التربة العراقية لم تنبت الطائفية

الثلاثاء 2014/05/27

في مقالين سابقين تطرّقت إلى التلاحم والتسامح بين الأديان المتآخية في العراق، حيث كان يعيش عصره الذهبي في ظل هذه اللحمة التي جسدت الهوية الوطنية المشتركة لشعبه، فقد كان الكل يعمل كخلية نحل لمصلحة البلد، قبل وبعد تأسيس الدولة العراقية الفتيّة. ولست أذكرُ أجمل أو أبهى من مشهد حضور القس والحاخام وشيخ الجامع سويا لكل المناسبات الوطنية والقومية، فكنت تراهم يتناقشون ويتداولون، بوجوه بشوشة، الأمور اليومية، خاصّة تلك التي تتعلّق بالوطن العزيز، وعلى طاولة الوطن لا غير.

عديدة هي الذكريات الجميلة التي عايشتها شخصيا، والتي كانت تتعلق بحياة اليهود العراقيّين اليومية، وبأنشطتهم العديدة التي بوّأتهم مكانة في الاقتصاد العراقيّ وجعلتهم جزءا لا يتجزّأ منه. ومن بين هذه الذكريات، جانب ظل عالقا في ذهني؛ إذ كان اليهود لا يعملون شيئا في يوم السبت من كلّ أسبوع،(بحسب ما تمليه عليهم ديانتهم) ولو كان هذا الجهد بسيطا كإشعال شمعة مثلا، وقد كانوا يسكنون مناطق في بغداد مثل “بستان الخس” (البتاويين حاليا) والأورفلية والسنك وغيرها.

وحينما كنَّا نتوجه، صباحا، إلى المدرسة في البتاويين، كنّا نجد بعضا من أصحاب الدور اليهود، واقفين أمام ديارهم، ينادون علينا لنساعدهم ونشعل لهم نار جهاز الطّبخ أو نضغط لهم على زر الإضاءة، وقد كانوا يُنفحونّنا بقطعة نقديّة معدنية مقدارها “أربعة فلوس”، وكانت تُسمى (عانة)، وإذا كان التكليف أكبر فالجزاء يكون قطعة أكبر قيمة من قبيل “عشرة فلوس” مثلا.

وقد أضيف إلى هذه “العانة” فلس واحدٌ لتصبح “خمسة فلوس”، وذلك بأمر من الزعيم الراحل عبدالكريم قاسم (رحمه الله)، لذلك كنّا ننتظر يوم السّبت بفارغ الصبر لنتجوّل في أزقة البتاويين، على الرّغم من توبيخ الأهل ونُصحنا بالامتناع عن ذلك، وقد يصل هذا التوبيخ حدّ الضرب المبرح في بعض الأحيان.

وأذكر أيضا أنّه في بغداد، وفي سوق الشورجة الكبير تحديدا، كان البيض يُباع في سلال كبيرة مملوءة بالتبن للحفاظ عليه وحمايته من التَّهشُّم، وكان سعر البيضة الواحدة فلسان، فتجد البائع اليهودي يبيع بيضتين بثلاثة فلوس، فيكون الإقبال عليه كبيرا لأنّ سعره منخفض مقارنة بالباعة الآخرين ولا ينافس، فكان التاجر اليهوديّ من ثمّة يبيع سلالا من البيض أكثر من تلك التي يبيعها جاره القروي. وفي نهاية اليوم يبيع اليهودي السلال الفارغة الكثيرة بخمسة فلوس ثمنا للسلة الواحدة، وبذلك يعوّض الفارق في سعر بيع البيض ويربح أكثر.

وعلى هذا الأساس، كانت أثمان بضائع التجار اليهود متهاودة وكانت سلعهم بالتالي رائجة، ولنا أن نذكر في هذا السياق، التّاجر المعروف (شفيق عدس)، الذي كان أكبر وكيل للسيارات في شارع الرشيد، والذي كان ينافسه تاجر آخر في نفس الشارع وهو عباس التميمي، وقد كان التاجران وكيلان لنوعين مُختلفين من السيارات المشهورة حينها، هما؛ “كايزر” و”قريزر”.

13