التراجيديا الإنسانية من منظور تشكيلي طفولي

الفنانة التشكيلية السورية ريم يسوف تؤكد أنها تحاول من خلال لوحاتها ترجمة أفكارها وآرائها وتوثيقها عبر الفن بشكل حر أمام المتلقي.
الأحد 2018/04/08
ريم يسوف.. عملها ذو النزعة الطفولية ثمرة تفاعل صارخ بين الحياة والموت

عندما يغدو الطفل في البياض موضوعا للوحة تشير إلى الحرب، يدرك المتلقي فورا أنه أمام تجربة ترفض جولات الدم المتتالية هربا إلى عالم أكثر توازنا وسعيا إلى السلام، اللوحات التي تحمل في مضمونها بعدا عالميا كأنها تقف على كتف ما يحدث وفي قلبه تماما على مقربة من كل ما يصدّع قلب ومشاعر الفنان، هكذا تبدو الصورة المكتملة بنقائضها أمام مشروع الفنانة السورية المقيمة في باريس ريم يسوف التي التقتها "العرب" وكان هذا الحوار حول الفن والحياة.

اللون الأبيض يغزو لوحات الفنانة التشكيلية السورية المقيمة في فرنسا ريم يسوف، أسألها بعد استعراض لوحاتها أنّ الأبيض هو الأرضية لكل شيء، هكذا يبدو لغير المشتغل بالفن أو الأدب، لكنه عندها يأخذ اتجاها آخر يكاد من خلاله أن يحتل اللوحة! لتقول إن هذا بالضبط ما يمكن وصفه عند كل بداية جديدة، نقطة البداية أوالفراغ دون حدود، تتابع ضيفتنا “هكذا بدأت مع الأبيض كمرمم بعد الهدم عند تأسيس العمل والبناء من خلاله بطبقات وتدرجات من الشفافية، ولكنه أصبح أداة ورمزا لثورة أول طفل ضحية عند بداية العنف في بداية الثورة السورية، احتجت العودة إلى الذات من جهة أخرى وصمت الصدمة أمام موته، وأمام عملي كمسؤولة للدفاع عنه كإنسانة أولا أمام الحقيقة، فكانت نتيجته البحث بالتجربة ومحاولة حواري مع الأبيض، إنه لون غير صامت وله الصوت والحضور الحقيقي أيضا، فهو لا يتعلق بالحلم فقط أو الغائب، إنما بالحاضر وخاصة عند اشتراكه كصوت يعلو برمزيته وعلو صوته بين الألوان، لقد كان حواره مع مجموعة الألوان التي كان حضورها كظلال وأساس لبناء لوحة مدمرة وهو جاء ليبني ما دمّر، إنه بحث دائم عن صفحات جديدة تُقلب لاستيعاب أو ترجمة رفضي قدر المستطاع للواقع اليومي العنيف".

البدايات والتحولات

الكائنات الطفولية تتحدى الموت ببراءتها القصوى في أعمال ريم يسوف
الكائنات الطفولية تتحدى الموت ببراءتها القصوى في أعمال ريم يسوف

حديثها عن البدايات قادني لسؤالها عن التحولات والتنقلات التي مرت بها تجربة ريم يسوف على صعيد الموضوع المطروح والتقنيات المستخدمة في عملية الإنتاج، لتقول “إن الجسد كان ترقبي الأول منذ الصغر كمن ينظر إلى مسرح من أجسام وتضاريس أترجمها بكائنات تنام حولنا وتتحرك، فبدأ ظهور أداة الجسد كوسيلة تعبير وبحثي أثناء الدراسة الأكاديمية للجسد أكثر واقعية وعملية، وهو تعبير وتقنية بدءا من البساطة حتى التعقيد، بالإضافة إلى صعوبة خوض المرأة اجتماعيا في دراسة الجسد دراسة حقيقية كمادة تشريحية متحررة من كل مفهوم المعنى أولا والرمزية ثانيا، ومرت هذه التجربة بوقت طويل لعدة مراحل وصولا إلى دراسة علاقة الجسد بالفراغ وما حوله كعلاقة حسية من خلال التكوين وبعدة تقنيات وبالبحث في رمزية خاصة للتعبير عن حياتي الشخصية واللعب مع التقنيات وخاصة دخول الأحبار كروح حقيقية من خلال مادة حسية، حتى عام 2011، حيث توقفت عن عزلة علاقتي الخاصة مع الجسد ليظهر الطفل بأعمالي كجسد ورمز لما ولد بيننا، كضحية في عالم العنف الأكثر واقعية ضد أي ولادة حرة ومستقلة، فالطفل هو رمز كل مفهوم حر ومفهوم ذاكرتنا وأمنياتنا وأحلامنا واستذكار لطفولتنا ورموزها، هو نوع من ترويض الذات والعودة إلى كل فعل نكون مسؤولين عنه.

أما بالنسبة للألوان فكانت ترجمة للابتعاد عن كل عنف لوني في ذاكرتنا البصرية اليومية وذاكرة أطفالنا، فالأبيض وبحثي معه أعاد إليّ تأثري وولعي بتقنيات الحفر والطباعة ومفهوم مادة الأحبار التي تحمل روح الأرض التي نحن منها وإليها بطبقاتها وأحاسيسها بمراحل بناء العمل، حتى وصولي إلى تجربة الكولاج بألوانه الخام وبأحاسيسه المختلفة، فما أعالجه من ألوان اليوم تظهر من خلاله كعمق آخر لروح السطح، ومن ثم باستمرار تنقلاتي المختلفة بعد غربتي وانتقال ذاكرتي معها كما حال الآخرين أيضا، فقد تغير مفهوم المكان عندي وعند الآخر، فانتقل هذا المفهوم بترجمته من خلال عملي على رمزية الأفكار والتقنية بالمواد المتغيرة دائما، وهذا قد ظهر بشكل واضح خلال تجاربي الأخيرة عام 2016 و2017 بعد ترقب فكرة البعد الحقيقية جغرافيا عن المكان وما ترافقه الغربة من حصار للمشاعر بانتكاساتها وارتقائها في وقت واحد، إلى جانب القصص والشهادات التي أراها يوميا، فكانت تجربتي الأخيرة مجموعة من اللوحات وعمل “إنستليشن” عرض بباريس يعتمد على طبقات من شبك المعدن والورق والأكريليك والخيطان تحت عنوان "حالة حصار".

ولادة اللوحة

الحديث عن المراحل المختلفة قادني لسؤالها عن مرحل ولادة اللوحة عندها، فما الذي يحكم الفكرة وإنتاجها لتكون أمام المتلقي؟ لتقول “إن اللوحة تولد من تلقاء التجربة أولا إن كانت فكرية أو تقنية، وهنا تختلف بمزاجية انفعال الفنان مع تزاوج خبرته الفنية مع ما يريد إيصاله برسالته إلى نفسه أولا وإلى المتلقي ثانيا إن كان معنيا به ومسؤولا أمامه. اللوحة لدي تمر بعدة مراحل وصولا إلى الولادة، وهذا يختلف نتيجة مراحل النضوج الشخصي لمفهوم مشروعي الفني من الناحية الفكرية والتقنية، لقد أصبح مفهومي لعملي الفني أنه لا يتجزأ فكريا عن تقنية العمل لدي وأحيانا إما تطغى الفكرة لتستخدم موادها المناسبة وإما التقنية هي من تستدعي بحضورها فكرة العمل، فبنهاية اللوحة وخروجها من مرسم الفنان تصبح ملكية عامة، ولكن من مصدر واضح يحمل أسئلة صاحب المُنتَج بأسئلة: من؟ كيف؟ لماذا؟ أين؟

الطفل رمز كل مفهوم حر ومفهوم ذاكرتنا وأمنياتنا وأحلامنا واستذكار لطفولتنا

الأسئلة التي تحملها اللوحة تحملها أيضا صاحبة اللوحة التي ولدت في دير عطية، تلك المدينة التي ترتدي ثوبا ريفيا على أبواب العاصمة دمشق، وهنا أسألها ماذا بقي من تلك الجغرافية فيها؟ وكيف تتعامل يوميا وفنيا مع ذاكرتها هناك؟ لتقول “دير عطية التي رفضت بداخلي منذ الصغر على أن ترتدي لباس المدينة وتبقى في ذاكرتي قرية ‘ضيعة’ طفولة أهلي كما هي مفهوم لطفولتي، إنها القرية التي تمتلك مساحة حرة لذاكرتي، علمتني الحب الأول للمكان ببساطة تلالها وجردها وكرمها وتفاصيل رائحتها، سلسلة القصص التي تحكى كل يوم عن منشأها وقصص بنائها وأهلها وحكايات قدومهم، كما كل قرية سورية، ألبسوها رداء الحضارة بزي أسمنتي، خبأ تحته كل أصالة الذاكرة لتفاصيل طابعها الخاص، ومحاولة القلة القليلة بجهود شخصية لحمايتها من تشوه حصد كل المدن والقرى، وداعي الأخير لها لم أكن أعرف أنه سيستمر ست سنوات متتالية، كانت هذه الفترة مثل خطف الذاكرة ورائحتها عن سابق إصرار وترصد، لهذا بدأت تتجسد تفاصيل الذاكرة ومفهوم المكان بطريقة أوضح خلال السنتين الأخيرتين كنمنمات احتفظ بها في صندوق صغير لحمايته”.

اللوحة والأضداد

اختيار اللون الأبيض ترجمة رفض ريم للواقع اليومي العنيف
اختيار اللون الأبيض ترجمة رفض ريم للواقع اليومي العنيف

اللوحة عند ريم يسوف تحمل الأضداد، الوضوح والغموض معا، أتحدث هنا عن بساطة التعقيد فيها، العمق يحمل عمقا آخر من خلال متتاليات هندسية، والسطح فيها يرتكز إلى ما يمكن اعتباره مدخلا للعين البشرية كي ترى أي مشهد، هنا أسأل ضيفتنا عن الرموز في اللوحات، ماهي؟ وكيف تتعامل مع وجودها؟ ماهي الشيفرة أو الرسالة التي تسعى ريم من خلال لوحاتها لايصالها إلى الناس؟ لتقول “كما هو السهل الممتنع بالمفهوم العام عندما تبدأ على سطح القماش ببساطته وطبيعة مادته أو فراغ لا حدود له، ولكن الذاكرة البصرية والتقنية لديها الكثير لتقوله، لتعبر عنه دون صوت ملموس ولكن من خلال الفن، كأداتي الوحيدة للتعبير. فالرموز هي متعلقة بكل مشروع كلغة تعبير لكن في نفس الوقت هي مفردات متطورة خلال تطور مراحل سطح العمل لدي إن كان من مفهوم الشكل والتكوين أو الرموز المطروحة، فعند مرحلة الجسد كانت تتعلق بالفراغ واللون وعلاقة الجسد مع من وما حوله تعبيرا عن الحياة الشخصية والتي استمرت وقتا طويلا ولفترات متقطعة.

أما تجربة الطفل فكانت رموزه متعلقة بحياة الطفل وثورته الخاصة ضدنا وكضحية حية بيننا، أما ما يخص مرحلة المكان والذاكرة فلها أيضا رموزها، وغيرها من المشاريع التي نفذتها خلال سنوات العمل. ولكن بما يخص السطح بكل مراحله هي تجارب وتطوير للتكوين واللون والتقنية، لكن يمر بمفهوم الطبقات بطرق مختلفة وعمق السطح كفراغ وخاصة بعد عام 2010، ويمكن القول إني أحاول من خلال لوحاتي ترجمة أفكاري وآرائي وتوثيقها عبر الفن بشكل حر أمام المتلقي”.

يقودنا هذا للحديث عن الحالة التعبيرية في إنتاج ريم يسوف الفني، فهي المدخل الواسع لفهم التجربة ككل باعتبارها تفاعلا صارخا بين الموت والحياة، فكيف استطاعت ضيفتنا المزج فنيا بين ثنائيات متناقضة، الموت/الحياة، البداية/النهاية، الحرب/السلام؟ لتقول “إن هذا التناقض لا يتخلل فقط لوحاتي وإنما الفصام اليومي الذي نعيشه بين إرادة الحياة وواقع حصار نعيشه فكريا بالخذلان أمام العنف وانعدام الإنسانية التي اجتاحت التاريخ والجغرافيا، فنحن كالأحياء أموات، أعيش حالة السلام جسديا والحرب فكريا مع نفسي ومع الآخر”.

أختم حوارنا بسؤال عن الاغتراب والاحتكاك بالتجربة مع الثقافات الأخرى، فكيف ترى ريم يسوف اليوم دور الفن والفنان في ما يحدث في الجغرافيا السورية؟ وهل تلعب اللوحة الفنية دورا في إيصال رسالة ما؟ لتقول “إن ما يحتاجه الفنان هو تلبية عطشه للتجربة والإنفتاح على تجارب لا توقفها حدود فكرية أو جغرافية، ولكن يختلف عند كل منا الظرف لغربته، فإن كان خيارا بكل ظروف السلام والاستقرار يمنحه نوعا من حالة البحث والتجربة والانخراط بأوسع أبوابه من ناحيته الشخصية وصفاء الذهن والتركيز الكلي على عمله الفني، لكن ما نعيشه من تشتت داخلي في ظرفنا الحالي ومحاولة استمرار التجربة يستدعي محاولة التوازن من خلال الفن بتحويله إلى حالة علاج ذاتية من ناحية نفسية، ولكن لا يمنع انفتاحه واندماجه بالفعل الثقافي خارج نطاق المنطقة، وهذا أيضا ينطبق على الثقافة المستقبلة له، أي حاجتها وانفتاحها على فكر ثقافي وتجارب مختلفة، وهذا ما أثبته الفنان السوري على أرض الواقع بحسب ضيفتنا.

13