بين المجتمعات الأكثر تدينا في العالم والمجتمعات الأقل تدينا، من حيث التحرش والرشوة والغش وما إلى ذلك.

لنتقدم قليلا في الحجاج، ولنتصور المسألة التالية: بفعل تطور التقنيات الطبية في السنوات المقبلة سيغدو بوسع امرأة في سن السبعين أن تنجب أطفالا (عبر تقنية تجميد جزء من المبيض). سنفتح قوسا للتذكير: في ما يخص هذه القضايا التي تهم مصير النوع البشري فإن المحافظين عندنا لا يزالون خارج النقاش. مثلا، نلاحظ أن المحافظين والأصوليين في الغرب يركزون على المعارك المصيرية: الخلايا الجذعية، الاستنساخ، تمديد عمر الإنسان، تحسين النسل. أما المحافظون عندنا فمعاركهم لا تزال في طور السذاجة: الحجاب، الإفطار العلني في رمضان. في كل الأحوال، ليس عيبا أن يكون المرء محافظا أو أصوليا، لكن العيب كل العيب أن يستنزف طاقته الرمادية (الدماغ) في نقاشات لا تخلو من تفاهة.

طيب، لو سأل الواحد منا نفسه، ألا يقتضي الواجب الأخلاقي في الحالة سالفة الذكر أن نحدد السن الأقصى للسماح بالإنجاب الطبي؟ الإجابة الراجحة هي نعم، يقتضي الواجب الأخلاقي تحديد السن الأقصى للإنجاب طالما أن الحدود التي كانت تضعها الطبيعة قد امّحت. والسؤال الآن، ما هو مصدر الأمر الأخلاقي في هذه الحالة؟ الإجابة بكل تأكيد هي العقل الأخلاقي، أو بعبارة أقرب إلى الأفهام، الضمير الأخلاقي، أو الحس السليم. هذا العقل الأخلاقي أو الضمير الأخلاقي أو الحس السليم يتميز بخاصيتين:

أولا، إنه ليس جامدا إذ يتطور مع التاريخ. وأمامنا البعض من الأمثلة، خلال العصور القديمة كان تزويج الصغيرات مسألة يقبلها الضمير الأخلاقي للناس في معظم المجتمعات، كان اغتصاب الزوج لزوجته يقبله الضمير الأخلاقي لكافة الناس، كان تزويج المغتصبة من مغتصِبها يدخل ضمن العدالة والإنصاف. اليوم، أصبحت هذه الأمور من المسائل التي يستنكرها الناس. هذا يعني أن العقل الأخلاقي، والذي هو مصدر الحكم الأخلاقي، يتطور مع تطور التاريخ.

ثانيا، إن العقل الأخلاقي في تطوره ذاك يتجه نحو اكتساب الطابع الكوني. وهذا بالذات ما يفسر أحد أهم مظاهر الحضارة المعاصرة، نزوع القوانين والتشريعات نحو الكونية: تحديد سن الزواج في 18 سنة، إلغاء عقوبة الإعدام، تجريم تشغيل الأطفال، تجريم اغتصاب الزوج لزوجته، إلخ.

إذا صدقنا الادّعاء الذي يزعم بأن العودة إلى الدين تمنحنا من تلقاء نفسها كل ما نحتاجه من زاد أخلاقي، فإننا بهذا النحو سنقرأ الدين بعقل متخلف أخلاقيا، وستكون النتيجة فهما لا أخلاقيا للدين. وهنا تكمن الحلقة المفرغة لأنصار “الصحوة الدينية”، والتي يتعذر الخروج منها من دون تغيير المنطلقات طالما أن المستوى الأخلاقي للعقل ينعكس مباشرة على فهمنا للدين.

مثال توضيحي؛ لم يكن المستوى الأخلاقي للفقهاء القدماء يتيح لهم أن يستنبطوا من الآية “لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك” (المائدة 28)، أيّ حكم شرعي، رغم أنهم استنبطوا من آيات السيف (آيات الفترة الممتدة بين الهجرة وفتح مكة) المئات من الأحكام، وذلك بالنظر إلى عصر التوسعات الإمبراطورية الذي عاشوا فيه. في المقابل فنحن اليوم بسبب تطور موقفنا الأخلاقي من مسائل العنف والثأر والانتقام، أصبحنا ندرك أهمية تلك الآية. مثال آخر؛ مارس الرّسول الزواج الأحادي مع خديجة، والتي لم يتزوّج عليها طيلة حياتها، وبقي على تلك الحال عامين بعد وفاتها. وهذا المعطى لم يلتفت إليه موروثنا الفقهي ولم يستنبط منه أيّ حكم من الأحكام ولا أيّ قيمة من القيم، بقدر ما ركز انتباهه على مرحلة التعدّد، حيث اختلطت الوقائع المنتقاة بتوهّمات الرّواة. وإن كنا اليوم نرى ما لم يره موروثنا الفقهي، فالسبب يعود إلى أنّ عقلنا الأخلاقي، رغم انغلاقه، قد تجرّع قطرات من الحداثة.

هكذا، وبهذا النحو، يجب أن نتيح لعقلنا الأخلاقي فرصة أن ينمو بشكل طبيعي خارج كل أشكال الوصاية والإكراه. ولا يتأتى ذلك إلاّ من خلال استعمال العقل استعمالا حرا ودائما في كل المسائل والقضايا. فالعقل مثل سائر الأعضاء، إذا لم يعمل فإنه يموت.

كاتب مغربي

9