التربية ضمانة لحماية الطفل من مستقبل غير مستعد لخوض غماره

في الكثير من الحالات، يحاول الآباء العمل كوكلاء عن أبنائهم للتدخل وإزالة المعوقات التي تعترض حياتهم في أي لحظة؛ حلّ مشاكلهم أو التخلص من جميع المصادر التي تتسبب في إزعاجهم أو تكدر عليهم أوقاتهم. يفعل هذا أغلب الأهل والمربين بطريقة تظهر مدى حبهم وتعلقهم بأبنائهم ومدى استعدادهم لبذل الجهد والمال لتطمين مخاوف صغارهم وتحقيق سلامهم النفسي والجسدي.
الأربعاء 2018/01/31
الدعم الحقيقي الذي يحتاجه الطفل هو تركه يجرب

ما لا يعرفه الكثيرون أن التدخل المبالغ فيه من الآباء في حياة الأبناء إنما يسرق منهم فرصتهم الطبيعية لاكتساب مهارات حياتية لازمة ومهمة، تعينهم على مواجهة المصاعب والمشاكل التي ستعترضهم لا محالة في السنوات المقبلة من حياتهم، وتحديدا في اللحظة التي يتعين فيها عليهم مغادرة منزل الوالدين ومواجهة عواصف العالم الخارجي بصدر مكشوف، من دون درع تقيهم من الإصابة بخيبة الأمل الأولى.

ذلك أن الحياة خارج المنزل هي التجربة الحقيقية التي تعلّم الأفراد معنى أن يكونوا وحدة ضمن نسيج اجتماعي أكبر، وبأنهم سيصبحون لا محالة ومن دون حيازتهم لمهارات تعينهم في التعامل مع شرور العالم، كائنات هشة عرضة للتهشم مع أول عاصفة أو حتى هبة هواء خفيفة.

فما هي هذه المهارات يا ترى؟ وأين تكمن أهميتها؟

في كتابها؛ “كيف تربي طفلا واثقا بنفسه، مستقلا بذاته”، تتحدث ويندي. ل. موس.؛ طبيبة نفسية وزميلة الأكاديمية الأميركية لعلم النفس المدرسي، عن مهارات الأداء التنفيذي مثلا؛ وهي مهارات تساعد الأشخاص على أن تكون لديهم خطة، تجعلهم منظمين ولديهم الاستعداد للانطلاق وراء أهدافهم المرسومة، ويمكن أن يتعلم الأطفال هذا في المنزل بعدة طرق بسيطة، إذا كان الأهل على استعداد لفعل ذلك

وتمثل إحدى أبسط وأهم المهارات تعويد الطفل على استخدام تقويم الأيام لتدريبه على أهمية وفن إدارة الوقت، كما يستطيع الوالدان تعويد الطفل على تنظيم أوقاته بصورة تجعل من الأولويات في المقدمة، ثم تدريبه على استخدام هذه الأوقات بمهارة من حيث توزيعها على المهام المختلفة، وبالتالي، الالتزام بالمهلة المحددة والمواعيد النهائية لإنجاز العمل.

مع ذلك، يتوقع من الأهل أن يدربوا الطفل على خاصية استخدام الحوافز؛ إذ يمكن أن يكون هذا الحافز مجرد سماع أغنية مفضلة لبضعة دقائق، تناول الآيس كريم أو الاستمتاع بوقت قصير في الألعاب الإلكترونية، بطريقة تجعله يلتقط أنفاسه قبل الانتقال إلى المهمة التالية.

أما في ما يتعلق بالمشاريع طويلة الأمد، فيمكن أن يتدرب الطفل على استخدام صورة لسلّم، مثلا، تعين على درجاته المهمات بحسب تسلسل الأهمية أو الخطوات المطلوبة لإنجاز المهمة للانتهاء منها في الوقت المطلوب، ويساعد هذا النوع من الرسوم أو التشكيل البصري على كسر الروتين والملل الذي قد يعرقل أداء الطفل لواجباته، إضافة إلى أنه يساعده في التحكم ببرنامج عمل منظم.

فالأطفال الذين يتعلمون في سن مبكرة متى يعتمدون على أنفسهم في حل مشاكلهم ومتى يتعين عليهم طلب مساعدة بسيطة، سيكبرون أشخاصا يتمتعون بثقة عالية في النفس، أشخاصا عصاميون لا يأبهون بمواجهة أي مشكلة تعترضهم في حياتهم مهما بلغت درجة تعقيدها.

ولهذا، يؤكد متخصصون أن وظيفة الأهل لا تتطلب بالضرورة حماية الأبناء من الشعور بالإحباط، بسبب مواجهة تجارب فاشلة أو الإخفاق في تحقيق أحلامهم، بل بمواجهة الإحباط ومحاولة تفادي آثاره السلبية والتأقلم مع الفشل.

الأطفال الذين يتعلمون في سن صغيرة متى يعتمدون على أنفسهم سيكبرون أشخاصا يتمتعون بثقة عالية في النفس

بالتأكيد يحتاج الطفل إلى بيئة منزل مناسبة، حيث يحصل على الحب والرفاهية والسعادة لينمو سويا لكن من غير المنطق أن يعيش فرد في هذه الحياة من دون أن يمرّ بظروف صعبة تصيبه بالإحباط وخيبة الأمل مهما حاول الوالدان تجنيبه هذا، فتجارب الحياة حتى المعقدة منها أمر وارد بل ضرورة لبناء شخصية الإنسان وتقوية مناعته النفسية، ولتعزيز اعتداده بنفسه.

في حين، ينبغي أن يتعود الطفل الصغير على التغلب على إحباطات طفيفة في أول الأمر، فحين يكون في سن السادسة مثلا ويحاول أن يقود سيارته أو دراجته بنفسه فإنه يخفق في البداية وهذا قد يسبب له نوبات من الغضب المتأتية من خيبة الأمل، في هذه الحالة ينبغي على الأبوين تدريبه على كيفية السيطرة على غضبه ومحاولة البدء في تعلم هذه المهارة تدريجيا.

وقد تفشل محاولات الطفل مرارا وتكرارا، لكن هذا ليس مدعاة للإحباط إذ أنه سيعتاد أن يذلل أي صعوبة تواجهه بنفسه مع تقديم مساعدة بسيطة له لتحقيق هدفه، حينها، سيجد الأهل علامات الفخر على ملامحه ومن شأن هذا الأمر أن يعزز ثقته بقدراته وثقته بإمكاناته من دون الحاجة إلى دعم كبير منهم، فالدعم الحقيقي الذي يحتاجه هو أن نتركه يجرب ويحاول بنفسه حتى يتمكن من مواجهة ضعفه ويتغلب عليه، في عملية تدريب بعيدة المدى لينعم بالاستقلالية في حياته المستقبلية.

وطالما احتفظ الوالدان بخطوط اتصال مستمرة مع أبنائهم، فمن المرجح أنهم سيكسبون ثقتهم ليتشاركوا معهم أدق تفاصيل حياتهم وربما أسرارهم، ما يقلل من مشاعر الغربة التي يحس بها بعض الأبناء تجاه الأشخاص في محيطهم خاصة في سن المراهقة.

وهناك، على سبيل المثال، بعض الأفكار الانتحارية التي تسيطر على أفكار بعض الفتيات المراهقات بسبب الصورة السلبية عن أنفسهن التي تطاردهن حتى في نومهن، بسبب تنمر زميلات وزملاء المدرسة، كأن يعانين من زيادة في الوزن أو من بشرة غير صافية وربما من ضعف شديد في البنية، كل هذه المخاوف والتصورات التي قد تدفع بأي فتاة في سن المراهقة إلى تبني أفكار انتحارية، يمكنها أن تهدأ وتتلاشى تماما إذا ما وجدت الفتاة الحب والتفهم والحنان في أحضان منزل دافئ وأبوين حنونين.

مرة أخرى، تذكر ويندي موس في كتابها “كيف تربي طفلا واثقا بنفسه، مستقلا بذاته”، أهمية أن يكتسب الطفل في سن مبكرة استراتيجيات حل المشاكل وصنع القرارات باعتبارها واحدة من قنوات التعليم المختلفة التي يتلقاها في طفولته؛ فالتعلّم في الصغر يفسح المجال لشخصية الطفل بأن تتشكل على النهج الصحيح من دون نواقص أو عقد نفسية أو تراكمات وإحباطات.

في حين، يمثل تدريب الطفل على هذه الاستراتيجيات من أهم الواجبات الملقاة على عاتق الأهل، فالتربية ليست مجرد حب وتلبية مستمرة لاحتياجات الطفل المادية، التربية تعني ضمان حماية الطفل من مستقبل قد يكون غير مستعد لخوض غماره واقتحام طرقه الوعرة.

21