التربية المتسلطة تدفع الأبناء إلى الاغتراب عن آبائهم

تزداد الفجوة بين الآباء والأبناء مع الأيام رغم تواجدهم المستمر معا، وتتفاقم المشكلة أكثر كلما تقدم الأبناء في السن، وربما تصل أوجها في سن المراهقة خاصة لما تتميّز به هذه السن من إعلان واضح للتمرد على كل شيء ورغبة في التخلص من سيطرة الوالدين والتفرد بشخصية مستقلة بعيدة عن كل التوجيهات والأوامر.
الاثنين 2015/10/05
كثير من الآباء يزرعون الخوف داخل أبنائهم بشكل مبالغ فيه

القاهرة - رغم أنه يجمعهم سقف واحد داخل نفس المنزل، ولكنهم يعيشون عيشة الغرباء، هذا هو حال الكثير من الأبناء الذين لا يشعرون بأي انتماء أو ترابط نفسي تجاه آبائهم.

وفي هذا السياق أكدت دراسة بريطانية حديثة أنجزت في جامعة كوليدج لندن، أن الآباء الذين يتحكمون بشدة في حياة أطفالهم، يمكن أن يسببوا لهم بمعاناة نفسية كبيرة في مراحل لاحقة من أعمارهم. وأوضح المشرفون على الدراسة أن الآباء المسيطرين الذين يتحكمون نفسيا في أطفالهم قد يدمرونهم طوال حياتهم، وبيّنوا أن الضرر النفسي الذي يعاني منه هؤلاء الأطفال في مراحل متقدمة من أعمارهم يتساوى مع الألم النفسي، الذي يشعر به الإنسان بعد وفاة أحد أحبائه المقربين.

وكشفت الدراسة أن المبالغة في عدم السماح للطفل باتخاذ قراراته بنفسه وانتهاك حريته، إضافة إلى عدم تحفيزه على التفكير المستقل في شؤونه، تؤدي إلى إحداث ضرر لا يستهان به في صحته النفسية.

وتابعت الدراسة السجلات الخاصة بأكثر من 5 آلاف شخص منذ ولادتهم عام 1946، وسلطت النتائج الضوء على مدى تأثير أسلوب معاملة الوالدين على الصحة النفسية للأطفال على المدى الطويل.

التطور التكنولوجي الذي يشهده العصر الحديث له دور كبير في تباعد المسافة بين الأسرة وزيادة التفكك الأسري

وتوصلت إلى أن تحكم الآباء بشكل مبالغ فيه وممارسة ضغوط نفسية على الطفل مرتبط بعدم رضا الإنسان عن حياته عند الكبر واعتلال صحته النفسية، بينما عاش الأشخاص الذين هيأ لهم آباؤهم حياة مليئة بالدفء الأسري وقاموا بتوجيههم وتشجيعهم على اتخاذ قراراتهم بأنفسهم حياة تتسم بالرضا وحالة نفسية أفضل. وأضافت أن الأثر النفسي لتسلط الوالدين من عدمه يستمر مع الإنسان حتى في مراحل متقدمة للغاية من عمره.

وفي هذا الإطار، بينت أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس في مصر، الدكتورة سامية الجندي، أن شعور الأبناء بالغربة والانعزال عن الوالدين ينطوي على وجود قصور واضح في تربية الابن منذ الطفولة، فهناك كثير من الآباء يزرعون الخوف داخل أبنائهم منذ مرحلة الطفولة بشكل مبالغ فيه سواء باستخدام العنف أو أساليب الترهيب المفزعة، معتقدين أنهم بذلك يقوّمون سلوكهم، ولكنهم لا يعلمون أن ذلك يخلق فجوة كبيرة بينهم وبين أبنائهم تزداد معهم، وقد تصل إلى مشاعر كره حقيقية.

واستطردت “من ناحية أخرى يلجأ بعض الآباء إلى استخدام أسلوب فرض السيطرة على أبنائهم دون أن يتركوا لهم أي مساحة للنقاش أو التعبير عن رأيهم، معتقدين أن آرائهم دائما هي الصحيحة بحكم خبرتهم الكبيرة في الحياة، وبالتالي فهم أعلم بمصلحة أبنائهم أكثر منهم، وهذا النوع من التسلط يتسبب بشكل كبير في ابتعاد الأبناء عن الآباء وربما قد يفعلون كل ما يريدون من ورائهم، الأمر الذي يسهم بشكل كبير في تفكك الترابط الأسري، فلا بد من احترام آراء الأبناء مهما كان سنهم وإعطائهم مساحة أكبر للتعبير عن كل ما يريدون دون خوف أو تهميش.

تحكم الآباء وممارسة ضغوط نفسية على الطفل مرتبط بعدم رضا الإنسان عن حياته عند الكبر واعتلال صحته النفسية

وأضافت الجندي أن التطور التكنولوجي الذي يشهده العصر الحديث من حيث انتشار الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي له دور كبير في تباعد المسافة بين الأسرة وزيادة التفكك الأسري، فانشغال الأبناء والجلوس لساعات طويلة أمام الإنترنت خلق لهم عالما آخر مختلف عن الحياة التي يعيشونها في المنزل، فهم يتواصلون مع أصدقاء من مختلف الجنسيات ويتبادلون الثقافات بحرية ويجدون في الإنترنت وسيلة يكتفون بها عن كل ما حولهم، الأمر الذي أسهم في التباعد الأسري والشعور بالاغتراب وعدم الرغبة في التفاعل الأسري، وربما قد يصل الأمر إلى انعزالهم حتى عن تناول الطعام معهم وبالتالي القضاء على التقارب والدفء الذي تتميز بها الأسرة العربية.

وقالت الجندي: يتسبب ذلك أيضا في تقليص العلاقات الحقيقية لصالح العلاقات الافتراضية، وبشكل عام على الرغم من فوائد التواصل عبر الإنترنت للتعرف على ثقافات وأفكار أخرى مختلفة عنا، إلا أن إدمانه يؤثر بشدة على الحالة النفسية وقد يصيب الفرد بالاكتئاب والشعور بالوحدة، إضافة إلى خطورة تلك المواقع في إذابة الحدود الثقافية والجغرافية وما ينتج عنه من غرس لأفكار لا تتناسب مع قيم وعادات وتقاليد المجتمعات العربية خاصة في سن المراهقة، ما يتطلب مراقبة دقيقة لتصرفات الشاب في هذه المرحلة الخطيرة لكن دون تهميش له أو شعوره بالدونية.

وأخيرا أوضحت الجندي أنه يحق للآباء أن يزرعوا في أبنائهم القيم والمثل العليا ويحثوهم على السير على دربهم باعتبارهم قدوة صالحة لهم، ولكن دائما ما يقع الآباء في خطأ أنهم يريدون أبناءهم أن يكونوا نسخة طبق الأصل منهم دون مراعاة لاعتبارات عديدة أهمها اختلاف الأجيال والأزمنة، وهو ما يخلق دائما صراعا أبديا بين الجيلين، وبالتالي الميل إلى الاغتراب النفسي عنهم والمحاربة من أجل عدم ارتداء نفس عباءتهم، فلا بد على الأسرة أن تتفهم أن لكل جيل متطلباته واحتياجاته المختلفة تماما عن الجيل الذي يسبقه، كذلك عليهم أن يتفهموا خصائص مرحلة المراهقة وحساسيتها ومحاولة احتواء أبنائهم خلال هذه الفترة على وجه الخصوص من حيث التمرد على سلطة الوالدين ورفضها والإصرار على الرأي والانفعالية الزائدة وغيرها كي لا ينفروا منهم وينعزلوا عنهم.

21