التراجع الأميركي في أفريقيا يفسح المجال أمام الطوفان الصيني

الأربعاء 2015/01/14
زيارات أوباما إلى أفريقيا بغاية التدارك يبدو أنها جاءت متأخرة عن موعدها

واشنطن - قام الرؤساء الأميركيون على مدى عقود بزيارة أفريقيا واقترحوا شراكات جديدة مع هذه القارة وشعوبها وقدموا الوعود وطرحوا الاستراتيجيات المستقبلية، لكن تلك الوعود سرعان ما تبخرت فور عودتهم إلى واشنطن، مما فتح المجال أمام قوى صاعدة لطالما أغراها المجال الأفريقي ورأت فيه سندا تنمويا كبيرا سيساعدها على النهوض باقتصاداتها الوطنية، إذا تمكنت من التمدد نحوه، مثل الصين.

في العشرين من أكتوبر من سنة 1999 صرحت وزيرة الخارجية الأميركية، مادلين أولبرايت، بقولها “أعتقد أن إدارتنا قضت حيزا كبيرا من الوقت وأولت اهتماما كبيرا للشأن الأفريقي وأنفقت أموالا كثيرة على هذه القارة، أكثر من أيّ إدارة أخرى”.

غير أنّ المراقبين الذين يقفون على حقيقة الأوضاع في عدد من البلدان الأفريقية شأن، مالي وبوركينا فاسو، لطالما أكدوا أنّ ذاك التقدّم الذي أُعلن عنه زمن أولبرايت وسلفها وارن كريستوفر كان سريع الزوال، وفق دراسة صادرة عن معهد المشروع الأميركي لبحوث السياسات العامة.

ورغم أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر والحرب على العراق وأفغانستان، والحرب الكونية على الإرهاب، قد ألقت بظلالها على إرث الرئيس جورج ولكر بوش، إلاّ أنه لم يترك أي رئيس أميركي سابق أثرا طويل المدى على أفريقيا كما فعل بوش. حيث أنّ الالتزامات التي سُنّت لم تكن دبلوماسية فحسب، بل كانت عسكرية أيضا، إذ تمّ إنشاء قوة “أفريكوم” (القيادة القتالية السادسة جغرافيا)، كما تعهدت الولايات المتحدة بالتزامات أكبر تجاه الأمن في أفريقيا.

الجديد في الفترة اللاحقة لولاية جورج بوش، وفق ذات الدراسة، أنّ البداية، وعلى إثر تنصيب أوباما رئيسا للولايات المتحدة، كانت تسير في طريق تحقق أمل الأفارقة في إمكانية استمرار الاهتمام الأميركي بقارتهم، خاصة أن وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون كانت قد أولت أهمية للأوضاع في أفريقيا حتى عندما بدأ باقي العالم في الاشتعال.

كما أنّ أوباما نفسه كان قد استخدم القوات الأميركية أثناء فترة هيلاري كلينتون –رغم كون هذه القوات ربما لا ترتبط بنفوذها الخاص- من أجل القبض على جوزيف كوني، زعيم جيش الرب للمقاومة، وهي مجموعة مقاتلة مسيحية اسميا (برعاية النظام الإسلامي السوداني) سعت إلى زعزعة استقرار أوغندا أوّلا والآن هي تنخر كيان جنوب السودان باستخدام الإرهاب والأعمال الوحشية.

لكن هذا الاهتمام لم يدم بعد مغادرة كلينتون وتراجع قوة واشنطن في القارة السمراء. حيث أنّ أوباما يبدو أنّه أدار بظهره مرة أخرى لأفريقيا. ورغم أنه أرسل بعض القوات للمساعدة في احتواء وباء الإيبولا، إلاّ أنّ ذلك في نظر العديد من المحللين، كان بمثابة ردة فعل عوضا عن الفعل الاستباقي الذي كان ضروريا لمجابهة ذاك الداء الفتاك. لذلك يمكن القول إنه في ما يتعلق ببناء شراكة حقيقية مع أفريقيا، يبدو أنّ الولايات المتحدة قد تراجعت لتفتح المجال في هذه المنطقة الواعدة بالنمو المطرد، أمام قوى صاعدة شأن الصين.

من جهة أخرى، تخلص الدراسة إلى أنّ أوباما حاول التدارك مرارا في ما يتعلق بالعلاقة مع أفريقيا، حيث سُجل عليه أنه قال خلال اجتماعه بخمسين زعيم دولة أفريقيا أثناء القمة الأميركية الأفريقية الصيف الماضي: “نحن لا ننظر إلى أفريقيا فقط من أجل خيراتها الطبيعية، بل إنّنا نعترف بها بفضل أكبر مورد تكسبه ألا وهو شعبها ومواهبها وإمكاناتها”، لكنّ قوانين المال الأعمال الأميركية يبدو أنها كانت تحول دون أي تدارك لا يخدم مصالحها، فقد انخفضت التعاملات التجارية بين الولايات المتحدة وأفريقيا خلال فترة حكم أوباما، لتترك المجال شاسعا أمام التمدد الصيني المطّرد.

6