التربية الأسرية القائمة على القوة تغذي التنمر بين الأطفال

"أنا ضد التنمر" تصطدم بدعم أسر لسطوة الأبناء على زملاء الدراسة، ومواجهة التنمر عند الأطفال تبدأ بالأسرة أولا.
الاثنين 2018/09/10
التنمر ينتشر بشكل لافت

بدأت الكثير من الأسر في مصر الاستعداد للعام الدراسي الجديد بعد أيام قليلة، وهي مشغولة بظاهرة التنمر التي تزداد قاعدتها اتساعا. وتتذكر الكثير من الأمهات فاجعة نور مجدي، أم الطفل آدم، صاحب السنوات العشر الذي أصيب بتشوهات جراء حريق وقع في المنزل، وأقدم على الانتحار هربا من سخرية زملائه في المدرسة، بعدما وصل إلى حالة غير مسبوقة من الاكتئاب.

وظلت الحادثة مجهولة حتى كتبت الأم تفاصيلها عبر صفحتها الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، الثلاثاء الماضي، بالتزامن مع إطلاق وزارة التربية والتعليم في مصر حملة موسعة بالتعاون مع اليونيسيف والمجلس القومي للأمومة والطفولة، لمواجهة التنمر بين أطفال المدارس، لتوعيتهم وأسرهم بخطورة هذا المرض.

وقالت الأم إنه كان يتعرض لكل أنواع السخرية والتنمر كلما ذهب إلى المدرسة، والكارثة أن المعلمين كانوا يتعاملون مع الأمر باستخفاف وتجاهل شديدين حتى قرر الانقطاع عن المدرسة ثم الانتحار.

وتنتشر ظاهرة التنمر بين طلاب المدارس بشكل لافت، وتتنوع بين البلطجة والتسلط والترهيب والاستقواء وأحيانا الاعتداء بآلات حادة، ما دفع وزارة التعليم لإطلاق حملة “أنا ضد التنمر” لتوعية المعلمين والطلاب وأسرهم بخطورة ذلك على مستقبل الأطفال وسلوكياتهم، فهو يجعلهم إما من المتمردين والخارجين على القانون، وإما من المرضى النفسيين.

كما أن التنمر له انعكاسات سلبية على التحصيل الدراسي للطفل المتسلط أو المعتدى عليه، والاثنان يتخلفان تعليميا، فالأول (المتنمر) يركز اهتمامه في إظهار القوة مقابل تجاهل واجباته المدرسية، والثاني قد يتسبب تنمر البعض عليه في كراهية البيئة المدرسية بكل مكوناتها، ويفكر في التسرب من التعليم.

تربية الأبناء على أن الاحترام يجلب الإهانة والقوة تضمن الحصانة بما وسع من قاعدة الأطفال المتنمرين بالمدارس

وتصطدم محاولات المؤسسات التعليمية لإصلاح سلوكيات الأطفال المتنمرين وأسرهم، قبيل انطلاق العام الدراسي في مصر 22 سبتمبر الجاري، بأن التنمر ظاهرة مجتمعية بالأساس، يكتسبها بعض الصغار من المجتمع المحيط بهم، سواء الأسرة أو الأصدقاء، ما يجعل القضاء عليها بين الأطفال من خلال المدرسة عملية صعبة.

وما أعطى حملة التوعية ضد التنمر بين أطفال المدارس في مصر، دفعة اجتماعية وأحدثت صدى واسعا واستحوذت على اهتمام الرأي العام، أن وزارة التعليم استعانت ببعض كبار الفنانين لدعمها، وقاموا بنشر مقاطع فيديو تحدثوا فيها عن ذكرياتهم السيئة مع المتنمرين وقت الدراسة، لدرجة أنهم مازالوا يتذكرون أسماءهم.

وقالت الفنانة يسرا إنها تعرضت لسخرية شديدة من زميلاتها لكنها كانت تشتكي لمعلميها وتحصل على حقها، وذكرت الفنانة منى زكي أن التنمر ظاهرة خطيرة تسببت في أذى نفسي لها وقت الدراسة، فيما أكد الفنان الكوميدي أحمد حلمي أنه تعرض للسخرية من طول أذنيه.

ودعا الفنانون إلى تربية الطفل على الشكوى لمعلميه من الطفل المتنمر، وحثه على ذلك من جانب أسرته، بحيث لا يشعر أن اللجوء لإدارة المدرسة دليل ضعف، لكنه يؤكد حسن خلقه وتربيته واحترامه للمؤسسة التعليمية.

ويظل أولياء الأمور أنفسهم، أحد أهم أسباب انتشار الظاهرة بين الأطفال، لأن بعضهم يشجع الأبناء على إظهار القوة ضد زملائه لإثبات شخصيته، حتى لا يتعاملون معه باعتباره ضعيفا أو يمكن الاستقواء عليه، كما أن بعض الآباء يتعمدون الاعتداء على المعلمين، إذا حاولوا تقويم سلوكيات الأبناء المتنمرين.

وأكد محمد صالح أستاذ علم النفس وأحد المسؤولين عن الصحة النفسية بوزارة التربية والتعليم في مصر، أن الطفل المتنمر ينتمي غالبا لأسرة متفككة أو ينتشر فيها العنف والتسلط، أو أنه تعرض لاعتداء جسدي متكرر، ويحتاج إلى تفريغ ذلك العنف، ودائما يختار الأطفال المسالمين، ويعتبرهم ضحايا مثاليين.

وأضاف لـ”العرب” أن مواجهة التنمر عند الأطفال تبدأ بالأسرة أولا، لإثنائها عن السلوكيات الخاطئة في التربية، مثل الإهانة والعنف المعنوي والسخرية، والكف عن مساندة الأبناء ضد معاقبتهم من جانب المؤسسات التعليمية، لأن أكثر المدارس تخشى عقاب الأطفال المتنمرين خوفا من ردة فعل أولياء أمورهم.

وتكمن خطورة التنمر في أن بعض الأسر تشجع أبناءها عليه، بذريعة أن الاحترام يجلب الإهانة، واستعراض القوة يضمن له الحصانة بين زملائه، ما ينذر بتحول البيئة المدرسية لساحة حرب، سواء بين الطلاب وبعضهم أو الطلاب والمعلمين، وحتى إدارات المدارس وأولياء الأمور، مثلما حدثت العشرات من الوقائع العام الدراسي الماضي.

الرقابة الأسرية للأطفال عند اختيار أصدقاء الدراسة تحصنهم من التنمر الذي يمهد الطريق للبلطجة مستقبلا

وقالت نادية رزق، معلمة بمدرسة الشعراوي بحي المطرية شمال القاهرة، إنها تعرضت للإهانة على يد ولي أمر طالب متنمر، عندما عاقبته لاعتدائه على زميله المصاب بإعاقة في يديه، ما دفعها للتراجع عن انتهاج السلوك العقابي ضد الطلاب المتنمرين، حتى اضطر الطفل المعاق للتسرب من المدرسة وعدم استكمال تعليمه.

وأشارت لـ”العرب” إلى أن انتهاج أكثر أطفال المدارس في مصر ثقافة الاستقواء، سببه تراخي المؤسسات التعليمية معهم، وتجنب عقابهم بذريعة أنهم صغار ويجب احتواءهم والحفاظ على مستقبلهم الدراسي، لكن لو تم تطبيق عقوبات قاسية عليهم وأسرهم، سوف تنتهي الظاهرة تماما وتعود هيبة المدارس وتختفي البلطجة في الشارع.

وأوضحت أن الرقابة الأسرية للأطفال عند اختيار أصدقاء الدراسة تحصنهم من التنمر الذي يمهد الطريق للبلطجة مستقبلا، لأن اقترابهم من أصحاب الميول العنيفة يدفعهم لانتهاج ذات السلوك، مع حتمية تدخل الحكومة لتصفية الأعمال السينمائية والدرامية التي تظهر المعتدي باعتباره البطل، وهذه الحالة تنتقل للصغار.

وثمة إشكالية أخرى، ترتبط بإمكانية تحول الأطفال المعتدى عليهم إلى متنمرين، في محاولة للدفاع عن أنفسهم والشعور بأنه لا بديل عن انتهاج السلوك العدواني تجاه المحيطين بهم، ما ينذر باتساع دائرة العنف المجتمعي ووصوله إلى الأسر نفسها.

وذكر ماجد شريف، شاب ثلاثيني يعيش في القاهرة، أنه كان خلال المرحلة الإعدادية من ضحايا التنمر، حتى أصبح متنمرا في فترة الثانوية العامة، وقال لـ”العرب” “لم تكن أمامي خيارات أخرى، فأسرتي اعتادت منذ الصغر منعي من الاختلاط بالناس كنوع من الخوف الزائد عن الحد.. كنت خجولا وتعرضت للإهانة، ثم لجأت للتنمر”.

21