التربية الراهنة للأبناء تهدد مستقبل البشرية

خبراء: أطفال اليوم لا يستطيعون التطور بالشكل المناسب لهم كأطفال لأنهم يحرمون من التنشئة التي تناسب طفولتهم.
الثلاثاء 2019/10/15
حاجة ملحة لرفقة العائلة

تغيرت أساليب التربية الحديثة واختلفت تماما عن أساليب التربية القديمة، وذلك بسبب التطور التكنولوجي الرهيب الذي أصبح يهدد سلامة الأبناء في مختلف دول العالم، مما دفع الخبراء في الشأن التربوي إلى إطلاق صيحة فزع تنبه إلى التهديدات المفزعة التي باتت تترصد أطفال هذا العصر.

 القاهرة ـ حذر خبير نمساوي في أبحاث الطفولة من أن مرحلة الطفولة البشرية أصبحت مهددة في الوقت الحالي أكثر من أي وقت مضى.

وشدد ميشائيل هوتر، في مقابلة مع مجلة فوكوس الألمانية، نشرتها المجلة مؤخرا في موقعها الإلكتروني، على ضرورة تغيير الطريقة التي تتم بها تنشئة الأطفال في الوقت الحالي.

وقال هوتر بشأن كتابه “طفولة 6.7”، “إذا ظل الأمر على ما كان عليه خلال السنوات الـ15 الماضية، فإن البشرية ستتلاشى في غضون 200 سنة دون كارثة تغير مناخي ودون حرب نووية”، مضيفا “علينا وبشكل ملحّ أن نغير الطريقة التي نتعايش ونتعامل بها مع أطفالنا”.

وذكر الخبير النمساوي عددا من الأمور التي وجد أنه من الضروري تغييرها، وعلى رأسها الصورة المنتشرة للأطفال في المجتمع والقيمة التي تحظى بها الأسرة كجمع في الوقت الحالي، وقال إنه من الضروري تبعا لذلك إعادة النظر في طريقة رعاية الأطفال منذ الصغر وحتى إتمام مرحلة التعليم الثانوي.

وأوضح أن حال الأطفال في الوقت الحالي “أسوأ من أي وقت مضى في تاريخ البشرية”، مشيرا في هذا السياق إلى أن “نصف الأطفال في أوروبا أصبحوا مصابين بأحد الأمراض المزمنة”، مضيفا أن ذلك لم يحدث حتى الآن على مدار التاريخ.

وتؤكد تقارير حديثة ما توصل إليه أن البدانة في مرحلة الطفولة تعتبر واحدة من أخطر تحديات الصحة العامة في القرن الـ21، ونبهت إلى ارتفاع عدد الأطفال والمراهقين الذين يعانون من السمنة المفرطة في جميع أنحاء العالم بعشرة أضعاف في العقود الأربعة الماضية، وفي حال استمرار الاتجاهات الحالية، سيزيد عدد الأطفال والمراهقين الذين سيعانون من السمنة المفرطة، ومن ثم من نقص الوزن بشكل معتدل أو شديد بحلول عام 2022.

وقالت ليان رايلي رئيسة فريق في قسم مراقبة الأمراض غير السارية والوقاية منها بمنظمة الصحة العالمية، إن ارتفاع عدد الأطفال والمراهقين الذين يعانون من السمنة المفرطة بعشرة أضعاف “مرتبط بتغيرات في النظام الغذائي والمزيد من الخمول البدني لدى هؤلاء الشباب”. وأضافت رايلي “إذا كنت طفلا أو مراهقا يعاني من زيادة الوزن، فيعني أنك على الأرجح ستكون من البالغين الذين يعانون من زيادة الوزن، ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى معاناة مبكرة من أمراض مثل أمراض القلب والسرطان والسكري”.

وقال هوتر موضحا “رغم وجود أكبر قدر ممكن من التقدم الطبي في الوقت الحالي إلا أن أطفالنا لم يكونوا من قبل مرضى بهذا الشكل الملفت”.

وعزا ذلك إلى أسباب متنوعة وقال إنه يمكن اختزال هذه الأسباب في أن أطفال اليوم لا يستطيعون التطور بالشكل المناسب لهم كأطفال “لأنهم يحرمون من التنشئة التي تناسب طفولتهم”.

وشدد الخبير النمساوي على حاجة الطفل لوالديه إلى جانبه “أو على الأقل الأم”، وقال إنه يتم انتزاع الأطفال من أسرهم في وقت مبكر جدا “ورعايتهم في دور الحضانة على أيدي غرباء”.

وكشف بحث نشر في 2017 أن مستويات الضغط النفسي والتوتر لدى الأطفال الذين يذهبون إلى دور الحضانة، أعلى ثلاث مرات من المتواجدين بالمنزل برفقة أحد الوالدين، وهذا قد يجعلهم مصابين بالخجل في حياتهم لاحقا.

حاجة الطفل لوالديه ضرورية
حاجة الطفل لوالديه ضرورية

وقال الباحثون استنادا إلى عينات اللعاب التي أخذت لاختبار هرمون الإجهاد “الكورتيزول”، إن الأطفال الذين يقضون أكثر من 8 ساعات في دور الحضانة هم الأكثر معاناة من الضغط النفسي، وتفسر الدراسة هذا بأنهم يفتقدون آباءهم وينزعجون من الصراعات مع الأطفال الآخرين.

ووفق نتائج البحث، يمكن للضغط النفسي في هذه السن المبكرة أن يغير طريقة تطور أدمغة الأطفال الصغار، ما يجعلهم أكثر شعورا بالخجل وأقل قدرة على ضبط النفس.

وأفادت الأستاذة ماري بريت أن الأطفال الصغار الذين ليسوا من ذوي الكفاءة العالية اجتماعيا وليست لديهم مهارات لغوية جيدة يعانون من التوتر في الحضانات، لأنهم يفتقدون آباءهم بسبب فصلهم عنهم، لتتولى أمرهم جليسة الأطفال، وهذا أمر صعب بالنسبة لهم.

وتابعت “نحن لا نعرف حتى الآن إذا كان هذا التوتر ضارا بالنسبة لهم أم لا، ولكن يمكن للوالدين التخفيف عنهم من خلال وقت ممتع مع أطفالهم خلال فترة ما بعد الظهر وعطلات نهاية الأسبوع”.

ميشائيل هوتر: ضرورة تغيير الطريقة التي تتم بها تنشئة الأطفال في الوقت الحالي
الطفولة تتميز بقدرتها على إخفاء الضغط النفسي

وشددت الخبيرة على ضرورة جلوس الآباء مع الأطفال وقراءة الكتب معا والمشاركة في الأمور المنزلية، حتى يحصل الطفل على الاتصال الذي فقده أثناء تواجده في دار الحضانة، موضحة “رأينا مستويات هرمون التوتر قد ارتفعت خلال فترة تواجد الأطفال في الحضانة، في حين انخفضت بشدة بعد العودة للمنزل حيث البيئة المستقرة”.

وكشفت النتائج أن الخجل وضعف ضبط النفس والعواطف السلبية، يبدو أنها ترتبط بارتفاع مستويات الكورتيزول بين الأطفال الأكبر سنا في دور الحضانة، مشيرة إلى أن دعم الآباء قد يكون له دور مهم في إعادة توازن مشاعر الأطفال الصغار بعد قضاء يوم في الحضانة.

واقترح الخبير النمساوي تقديم دعم مالي للأسر التي لها أطفال بدلا من صرف الأموال بشكل متزايد في أنظمة رعاية الطفولة المبكرة. وتابع الخبير “نستهلك العدد القليل مما تبقى لدينا من أطفال في نظام رعاية وتعليم يعتريه القصور من أجل المحافظة على نظام اقتصادي محكوم عليه بالفشل”.

ومن جانبه قال الخبير مايكل كيبر مدير الشؤون المالية وتطوير الشركات في شركة جينيسيس إنرجي الأميركية إن التضامن الحقيقي مع أطفالنا يعتبر المعيار الأساسي لمجتمع إنساني، والذي يجب أن يضمن ظروف عمل مناسبة وآمنة بالنسبة إليهم.

وقال المحلل النفسي الدكتور هانز يواكيم مآز “لقد صدمت من التطور المر والمأساوي، حيث لم يعد بمقدور الأطفال أن ينموا بطريقة تحترم سنهم، وأنه تتم التضحية بوظيفة دعم الأسرة في سبيل ‘الاقتصاد والأيديولوجيا’، وأن الممارسة الحالية لتعليم الأطفال تعيق نموهم وتجعلهم مرضى، مما يقف حائلا دون أن يصبحوا شخصيات حرة وصحية ونشطة ومبتكرة”.

وأضاف معلقا على أهمية كتاب “طفولة 6.7” “الطفولة تتميز بقدرتها على إخفاء الضغط النفسي، والإيذاء الجسدي والعاطفي، والمعاناة العقلية وانعدام الحب، قبول ماهو مؤلم”، وأوصى أي شخص يرغب في فهم الانحرافات الاجتماعية بشكل أفضل، والبحث عن طرق حقيقية وطبيعية وبناءة لإنقاذ ثقافتنا المهددة بالانقراض، بقراءة كتاب “الطفولة 6.7” لميشائيل هوتر.

وقال مختصون في تربية وتنشئة الأطفال إنه على الرغم من أن الأجداد لا يعرفون المعلومات الجديدة وتحديثاتها المستمرة بشأن تربية الأطفال وتغذيتهم، إلا أن ذلك لا يعني خطأ أساليبهم التربوية.

21