التربية الحقيقية سلوك

الأحد 2016/07/03

غالبا ما شغلتني العملية التربوية، وكيفية زرع أخلاق المحبة وقبول الآخر والتسامح في نفوس الأطفال، وأعرف أنه كتبت موسوعات في هذا الموضوع، لكن ما روّعني منذ أيام وحاليا فحوص البكالوريا في سوريا موقف أمّ أعرفها وأعرف أنها تقصد الكنيسة لتصلي كل يوم أحد، التقيتها في مكتبة مكتظة وكانت تتشاجر مع صاحب المكتبة وتصرخ: لماذا تأخرت في طلبي؟ ولم أكن أعلم أن طلبها هو تصغير كتاب الجغرافيا (كتاب بحجم الكتب المدرسية العادية) وتحويله إلى كُتيّب صغير لا تزيد مساحته عن علبة كبريت صغيرة!

الأم تريد مساعدة ابنها على الغش في الامتحانات وتقوم هي بنفسها بأخذ كتاب الجغرافيا إلى صاحب المكتبة ليحوّله إلى مُصغر، وقد درجت هذه الوسيلة في الغش بالامتحانات أخيرا وبشكل كبير، وأظنها غير خاصة بسوريا. لكن السؤال الجوهري هنا كيف يكون الأهل مصدر الأخلاق بالنسبة إلى أولادهم وهم يساعدونهم على الغش؟ ولم أستطع تحمل الموقف خاصة حين رأيت المُصغر وهو كُتيّب بمساحة علبة كبريت –هذا ما صاره كتاب الجغرافيا- ويتسع له جيب الطالب ببساطة ليقوم بالنقل منه أثناء الامتحان. وسألت الأم بلطف مستغلة معرفتي السطحية بها: كيف تساعدين ابنك على الغش في الامتحان و.. لم تتركني أكمل عبارتي بل انتفضت شبه مشمئزة من كلامي قائلة “كل الطلاب يستعملون المصغرات، فلم تريدين مني أن أستثني ابني؟ في هذه الحالة يكون مظلوما!”.

منطق يبدو سليما فحين يشرب الجميع من نهر الجنون ولا يبقى سوى عاقل واحد وأخلاقي واحد سيكون وحيدا ومنبوذا وخاسرا مقارنة بالمجموعة، وهكذا أوجدت تلك الأم المتدينة والتي لا تفوّت قداسا إلهيا في الكنيسة يوم الأحد، حيلة تبدو مُقنعة وعادلة من حيث أن ابنها سيكون مظلوما إن لم يستعمل المُصغر، ومعظم زملائه يستعملونه، ولا يخطر ببالها أنها نسفت بتلك العملية كل القيم الأخلاقية النبيلة القائمة على النزاهة والصدق والاستقامة وشرف السلوك، وأن كل ما لقنته لابنها مذ كان طفلا بعمر سنوات عن الأخلاق ومفهومها وعن الصدق والنزاهة وعدم الغش قد ذاب كما يذوب الملح في الماء، لأن التربية الحقيقية هي سلوك وليست كلاما.

الغشّ في الامتحانات منتشر بكثرة في عالمنا العربي، وحضرت حلقات عنه، وهو أحد مظاهر الفساد في عالمنا، لكن المنطق المغلوط لتلك الأم كارثي على مستقبل ابنها فبدل أن تردعه عن الغش وتبين له القيم النبيلة وفضيلة الصدق والأخلاق وأن ينال الدرجة التي يستحقها حسب دراسته فإنها تشجعه بل تبارك له عملية الغش، ومنها سيكون كل ما سيقوم به مستقبلا من أعمال أو مواقف قائما على الخداع والفساد.

الأسرة هي الحاضنة الأولى والأساسية للطفل ومنها يستقي القيم الأخلاقية الحقيقية ومنها يتحصّن ضد أي فساد خارجي، أما أن نزوّر الحقيقة وتعتبر تلك الأم (التي تؤمن في أعماقها أنها فاضلة وعادلة) أن ابنها سيكون مظلوما إن لم يدخل حلقة الغش والفساد في الامتحانات فتلك هي الكارثة الحقيقية، لأننا سننشئ جيلا نفعيا لا تهمه سوى مصالحه وشعاره “الغاية تبرر الوسيلة”.

للأسف انهارت الكثير من القيم الأخلاقية في مجتمعاتنا العربية فأصبحت الرشوة شطارة لدرجة أن إحدى الأمهات تتباهى علنا بأن خطيب ابنتها الموظف في المرفأ يدخل أكثر من راتبه بعشرين ضعفا! وتسمي ذلك شطارة بدل رشوة وهي فخورة بشطارته، ويبدو الشريف والمستقيم مُغفّلا ولا يعرف كيف يستفيد من الفرص. ولا من أين تؤكل الكتف. أفلا يحتاج الأهل والمجتمع بكامله إلى حملات توعية أخلاقية ضد الفساد وانهيار القيم الأخلاقية. والأهم إلى

تطبيق قوانين صارمة تحارب الفساد بكل أشكاله بما فيها المُصغرات في الامتحانات.

كاتبة من سوريا

21