التراث الثقافي نافذة الذات على الآخر

لا يمكن لأي شعب لا يرعى تراثه الثقافي والحضاري ويوليهما المكانة التي يستحقانها بشكل واع أن يرسم ملامح خاصة لهويته وأن ينفتح على المستقبل والآخر بشكل متوازن وفعّال، إذ يعد التراث الثقافي سواء المادي منه أو غير المادي ركيزة أساسية لترسيخ الهوية الخاصة، وانفتاحها على الآخر.
الأربعاء 2016/10/19
قانون التراث الثقافي حفاظ على الهوية واستدامة للذاكرة الثقافية وولاء للوطن

أبوظبي- لاقى قرار الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، بصفته حاكماً لإمارة أبوظبي بشأن وضع قانون يهتم بالتراث الثقافي للإمارة، ترحيب الكثير من المثقفين والمسؤولين الإماراتيين.

هوية شعب

من جانبه أكد فارس خلف المزروعي، رئيس لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية بأبوظبي، أنّ قانون التراث الثقافي لإمارة أبوظبي الذي أصدره الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، يمثل ركيزة استراتيجية كبرى ضمن جهود أبوظبي المتواصلة نحو استدامة الهوية الوطنية والتراث الإماراتي، من خلال الحفاظ على التراث الثقافي المادي والمعنوي، وتطوير سُبل تنظيمه وإدارته والترويج له، وتشجيع المجتمع على صونه وممارسته بمختلف أشكاله، وخاصة عبر حماية المباني والمواقع التاريخية وتضمين تدريس التراث في المناهج التعليمية.

واعتبر المزروعي ذلك يصبّ في جهود تحقيق مجتمع قوي ومترابط يؤمن بجذوره المشتركة ويثق بإمكاناته، ويتطلع بمسؤولية إلى دوره الثقافي في التحاور مع مختلف الثقافات والحضارات، بما يُعزّز من مكانة العاصمة الإماراتية كوجهة ثقافية هامة على مستوى العالم. وبعد شكره لهذه المبادرة التي قدمها رئيس الدولة، أكد المزروعي بهذه المناسبة أنّ الحفاظ على التراث وتوريثه للأجيال القادمة يمثلان أساساً مهماً لهوية شعب دولة الإمارات مع الأخذ بأسباب التقدم الحضاري والانفتاح الثقافي.

فارس خلف المزروعي: الحفاظ على التراث وتوريثه للأجيال القادمة يمثلان أساسا مهما لهوية شعب دولة الإمارات مع الأخذ بأسباب التقدم الحضاري

كما توجّه رئيس لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية بالشكر للدعم اللامحدود لجهود صون التراث من قبل الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، معتبرا ذلك أحد أهم مقومات الحفاظ على الهوية الوطنية والرصيد الحضاري والإنساني، كما يشكل أحد أهم مرتكزات النهج الذي اتخذته دولة الإمارات.

وأكد المزروعي أنّ هذا القانون بما يمثله من استراتيجية شاملة لصون التراث، يُساهم في تحقيق مجتمع واع وملتزم بمبادئ الهوية والوحدة الوطنية والمفاهيم النابعة منها، واستدامة الذاكرة الثقافية، والولاء للوطن، وتحفيز الطلبة وكافة أفراد المجتمع على المشاركة في جهود صون التراث العريق، فالحفاظ على التراث الثقافي واجب مشترك، كما يرى، وللجهات والمؤسسات التعليمية دور أساسي في ذلك بالتنسيق مع الجهات المعنية المتخصّصة، مُعرباً عن ثقته في أن تتبلور نتائج هذا القانون سريعا، إذ اعتاد الجميع على تحقيق أبوظبي ودولة الإمارات للنجاح والتميّز في كافة المشاريع التي تتصدّيان لها.

ويهدف القانون إلى حماية التراث الثقافي للإمارة والكشف عنه والحفاظ عليه وإدارته والترويج له، ونص على سريان أحكامه على التراث الثقافي للإمارة، إضافة إلى التراث الثقافي المادي الأجنبي داخلها. كما نص القانون على اعتبار التراث الثقافي المادي ملكا عاما للإمارة، إلا إذا أثبت حائز هذا التراث ملكيته له، وفي جميع الأحوال اعتبر القانون التراث المغمور بالمياه ملكا عاما للإمارة.

الوعي والانفتاح

بموجب القانون، يحظر القيام بعدد من الأعمال إلا بعد الحصول على ترخيص من هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، ومنها نقل ملكية التراث الثقافي المادي المنقول المقيد، أو القيام بأعمال البنية التحتية في المواقع الثقافية أو المناطق المحيطة بها، أو القيام بأي أنشطة صناعية أو تجارية أو زراعية أو علمية أو استثمارية في هذه المواقع.

ونص القانون على أن التنقيب عن الآثار ينحصر في الهيئة، ولها التصريح بذلك لبعثة تنقيب أو أكثر تحت رقابتها، كما نص على أن تكون الآثار المكتشفة كافة نتيجة التنقيب ملكاً عاماً للإمارة، ويجب على البعثة تسليمها للهيئة. وشمل القانون الجرائم المرتبطة بالتراث الثقافي التي قد تصل عقوبتها إلى الحبس مدة لا تقل عن سنتين، والغرامة التي لا تقل عن خمس مئة ألف درهم ولا تزيد على عشرة ملايين درهم، مع الحكم بمصادرة الآثار محل الجريمة.

ونظم القانون اختصاصات هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة ونطاق رقابتها على التراث الثقافي بالإمارة، بما في ذلك تعميق الوعي الوطني بأهمية التراث الثقافي والترويج له، من خلال تعزيز الهوية الثقافية للإمارة، والمحافظة على العادات والتقاليد التي يتميز بها المجتمع، إضافة إلى اتخاذ كل التدابير اللازمة لصون وحماية التراث الثقافي في الإمارة، ومنح تراخيص إنشاء المتاحف بها والرقابة عليها.

قانون التراث الثقافي خطوة متقدمة نحو تحقيق مجتمع واع ومنفتح

وتناول القانون أحكام ملكية وحيازة التراث الثقافي المادي بالإمارة، وإجراءات التنازل عنه أو تصديره أو إعارته أو إخراجه مؤقتا من الإمارة، ونص على الإجراءات التي يجب اتباعها في حال اكتشاف آثار بالمصادفة، والجهات الواجب إبلاغها خلال المدد المحددة في القانون.

كما شمل الحالات التي يتم فيها التحفظ على التراث الثقافي المادي المنقول وضبطه، والإجراءات المتبعة في حال ضياع التراث الثقافي المادي المنقول أو سرقته. واستحدث القانون سجلين تنشئهما الهيئة، الأول هو سجل التراث المادي لإمارة أبوظبي، ويضم كل بيانات ومعلومات عناصر التراث المادي، أما السجل الثاني فيعنى بالتراث المعـنوي لإمارة أبوظبي، وتسجّل فيه كل بيانات ومعلومات عناصر التراث المعنوي.

وتسعى هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، وفق القانون، بالتنسيق مع الجهات التعليمية المختصة، إلى تضمين المناهج الدراسية التراث الثقافي المعنوي. وسيعمل قانون التراث الثقافي لإمارة أبوظبي على الحفاظ على سجل الوطن التاريخي وما تركه الآباء والأجداد وهذا ما يندرج في نطاق الوعي العميق بأهمية صون التراث وحمايته ومراقبته.

ويأتي الاهتمام بالتراث من باب الاعتناء بالهوية الخاصة لتحقيق انفتاح الذات على الآخر بشكل واع وعميق، يحقق التكامل الإنساني ويؤسس لمدى إنساني قوامه السلم والتنوع والأصالة والانفتاح، وهذا ما حدا بالكثير من المثقفين ورجال التعليم والمسؤولين إلى اعتبار هذا القانون خطوة هامة نحو ترسيخ مكانة أبوظبي والإمارات ككل كبلد منفتح بتاريخه العريق على الماضي والمستقبل.

15