التربية الصحيحة هي أمومة على السجية

خبراء يؤكدون عدم وجود لطريقة واحدة وثابتة في تربية الأطفال، ويشددون على أن المرونة في التعامل مع الصغير توطد علاقته بأسرته.
الجمعة 2019/04/12
حيرة في الاختيار بين الشدة واللين

تتحدث العديد من النظريات التربوية عن أفضل الطرق في تربية الأطفال، وتتساءل هل هناك أساسيات ثابتة يمكن اتباعها؟ ورغم الاختلاف الكبير في أساليب التربية من بلد إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر ومن أسرة إلى أخرى، إلا أن الخبراء يؤكدون على أن هناك ثوابت وقواعد يجب الالتزام بها عند التعامل مع الأطفال.

تحاول العديد من الأسر في المجتمعات العربية الاستفادة من الانفتاح على المجتمعات الغربية ومن التقنيات الحديثة وخاصة منها شبكة الإنترنت وما تتيحه من معلومات تفيد الآباء والأمهات في تربية الأبناء بأساليب تربوية حديثة، محاولة اتباع نصائح الخبراء والمختصين لاسيما تجنب العنف اللفظي والبدني للوصول إلى الطريقة المثلى في توجيه أبنائها ودون مشقة ولا اضطراب دون ترك آثار نفسية في وجدان
الأبناء.

ويقول أستاذ الطب النفسي عماد المرشدي، إن التربية الصحيحة تعتمد على ثقافة الوالدين والقيم التي نشأوا عليها والحقائق العلمية التي اكتسبوها، ولذلك تعتمد كل أسرة أسلوبا خاصا بها في التربية قد يكون سيئا مرتكزا على القسوة، ويبدو ذلك في وجود حواجز بين الطفل والوالدين. وتتخذ أسر أخرى أساليب تربوية تقوم على اللين والمرونة والعواطف، فتكون حرارة الصلة بين الآباء وأطفالهم واضحة وعميقة وأحد أسباب هذه الرابطة القوية والدافئة يتمثل في طول مدة الرضاعة.

وأثبتت الدراسات العلمية بما لا يدع مجالا للشك أن للرضاعة الطبيعية دورا محوريا في توطيد علاقة الطفل بأمه وفي مد جسور التواصل والتفاهم بينهما حتى من خلال النظرات وتعابير الوجه بحيث يتمكن كل منهما من فهم الآخر حتى دون أن ينطق. وهذه النتائج باتت محفزا للأمهات على الرضاعة الطبيعية ولعبت دورا هاما حتى في حملات التوعية الصحية والمدنية لإقناع الأمهات العربيات بالعودة إلى الرضاعة الطبيعية بعد أن انخفضت نسب الأمهات المرضعات في غالبية المجتمعات العربية في السنوات الأخيرة.

ويضيف المختص النفسي أن هناك أساليب تربوية فيها الكثير من الحنان والاحتواء؛ حيث يتم السماح للطفل بالنوم مع والديه في الكثير من الأحيان، ومن الممكن أن ينام الطفل حتى سن الخامسة مع والديه، وبعد هذه السن ينتقل الطفل من غرفة والديه إلى غرفة أخرى ينام فيها شخص آخر من أفراد العائلة كالأخت الكبرى أو غيرها، لأن بعض الأسر تفضل نوم الأطفال مع الكبار.

أفضل أنواع التربية هي المرنة التي لا تتقيد حرفيا بالكتب عن تربية الأطفال أو بما ينصح به الخبراء لأنها تتغير وفق العصر

ومن وجهة نظر أستاذ الطب النفسي بالقصر العيني مصطفى عبدالحميد، فإن أفضل أساليب التربية تقوم على الابتعاد عن الشدة فيكون لدى الآباء البعض من المرونة في التعامل مع صغارهم. وإذا كان الطفل يسعى إلى أمه أثناء النوم بحثا عن الأمان، فهو يجد هذا الأمان بالقرب منها، ولذلك فهو يتبعها أينما ذهبت ويبحث عنها إذا اختفت ويشعر بالضياع عندما يجد نفسه وحيدا دونها. والسماح للطفل بالنوم مع والديه يوفر له هذا الأمان. ولذلك فهو يغط في نومٍ عميق وبسرعة بمجرد شعوره بأنه قريب منهما، لكن هناك عيوب لهذه العملية، حيث ينشأ الطفل وهو كثير الاعتماد على وجود أمه، مما قد يؤثر على شخصيته في المستقبل.

الحقيقة ليس هناك حل قاطع، فمن الواضح أن توفير الأمان يكون على حساب استقلال الطفل والعكس صحيح.

ويقول خبير الدراسات الاجتماعية محمود فاضل، من الشهور الأولى بعد الولادة يتعلم الطفل الدرس الذي لن ينساه بعد ذلك؛ عندما يجد نفسه يتنقل من يدي امرأة إلى أخرى دون اكتراث، فإنه يتلقى الدرس الأول في عدم الاكتراث وعدم الاهتمام أحيانا. فيعيش مع أشخاص يعتنون به لكن ليس هناك رابط شخصي أو علاقة خاصة تجمعه بهم. والمرأة الأولى قد تكون والدته، والثانية قد تكون المربية، والثالثة قد تكون مربية أخرى، وينشأ الطفل ومعه إحساس بأنه لا ينتمي إلى وحدة بيولوجية خاصة اسمها الأسرة. ونظرا لأن الطفل ينشأ دون ارتباط قوي بشخص واحد، فإن مشاعر الغيرة الطبيعية ستنعدم لديه في مراحل حياته التالية.

وتتعمق المشكلة لدى بعض الأسر في المجتمع العربي الذي يزداد اعتماده على المربيات الأجنبيات، إذ أن الطفل العربي، فضلا عن كل ذلك، يمكن أن يشعر بعدم الانتماء ليس فقط للأسرة، بل أيضا للثقافة.

أفضل أساليب التربية تقوم على الابتعاد عن الشدة
أفضل أساليب التربية تقوم على الابتعاد عن الشدة

ومن جانبها تعتبر استشارية أمراض النساء والتوليد صفاء الأيوبي، أن الأمومة اليوم تشبه الوظيفة التي تستغرق 24 ساعة في اليوم، وهي وظيفة صعبة ودقيقة، فهي فن تنمية عقول وأرواح وأجساد الصغار باعتماد الإقناع والابتسامة والتشجيع والتحدي؛ والغرض هو الحصول على طفل أذكى وأبرع حتى ولو تحولت الأم في آخر النهار إلى كومة من التعب والإرهاق.

وتتابع قائلة إن أفضل أنواع التربية هي المَرنة التي لا تتقيد حرفيًّا بما ينشر في الكتب عن تربية الأطفال أو بما ينصح به الخبراء؛ لأن كتب تربية الأطفال وآراء الخبراء تتغير وتتبدل وفق العصر والواقع. الخلاصة هي أنه لا توجد طريقة معينة لتربية الأطفال يمكن اعتبارها الطريقة المثلى.

وفي الدول الغربية مثلا يركز الآباء على الرغبة في الحصول على طفل عبقري يحل المشاكل ويبتكر ويخترع ولكنهم في النهاية يحصلون على “عبقري” يحوّل حياة من يعاشره إلى تعاسة أو -على الأقل- إلى ملل.

ويقول أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس تامر محمود، إذا سألتني أي الطرق أفضل في التربية وأي الأطفال أفضل في العالم؟ أقول لك ببساطة يجب ألا ننظر إلى طرق التربية عند الشعوب الأخرى على أنها أفضل؛ مما يدفعنا إلى الشعور بالنقص وتسفيه طرق التربية لدينا، بل ينبغي أن ننظر إليها على أنها خيارات ودروس مطروحة ومتاحة لنا؛ كي نتعلم ونختار منها ما يلائمنا.

ويجب أن نفهم ونؤمن بأنه ليست هناك طريقة واحدة صحيحة وما عداها خاطئ. ويضيف “أشجع الآباء على المرونة في التفكير وعدم التقيد بالقواعد المكتوبة”، لأن أفضل قاعدة لتربية الطفل هي الاستجابة بالتفاعل التلقائي معه، والتربية الصحيحة هي أمومة على السجية.

21