التراث البحري الكويتي يفقد معجمه الخاص باندثار المهن البحرية

تتطور اللغة والكلمات بتغير نسق الحياة الاجتماعية والثقافية، حيث تستبدل مفردات بأخرى وتندثر بعض التسميات والتعبيرات تماما، خاصة تلك التي ترتبط بحقب تاريخية معينة وبعادات ومهن اندثرت بانتهاء تلك الفترات، أو بانتقال الإنسان إلى نمط معيشي مغاير، وهو ما ينطبق على المهن القديمة في الكويت وخاصة منها تلك المتعلقة بالبحر والبحارة، بدءا بصنع السفن إلى الصيد والتجارة البحرية وغيرها، وهي مهن لم تعد تجد إقبالا وإن لم تندثر فهي لم تعد تمارس بالطرق التقليدية، وهو ما جعل المصطلحات الخاصة بها تندثر هي الأخرى، لنجد الجيل الحالي يستغربها ولا يعرف معانيها مثل جهله بالحرف القديمة التي امتهنها أجداده.
الاثنين 2016/05/02
مفردات المهن البحرية أتلفتها أمواج الزمن

الكويت - ارتبطت العديد من المفردات في اللهجة الكويتية مثل “درقاو” و”شونة” و”جنجلي” وغيرها من المفردات، بمهن وحرف مارسها أهل الكويت قديما، ولا سيما المرتبطة بركوب البحر والغوص والتي قد تثير استغراب غالبية أبناء الجيل الحالي من الكويتيين إذا مرت على أسماعهم، لأنها اندثرت مع اندثار مهنها وباتت جزءا من التراث الكويتي.

ومع اكتشاف الثروة النفطية وتحقيق العوائد المالية الضخمة ومواكبة البلاد لركب الحضارة والتطور توجه الكثير من الكويتيين إلى مهن جديدة مثل الوظائف الحكومية والخاصة المواكبة لطبيعة النهضة الحديثة، الأمر الذي أدّى إلى اندثار معظم المهن والحرف التي كان يمارسها الكويتيون لكسب عيشهم ومن ثم اندثار المفردات المرتبطة بها.

وكما هو معلوم فإن لكل مهنة مصطلحاتها الخاصة ومعجمها الخاص في جميع أنحاء العالم، مع فوارق ترتبط باللغة واللهجات المحلية، وقد استخدم الكويتيون قديما مفردات ومصطلحات خاصة بالحرف التي مارسوها، وأهمها تلك المرتبطة بالبحر لأنه كان مورد الرزق الأول سواء من خلال التجارة أو الغوص أو الصيد مما جعلها تزخر بالكثير من المفردات الخاصة التي كان يتخاطب بها المهنيون والعمال وكذلك عامة الناس.

وعن هذه المفردات يقول الباحث في التاريخ والتراث البحري نواف العصفور الذي قدم الكثير من الأبحاث عن التراث الكويتي والمهن الكويتية القديمة إن أكثر المصطلحات والمفردات المهنية التي اندثرت ولم تعد مستعملة لدى الكويتيين اليوم هي التي كان يستخدمها البحارة والمقترنة بالغوص والسفن والسفر وأجزاء السفينة ومهن العمل عليها. ويشير الباحث إلى العديد من المصطلحات المرتبطة بالمهن البحرية ومنها كلمة “درقاو” التي يقصد بها صيانة السفن، وكان من يمارس هذه المهنة يسمى “القلاف”، وهو صانع السفينة الذي يقرر ما إذا كانت بحاجة إلى تبديل المسامير أو الألواح الخشبية أو تصليح أيّ جزء تالف منها من عدمه.

وذكر العصفور أن هناك مفردات أخرى مثل “الشونة” أي طلاء السفينة من الأسفل بمادتي “الودج” وهو زيت مستخلص من الشحوم الحيوانية و”النوره” وهي مادة تتكون من مسحوق القواقع وكذلك مصطلح “الصل” وهو الزيت المستخرج من سمك السردين لدهان السفينة بالكامل إضافة إلى “الجنجلي” أي الخشب الصلب المستخدم لقاعدة السفينة التي تسمى “البيس” ، جميع هذه المفردات لم تعد مستخدمة لا كطرق للصنع أو صيانة السفن ولا في المصطلحات المستعملة بشكل يومي في العصر الراهن. وتطرق إلى مصطلحات أخرى مثل “الهباب” يعني غسل السفينة و”يسقب” أي التركيب، و”الدقل” وهو صاري السفينة وعكسها “يخزر” أي إنزال الصاري، و”يبرخ” بمعنى سحب حبل مرساة السفينة، وكلمة “هريا” التي تعني إنزال الشراع.

وعادة ما يأمر النوخذة أي قبطان السفينة البحارة فيقول “هريا شراع”، وكلمة “سيه” وهو أمر برفع الشراع كما تقال على وجه آخر “اضرب صلي”.

لكل مهنة مصطلحاتها ومعجمها في جميع أنحاء العالم، مع فوارق ترتبط باللغة واللهجات المحلية

كما أن هناك كلمات أخرى يفهمها جيدا عمال البحر والسفن الكويتيون مثل “خايور” وتعني لف الشراع من جهة إلى أخرى و”اطرح” وهو أمر بوقف السفينة و"امزر” بمعنى التزود بالماء و”انسع” أي ادفع إلى الأمام وكل هذه الكلمات تشكل أوامر النوخذة للبحارة. وأضاف أن من بين الكلمات التي اندثرت أيضا كلمة “طوينه” أي المكان الذي تنطلق منه سفن السفر في بحر الشويخ موقع الميناء حاليا، مبينا أن الكويتيين في السابق اعتادوا على إرساء السفن هناك لحمايتها من الرياح. لافتا إلى أن من بين الكلمات القديمة تسمية “ميدفه” وهو أحد الأخشاب التي تستند عليها السفينة وتكون على جوانبها وكلمة “وشار” وهي السفينة الجديدة وعكسها “عشار” السفينة القديمة.

وجميع المصطلحات أمثلة بيّن الباحث معانيها من خلال تفسير وظائفها، ولفت إلى أن هناك الكثير من الكلمات القديمة التي تخص أجزاء مهمة في سفن الغوص والسفر منها “الجامعة” وهي بكرة كبيرة ذات أربع فتحات تستخدم لرفع وإنزال الشراع، و”بيوار” وهو أحد حبال صاري السفينة، و”الجيب” وهو أحد أشرعة السفينة و”البنديرة” أي السارية الخشبية التي يرفع عليها العلم، و”الجرخ” وهي عجلة المقود التي يقودها السكوني. ولفت إلى أن مصطلح “الدبوسة” يعني غرفة المخزن لوضع الطعام والأشرعة وتستخدم لنوم النوخذة وكلمة “زيله” وهي علبة من الصفيح لغرف الماء.

وعرج الباحث في التراث البحري أيضا على المصطلحات القديمة التي تخص مهن الغوص منها “كمال” وهو جهاز يستخدمه النوخذة لتحديد موقع السفينة و”الديين” وهي عبارة عن سلة مغربلة على شكل شباك يضع فيها الغواص المحار أما “الإيده” فهو حبل متصل بالديين يمسك به السيب لسحب الغواص من قاع البحر.

وأوضح أن كلمة “خبط” تعني القفازات الجلدية التي كان يضعها الغائص على أصابعه لحمايتها من صخور قاع البحر الحادة أما كلمة “الحجر” فتعني الصخر أو الرصاص ويزن 7 كيلوغرامات لإنزال الغواص بأسرع وقت إلى قاع البحر.

ومن المصطلحات المهنية المتصلة بالبحر والتي عفا عليها الزمن أسماء الأدوات التي كان يستخدمها “الطواويش” وهم تجار اللؤلؤ مثل “البشتخته”، وهو عبارة عن صندوق خشبي يجلب من الهند مزخرف بنقوش جميلة يضع فيه الطواش حبات اللؤلؤ لفرزها وتـقـييمها.

ومن ضمن هذه المصطلحات أيضا “مخمل” وهو قطعة من القماش تتميز باللون الأحمر أو الأسود أو الأزرق يضع فيها النوخذة اللؤلؤ علاوة على مصطلح “مثاقيل” وهي أوزان من أحجار العقيق تستخدم لوزن اللؤلؤ بينما يعني مصطلح “الدسته” قطعة من القماش حمراء اللون بمقاس متر أو متر ونصف المتر يضع فيها الطواش معدات فرز وقياس اللؤلؤ.

12