"التراث الشعبي لقبيلة الشلك" كتاب يروي تاريخهم الواقعي والأسطوري

"الشُّلُك" إثنية تُعدّ فرعًا من مجموعة "اللوو" التي تسكنُ كينيا وأوغندا وزائير وغيرها من البلاد الأفريقية.
الأحد 2018/10/14
أطفال من الشلك في استراحة خلال احتفال راقص

لطالما شعرت أن ثقافتنا تفتقر إلى الاغتناء بذلك التنوعِ المدهشِ في العالم العربي، وكذلك التنوع المحايث لنا، بل إنها من هذه الزاوية تكاد تكون صفراً، وفي أحسن الأحوال قاصرةً، وبفضل وجودي في زي الجديدة (نيوزيلندا) تعرفتُ على التنوع العراقي، أنا ابن العراق وكنت أجهله، وكذلك على بعض التنوع في البلدان العربية الأخرى، وأعني بالبلدان العربية البلدان الأعضاء في جامعة الدول العربية، لكن يبقى التعرّف على أشخاص ينتمون إلى مجموعاتٍ لغويةٍ مختلفةٍ في المنفى هو تعرّفٌ من الصعب أن يكون عميقًا، للقلّةِ العدديةِ لهؤلاء، ولأنهم في الغالبِ الأعمِّ لاجئون يحملون بعدًا أيديولوجيًّا في أحاديثهم، وليس بعدًا معرفيًّا خالصًا.

مؤخراً صدر في الخرطوم كتاب “التراث الشعبي لقبيلة الشُّلُك”، جمع وإعداد: جيمس ألالا دينق، مراجعة: الأمين أبومنقة، إصدار شعبة الفولكلور، معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية في جامعة الخرطوم. وهو كتاب يقدّم معرفة واسعة جداً بتراث هذه القبيلة الأفريقية الكبيرة. كانت معرفتي “بالشُّلُك” لا تزيد عن معرفتي بطقس السودان، ودهشتي حين أخبرنا قائد الطائرة وهي تهم بالهبوط في مطار الخرطوم الدولي، بأنَّ درجةَ الحرارةِ العظمى هي 28 مْ درجة مئوية، وأنا القادمُ من شهر أغسطس اللهّاب العراقي، الذي درجة الحرارة فيه تعانقُ الخمسين أحيانًا بل تتعدّاها في أكثر من مرة، لكن بعد مرور أكثر من أربعة أعوامٍ، أجدني اليوم أفقه أكثر عن السودان وجنوب السودان، وطبيعته وعن “الشُّلُك” بطبيعة الحال.

في أيامي الأولى كنت محظوظًا إذ حضرتُ جلسةً في اتحاد الكتاب السودانيين، وكان حفل توقيع كتاب “أوضاع اللغات السودانية والتخطيط اللغوي 1898- 2009 ميلادية” للدكتور بهاءالدين الهادي خير السيد، وكان مفتاحًا لمعرفةٍ أعمق للسودان، وقد تناولته في مقالة نشرتها في “مجلة الجديد” اللندنية، وفي هذه المقالة سأتناول “الشُّلُك”، هذه الإثنية التي مثلها مثل كثير من القبائل السودانية، لم تتوفرْ عنها دراساتٌ مطولةٌ، في بلد (السودان وجنوب السودان) يحوي (597) قبيلة بحسب تعداد عام 1956.

قادني البحثُ عن التنوع اللغويِّ بثرائه المدهش في السودان، إلى معرفةٍ أحسب أنها عميقة عن هذا البلد المتفرد بخصوصياتٍ عديدةٍ، وإن كانت أشهرها طيبة أهله المفرطة، فمن خلال عددٍ كبيرٍ من المثقفين السودانيين الذين تعاونوا معي في معلوماتٍ غزيرةٍ أَمَدّوني بها عن تنوّعهم المدهش، فضلًا عن ترشيح كتب تجعلني على بينةٍ أكبرَ مع السودان الكبير (جمهورية السودان وجمهورية جنوب السودان على السواء) وكذلك حرصي على حضور أي فعالية ثقافية، ولا سيّما ما يتعلق بالتنوع الإثني في أرض النيلين.

يقطن “الشُّلُك” في أعالي نهرِ النيل، من منطقة بحيرة “نو” في الجنوب حتى نواحي “كوستي” في الشمال، ويسكن الجزء الأكبر منهم الأراضي الواقعة غرب نهر النيل الأبيض، فضلًا عن ضِفَّتَي نهر السوباط، وتشارك “الشُّلُك” في منطقة أعالي النيل التي تقع في الجزء الشمالي لجنوب السودان خمس قبائل أخر هي الدينكا والنوير والأنواك والبرو والمورلي. وأراضيهم طينية منبسطة في الغالب، إذ تندر الجبال والأحجار العالية فيها، وتقع ضمن إقليم السافنا المناخية، وتهطل أمطارها في شهر أبريل وتستمرُّ زهاء ثمانية أشهر في العام.

تاريخ "الشُّلُك"

ثمَّةَ ثماني رواياتٍ لتاريخ “الشُّلُك”، وهي روايات شعبية، أبدعتها المخيلةُ الشعبية “للشُّلُك”، روايات أسطورية، و”الشُّلُك” إثنية تُعدّ فرعًا من مجموعة “اللوو” التي تسكنُ كينيا وأوغندا وزائير وغيرها من البلاد الأفريقية الأخرى، كما لها صلاتٌ بعيدةٌ مع بعض القبائل الأخر في السودان، كالأنواك في أعالي النيل، والأشولي ولوو كورو في الاستوائية، وجور وبلندا بوذر في بحر الغزال، فضلًا عن تأثرها بالعديد من الإثنيات السودانية كالدينكا والنوير والنوبيين والفونج وكذلك العرب بطيعة الحال. وتُصنّف بأنها من القبائل النيلية، مؤسِّسها زعيمهم الأول “نيكانقو واد أو كوا”، فقد قدم السودان من منطقة البحيرات الأفريقية العظمى، وعاش في منطقة واو “بحر الغزال”، وهي التسمية نفسها التي تطلق على قرية “واو” الموجودة حاليًّا في أعالي النيل، وهي واحدة من القرى العشر التي أقامها “نيكانقو” على طول الطريق الذي سلكه من جنوب “الشُّلُك” إلى شماله في أيامه الأولى.

ترك نيكانقو بحر الغزال إلى بلاد الشُّلُك الحالية عبر معارك وفتوحات كثيرة، استطاع من خلالها أن يخضع القبائل المحلية أو بعضها بعد أن سال الدمُ كثيرًا، ومن ثم يضمُّ أفرادها إليه، وينشئ لهم قرى، ويجعل لهم أسماءً يعرفون بها بوصفهم عشائر، وبذلك تمكن من إقامة مملكته والتي “فشودة” عاصمتها إلى يومنا هذا؛ ونستنتج أنَّ إثنية الشُّلُك نتاج تصاهر إثنياتٍ وأعراقٍ شتّى، نتيجة جبروت ملوكها. وهذه من القواعد الثابتة في تكوين الأمم والقوميات والإثنيات التي تسود، فَمَن زعم أنَّ الناطقين بالعربية اليوم جميعهم ينتمون إلى جدّ أعلى هو يعرب فهو واهمٌ، وزعمه منافٍ لحقائق التاريخ التي تؤكد انصهار مجموعات سكانية صغيرة حتى لو كانت تنتمي إلى مجموعة كبيرة ولكنها جغرافيًّا تعيش على أطرافها أو بعيدة عنها، في مجموعةٍ لغويةٍ كبرى بخاصة حين تكون هذه المجموعة تتسيَّد سياسيًّا أو عسكريًّا أو ثقافيًّا.

نيكانقو واد أو كوا

الشُّلُك يستظلون بسلفهم العظيم نيكانقو
الشُّلُك يستظلون بسلفهم العظيم نيكانقو

بطل الشُّلُك المقدس، وقائدهم ورمزهم العظيم والذي يمثّل روح القبيلة. وتخبرنا أساطيرهم عن مزاياه وقواه الخارقة، ومقدرته الأسطورية؛ إذ كان يثير الرياح والزوابعَ، ويأتي بالمطر الغزير، ويبارك الزرعَ فيأتي بالحصاد الوفير، كما كان يبسط حمايته على الأرض حارسًا وراعيًا أمينًا؛ والشُّلُك وهم محاربون تبهرهم البطولة مثل معظم الأقوام، فلا بدّ أن يكون نيكانقو محاربًا جسورًا، انتصر على كل القبائل التي مروا بها في طريق هجرتهم، بل وانتصر على الشمس عندما اعترضتهم وهم يهمون بعبور بحر الغزال، فقد مالت الشمس عليهم واشتدَّ وهجها وسلطت عليهم شواظها، فما كان من نيكانقو إلاّ أن أمسك بحزمةٍ من الأرز البريّ الذي كان ينبت على الشاطئ، فغمسها في ماء النهر فقذفَ بها الشمس الملتهبة فخبا وهجها، وتراجعت حرارتها وسكنت باردة مستسلمة.

ومن معتقدات الشُّلُك أنَّ نيكانقو لم يمت بل تَبَخَّرَ في الهواء في شكل دخان، وذلك حتى تبقى روحه ترفرف على القبيلة حارسةً وراعيةً لها، ومن ثمّ فإنهم عندما يتوِّجون مليكهم الجديد “الرث” فإنهم يجيئون برمز البطل الأسطوري نيكانقو ليسبغ على الرث الجديد روحه، وتحلّ فيه فيكون قويًّا حاميًّا للقبيلة.

لغة الشُّلُك

تُعدّ لغة الشُّلُك فرعًا من فروع لغة “اللو” وهي لغة شأنها شأن اللغات الأفريقية الأخر، ما زالت تشقّ طريقها نحو التطور لاستيعاب حضارة العصر، واللغة الشُّلُكية غنية وتمتاز بكثرة المشتقات والاستخدامات المرنة والبليغة، إذ يمكن التحدث بها بما لا يكون بمقدور الغير فهمها، حتى ولو كان الكلام يخصه وفي وجوده وكانت العباراتُ صريحةً، وعلى هذا فإنه غالبًا ما يصعب فهم لغة الشُّلُك إلّا في جملها النهائية. وتوجد فوارق ضيقة من حيث النطق والاستعمال لهذه اللغة، فيما بين إقليمَي شمال الشُّلُك، ويطلق عليه اسم “قار” أو “غار” (لأنَّ السودانيين يلفظون حرف القاف بصوت حرف “G” الإنكليزي) وجنوب الشُّلُك يطلق عليه “لواك”، ولهذا كان هنالك اختلاف في كتابة اللغة “الشُّلُكية” عند المبشّرين المسيحيين الكاثوليك والبروتستانت.

تتألف اللغة الشُّلُكية من تسعة وعشرين حرفًا، وهي لاتينية الرمز، عشرة منها حروف متحركة، وتنقسم إلى نوعين، خمسة متحركة خفيفة النطق، والخمسة الأخرى متحركة ثقيلة النطق، وما تبقى فهي حروف صوامت وعددها تسعة عشر حرفًا، واللغة الشُّلُكية متأثرة باللغات الأخر، لا سيّما لغات القبائل النيلية كالدينكا – جنقو والنوير فضلًا عن لغة الأنواك – أنواك وبلندة بور وأشولي والجور – ديمو والفونج، وغيرها من القبائل التي يعود أساسها العرقي والثقافي إلى مجموعة اللو.

الشلوخ (طاي)

الشلوخ هو فصد الجباه أو الوجه بعمل ثقوب أو شقوق في الجلد، وقد وردت لفظة (الشلخ) في تاج العروس بين جواهر القاموس، وفيها أن الشلخ هو الأصل والعرق (ونجل الرجل)، والشلخ عند العامة لحاء الغصن والشجرة. ويتم رسم الشلوخ عندما يصل الفتى أو الفتاة سن البلوغ حيث تقام طقوس احتفالية للتشليخ والإيذان بانتقالهم من طور الصبا إلى مرحلة الرجولة، وأن البنت قد أصبحت فتاة مؤهلة للزواج وإنجاب الأبناء، ويطلق عليها في اللغات المحلية مصطلح “الدفعة” وتستخدم فيها آلات حادة (الموسى والسكين) وعند “الشُّلُك” تأخذ شكل الندوب البارزة على الجبهة، وتعرف لديها بـ”طاي”، وليس هناك عمر معيّن للشلوخ في القبيلة، حيث يمكن أن يشلخ الفرد في العاشرة من عمره.

تتميز قبيلة الشُّلُك بوضع وشم على وجوه أفرادها من الجنسين، ويبدأ ذلك في الغالب من بلوغ الشخص عمر سبع سنوات فما فوق، وتختلف الآراء حول الدوافع أو الغاية من الشلوخ (طاي) وزمان بدايتها، فثمة مَن يرى أن الشلوخ ترجع بدايتها إلى نشأة القبيلة، أي منذ عهد نيكانقو، بينما يرى آخرون أن تاريخ الشلوخ يعود إلى عهد الرث دوات الذي يوجد معبده أو ضريحه الآن في قرية “فطورو”، أما بخصوص الدوافع أو الغاية من التشليخ، فثمة مَن يعتقد أنها للتمييز ومنهم مَن يرى أنها لإضفاء الوسامة على الذكور والجمال على الإناث.

الرّث زعيم يُقتل

من العادات والتقاليد العتيدة في هذه القبيلة، والتي تقع على المساحة ما بين الرنك 700 كم جنوب الخرطوم، ومدينة ملكال عاصمة إقليم أعالي النيل وتعتبر “فشودة” التاريخية هي العاصمة الروحية للقبيلة، وفيها مقرّ الزعيم الذى يدعى “الرِّث”، أنه عندما يعجز الزعيم عن القيام بواجباته الزوجية يتم قتله وتنصيب آخر مكانه وزواجه من حسناوات القبيلة، ويفرض سطوته المطلقة وسط أفراد القبيلة الذين لا يملكون سوى السمع والطاعة، فقد جرت العادة عند هذه القبيلة ألاّ يموت زعيمها موتًا طبيعيًّا، وإنَّما يُقتل وفقًا لطقوس معيّنة تحددها التقاليدُ، ويُعدّ العجز الجنسي أحد أسباب قتل الزعيم، فإذا فقد القدرة على مجامعة الزوجات فإن الزوجةَ الأولى تتولى أمرَ قتله، حيث تجتمع الزوجات بعد أن يفقد القدرة على الإنجاب وممارسة الجنس، ويقررْنَ بالإجماع قتله في يوم معلوم تحدده درجة حرارة الجو، فلا يقتل الزعيم ليلًا أو في الصباح الباكر، لكن عندما يكون غارقًا في النوم عند القيلولة، يقمنَ بتغطية وجهه ويقتل. وسبب قتل الملك “الرِّث” هو اعتقادهم أنه لو مات ميتةً طبيعيةً سيتسبب بكارثةٍ كبرى تقضي على أفراد القبيلة والحيوانات، ولحمايتهم يتمّ قتله ولا يسمح لغريب بحضور الجنازة، لأن ذلك يُعَدُّ نحسًا، ويدفنه كبار السن.

12