"التراث النقدي عند العرب" صراع بين الحداثة والتراث

مع ظهور النظريات النقدية الوافدة عبر حركة الترجمة، حدث ما يشبه الصراع بين التراث بما يختزنه من معطيات لا يمكن إلغاؤها، والحداثة المتحررة من الماضي والتي تطمح دائما إلى تجاوز السابق. وكان هذا الصراع العامل الأساسي والأبرز في الأزمة التي باتت جليّة في الخطاب النقدي العربي المعاصر.
السبت 2015/11/07
التعاطي مع فعل الحداثة وطرحه كمقولة فنّية تعبيرية

في مؤلفه الجديد “التراث النقدي عند العرب: آلياته وإشكالاته”، الصادر ضمن منشورات احتفالية الشارقة عاصمة الثقافة الإسلاميّة، يؤكّد الشاعر والباحث المغربي رشيد الخديري أنّ الخطاب النقدي كان حاضرا بكل سلطته منذ الشِعريّة العربيّة القديمة، رغم خصوصيته المعيارية الذوقية والأخلاقية، إذ كان يكتفي النقاد آنذاك بنقد البيت الشِعريّ المنفرد أكثر من الالتفاف حول النص بأكمله.

ولعلّ إشكاليّة الأصل والامتداد، حسب المؤلف، كانت في التعاطي مع فعل الحداثة وطرحه كمقولة فنّية تعبيرية وليست مقولة زمنية، على اعتبار أن العمل الأدبي خاضع للأسلوب وليس للزمن الذي كتب فيه، وخير دليل ما نجده في قصائد كتبت في العصر العباسي أو الأموي في تمثيلها لفعل الحداثة أكثر من قصائد كتبت في العصر الحديث، ما أدّى إلى نشوء “جدل حاد بين التراث باعتباره سلطة ثابتة تعتمد على الماضي والتاريخ في تشكيل دعائمها وهياكلها، وبين الحداثة باعتبارها ثورة على الأشكال القديمة، تعتمد على التجديد والتجريب في تشكيل رؤيتها المستشرفة لأشكال التعبير الإنساني عن وجوده عبر سيرورة الزمن”.

الكتاب، الواقع في 110 صفحات من القطع المتوسط، يأتي في مقدمة وخمسة فصول وخاتمة، في الفصل الأوّل وعنوانه “التراث النقدي والمعنى الشِعري”، يتناول فيه المؤلف الرؤى الجماليّة ونظرية التلقي في السياقات النقدية العربية، ومن ثمّ يتوقف عند أبرز أسباب بروز النقد، فكان من أجل مساءلة المضمون الشِعري كنشاط مواكب ومواز لفعل الإبداع، رغم استناده في البداية إلى أولويات بسيطة كالذوق والشعور والفحولة والإقواء والتأثر وغيرها. ومع بزوغ نقاد من مثل ابن قتيبة وابن سلام الجمحي أصبحت لمتلقي الشِعر العربي قواعد ومناهج يلجأ إليها في إصدار الأحكام، حيث يعتبر كتاب الجمحي “طبقات فحول الشعراء” بداية تشكل الوعي النقدي عند العرب، وكان له السبق في الكشف عن شبهة النحل والدعوة إلى تدوين الشِعر العربي حتى لا يطاله الانتحال.

في الفصل الثاني “النقد العربي بين الذوق والمنهج العلمي”، يسلّط الضوء على تاريخ النقد العربي بغية تكوين فكرة عن الشخصية النقدية التي تميز بها العرب على مدى ثلاثة عصور، حيث نجد ثلاثة مراحل يقدّمها المؤلف في هذا الخصوص، الأولى “مرحلة المخاض” وفيها كان النقد ذاتيا فكان الشعراء يمارسون رقابة ذاتية على نصوصهم وأشعارهم عن طريق تشذيب الزوائد وتقويم الاعوجاج حتى يستوي عمود القصيدة، وتكون في مستوى من البناء المحكم والصياغة الجيدة، وفي المرحلة الثانية “مرحلة الارتداد” حيث كان النقد يحيل إلى “رؤية فنية” تضيق وتتسع حسب قوى التأثير النفسي والمعنى المتصل بحس الصياغة والغاية المنشودة، أما في الثالثة “مرحلة النضج”، فقد توسّعت مجالات النقد الأدبي لتشمل النثر أيضا، فلم يعد الذوق أو الفطرة مصدر النقد، بل ظهرت مناهج نقدية تعتمد الأصول العلمية والعقلية في إصدار الأحكام، وهنا -في هذه المرحلة بالذات- ظهرت لأول مرة “المدارس النقدية”.

في الفصل الثالث “رواية الشعر: هواية أم احتراف”، ينظر المؤلف في مسألة المشافهة والتدوين، وإشكاليّة الهويّة عند رواة الشعر، كما ينظر في موقف الدارسين المحدثين من الرواية والرواة.

وفي الرابع يتناول “مناهج الدارسين القدامى في النقد والتأويل” من جهة سعي الجهاز النقدي القديم إلى مساءلة القصيدة العربية، كما يرصد أبرز المسالك النقدية في التحليل والتأويل، والنظرة إلى النصّ الشعريّ. ويرصد مفهوم النقد عند كلّ من ابن قتيبة وابن سلام الجمحي والجاحظ وقدامة بن جعفر، ومن ثمّ الموازنة بين هؤلاء النقاد.

وفي الفصل الخامس والأخير يبحث رشيد الخديري في جدليّة التراث بين الممكن والمتحقّق، معرّجا على غربة النقد العربي القديم بسبب تحكّم الأهواء والأذواق والعصبية القومية، دون أن تكون هناك مفاضلة عادلة بين الشعراء والأجيال. ويتساءل المؤلف ختاما، هل مازال التراث ممكنا؟ محاولا الإجابة عليه في ضوء “الصراع الخفي” بين التراث كشكل من أشكال الترسّب الماضوي الذي ينمو فينا، وبين الحداثة كأفق وكنتاج لطبيعة التفكير الإنساني، لينتهي إلى حقيقة مفادها أنّ التراث مازال ممكنا وممتدّا في تربة الحداثة، مهما بدا ذلك خافتا، مؤكّدا أنّ منطق السيرورة التاريخية والجماليّة يقتضي الاستعانة بتلك المفاهيم الموروثة، طالما لا يمكن إلغاؤها من النتاج المعرفي الإنساني، لأنها ببساطة تعتبر “فعل تأسيس”.

17