التربية على التسامح: مفتاح الحكمة في موسوعة السلم

ثقافة العنف والحرب صارت اليوم هي العنوان الذي يرتبط بالإسلام، سواء داخل العالم الإسلامي نفسه أو في العالم الغربي.
الخميس 2018/05/03
التربية على السلم استراتيجية في منتدى الإمارات

تعاني ثقافة التسامح محنة كبيرة في المنطقة العربية الإسلامية في هذا الزمان، فمع أن الإسلام من مشتقات السلم والسلام ومرادفاتهما، إلا أن الصورة البشعة التي تعكسها الممارسات السائدة اليوم، سواء لدى الجماعات الإرهابية المتطرفة التي تنسب نفسها إلى الإسلام، أو لدى الحركات الإسلامية التي تشربت ثقافتها جوانب من التشدد والغلو تجاه الأطراف الأخرى وتجاه الدولة وشكلت خلفية تاريخية للحركات الجهادية المنتشرة اليوم؛ أقول: إن تلك الصورة البشعة باتت في الوقت الحالي تحجب الصورة المشرقة للإسلام، كما كانت عليه منذ قرون عدة.

لا تمثل مظاهر التطرف والعنف إلا مساحة قليلة من المساحات العريضة التي تمثلها ثقافة الاعتداء والتعايش، فهي نتوءات ناشزة في الجسد الإسلامي، ولكنها اليوم باتت تعطي الانطباع للكثيرين عبر العالم بأنها تمثل القاعدة لا الاستثناء. ذلك أن حجم الدمار والموت مهما كان صغيرا ومحدودا يجعل الناس تشرئب بأعناقها إلى معرفة الدوافع والأسباب، والتطلع إلى استكشاف الثقافة التي تخرج منها مظاهر العنف والتدمير، فيكون من الطبيعي أن يتساءل الناس عن أسباب القتل لا عن أسباب الحياة، طالما أن القتل هو النقيض للحضارة وكرامة الحياة الإنسانية التي هي الأصل. ولعل الآية “من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا” تصور هذا الأمر خير تصوير، لأن جريمة قتل واحدة تجعل الإنسانية جمعاء تتجه إلى معرفة الدوافع. إنه منطق “الواحد المتعدد”.

 

علماء مسلمون يعدون لموسوعة هي الأولى من نوعها في إبراز ثقافة السلم في الإسلام، وذلك وعيا منهم بأن ثقافة العنف والكراهية والإقصاء ارتبطت اليوم بالإسلام والمسلمين أكثر من أي وقت مضى، وسببت اهتزازا في الصورة والقناعات كما شكلت حاجزا أمام الحوار مع الذات ومع الآخر، وصار واجبا على النخب الفكرية في العالم الإسلامي أن تعمل على إبراز ثقافة السلم، والتي هي الأصل في الديانة الإسلامية لمن تفقه في جوهر طبيعة الرسالة المحمدية بعيدا عن القراءات التشويهية ذات المنحى السياسي المقصود.

ولأن ثقافة العنف والحرب صارت اليوم هي الشعار البارز الذي يرتبط بالإسلام، سواء داخل العالم الإسلامي نفسه أو في العالم الغربي، فإن الحاجة تدعو اليوم إلى إبراز قيم السلم والأمن والتعايش الكامنة في الدين الإسلامي، ليزداد المشهد وضوحا، وتنكشف النزعة القتالية كنزعة تدمير معزولة عن الدين ومباينة للقيم الإنسانية المشتركة، إذ كلما جرى توسيع مفاهيم السلم وثقافة التعايش كلما ضاق حيز المشروعية لدى التيارات التكفيرية.

هذا هو المشروع الطموح الذي يحمله منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، الذي يرأسه العلامة الشيخ عبدالله بن بية، وتحتضنه دولة الإمارات العربية المتحدة. فقد حمل المنتدى على عاتقه، منذ عام، مهمة وضع موسوعة شاملة للسلم ستكون الأولى من نوعها في العالم، يساهم فيها عدد كبير من الباحثين والعلماء والمفكرين من العالم العربي والإسلامي، وآخرون من الأديان الأخرى، ورجال دين يهود ومسيحيون وغيرهم.

والهدف المنشود من هذه الموسوعة، كما عبر عن ذلك العلامة بن بية “تصحيح المفاهيم وتأصيل قيم السلم”، وكذا صياغة مرجعية عالمية للسلم والسلام والتعايش لا تدع مجالا بعد ذلك لأي طرف لتبرير أفعاله الجرمية أو الاتكاء على الدين، أيا كان هذا الدين، لمنح المشروعية لممارساته الوحشية.

والمهمة ليست سهلة على كل حال، لكنها ليست مستحيلة. وقد ظهر من خلال اللقاءات التي عقدها المنتدى خلال الشهور الماضية في العاصمة المغربية الرباط، آخرها اللقاء الذي انتظم السبت والأحد الماضيين، عزم الخبراء والباحثين والمفكرين على خوض المغامرة.

وتبين من خلال النقاشات المطولة، التي كان لنا شرف الإسهام فيها، أن هناك فراغا مهولا في باب السلم في الفقه الإسلامي الحديث، على الرغم من وجود كتابات واجتهادات مضيئة، لكنها تظل متفرقة وغير خاضعة لنسق فكري وفقهي موحد يمكن أن يجعل منها مشروعا حضاريا قابلا للتسويق والتنزيل العملي، وهذا ما دفع العلامة بن بية إلى القول إن الموسوعة ستكون أول موسوعة من نوعها في التاريخ الإسلامي في موضوع السلم، والمقصود أنها أول عمل جماعي يلم شتات الكتابات المتناثرة في الموضوع، ويزيد عليها اجتهادات وتأصيلات جديدة في ضوء التحولات الإسلامية والعالمية الراهنة.

وتضم الموسوعة محاور عدة، أهمها محور السلم في الحضارة الإسلامية، والسلم في الفكر الفلسفي الحديث والمعاصر، والسلم في القانون الدولي، ولكن يبدو لي أن محور التربية على السلم. فما نعاني منه اليوم ناتج بالدرجة الأولى والأساس عن غياب مشروع تربوي على السلم والتعايش، مشروع يمكن أن يكون أرضية تقف عليها مختلف المستويات المتحركة في الاجتماع العربي الإسلامي الحديث، كالتعليم والإعلام والثقافة والتربية الأسرية. ولذلك يظل التحدي الأبرز بعد إنجاز الموسوعة، هو تنزيلها على أرض الواقع وتحويلها إلى أداة بيد المجتمع لاجتثاث الفكر التكفيري من جذوره وتأصيل رؤية بديلة للعالم.

13