التربية في زمن "الإنترنت"

الأحد 2014/06/29
تكامل العاملين الاجتماعي والديني درع واق من الأخطار

القاهرة - يواجه الآباء في تربية أبنائهم في هذا الزمن صعوبات ومشاكل تختلف عن التي واجهها أهاليهم قبل حدوث الطفرة التكنولوجية في القرن الحادي والعشرين، فأطفال اليوم تتوفر لديهم إمكانيات سهلة للإطلاع على كثير من الأمور لم يكن من اليسير الاطلاع عليها في الزمن الماضي.

مجرد توفر كمبيوتر، وآيباد، وهاتف محمول حديث يساعد الطفل والمراهق على اكتشاف أشياء ربما لا يرغب الأهل في أن يعرفها ابنهم أو ابنتهم في هذه المرحلة العمرية المبكرة. من هنا جاءت فكرة هذا التحقيق للاقتراب من عقول الآباء والأمهات ومعرفة ما هي وسائل التربية في زمن الإنترنت الصعب.

يقول محمود سليم، موظف: إنني أفضل الأسلوب الذى يعتمد على الحرية مع الرقابة الأسرية، من خلال تجربتي الشخصية، أرى أنه من المهم أن تكون هناك رقابة، وأن يكون هناك حوار، وأفضّل أن تكون الرقابة الأسرية غير مباشرة، ومن المهم التركيز على العامل الأخلاقي على أن يكون هذا في بداية مرحلة الطفولة، حتى ينشأ الشاب وفي داخله الحصانة الذاتية.

ويقول محمود مهدي متزوج ولديه أولاد في مرحلة الشباب: يجب أن تكون هناك ضغوط في التربية، أغرس في أولادي المبادئ والتعاليم الصحيحة، وأفضل أن أمارس الرقابة من بعيد. وأسلوبي مع أبنائي يختلف عن الأسلوب الذي تربيت عليه، فقد كنا نوجه بشكل خاطئ، ولم تكن لدينا الإمكانات المادية المتوافرة لجيل اليوم. ويضيف: لدي شاب عمره 14 عامًا، أي أنه في مرحلة المراهقة، لذلك أناقشه بكل صراحة ووضوح حول علاقته بالجنس الآخر، وما يشاهده في التليفزيون، وأوضح له الجوانب الإيجابية والسلبية، ولا أحاول إرغامه، لكنه يأتي في النهاية مقتنعًا تمامًا، لأنه مدرك أنني كأب لا تهمني سوى سعادته.

أما مها كمال الطالبة الجامعية فتقول: أنا مع الرقيب الذاتي والحوار مع الآخر في آن واحد، من الضروري مناقشة الأكبر سنًا فيما نمر به من تغيرات، وما يواجهنا من مشكلات.

لكن شقيقتها سارة، وهي أيضا طالبة جامعية، كانت أكثر وضوحا في إيصال فكرتها، إذ تقول: الرقيب الذاتي هو الأسلوب الأمثل، وهو الذي تربيت عليه، مع الحفاظ على العادات والتقاليد، وعندما أتزوج ويصبح لديّ أبناء، سأحرص على تربيتهم بهذا الأسلوب، لأنه الأنجح في ظل متغيرات العصر.

وتعتبر سارة أن العامل الديني أقوى من العادات والتقاليد في جعل الشخصية سوية، وحمايتها من السلوكيات المنحرفة.

في حين ترى سارة يسري – وهي أم لثلاثة أبناء أكبرهم في بداية المراهقة- أنها مع مبدأ الصداقة بين الآباء والأبناء، حين يتوفر عنصر الأمان وعدم الخوف من الأهل، فإن الابن يخاف أن يخسر ثقة والديه لو أقدم على تصرف سيئ، لذا أحاول أن أكون قريبة جدا من أبنائي، ومعرفة أصدقائهم، وأهلهم، وفي الحقيقة أنا أراقب أبنائي لكن بأسلوب واع وحذر من أن أجعلهم يشعرون بأني لا أثق بهم.

ويؤكد الدكتور سمير علي أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر أن تربية السلوك وتهذيبه في كتاب الله وكلام رسوله، يؤكدان أن "الوقاية خير من العلاج"، وهذا واضح في وصية لقمان "عليه السلام" لابنه، ومن المهم تدريس هذه الوصايا للمدرسين والعاملين في المدارس والجامعات، ثم إن الخلل الحادث في سلوكيات أبنائنا وبناتنا، يرجع في الأساس إلى البعد عن دين الله عز وجل، سلوكًا وعملاً، فنحن نريد عالمًا مسلمًا يتقي الله، ونريد إعلامًا يخاف الله عز وجل، ينشر القيم والمبادئ والمثل، ونريد مناهج تعليمية نابعة من كتاب ربنا عز وجل، وتوجيهات نبينا (صلى الله عليه وسلم)، إنني أرى أن السلوك غير المنضبط نراه واضحًا بقدر ابتعادنا عن تعاليم السماء.

من المهم التركيز على العامل الأخلاقي على أن يكون هذا في بداية مرحلة الطفولة حتى ينشأ الشاب وفي داخله الحصانة الذاتية

ويرى الدكتور سمير ضرورة التأكيد على أهمية الوازع الديني، حتى في مرحلة من مراحل العلاج النفسي، مع غرس القيم والمبادئ عند الشخص، باعتبار أن هذه العوامل مجتمعة، عندما يتم غرسها عند الإنسان، فإنها تتحول إلى شيء مقدس، ودرع تقيه الأخطار والانحراف، ويستطيع أن يواجه المشكلات التي تواجهه من دون الرجوع إلى الآخرين، أي تصبح لديه قدرة ذاتية على اتخاذ القرار في رفض السلوك غير المقبول أخلاقيا.

ومن المهم، أن يحدث هذا في مرحلة مبكرة من العمر حتى تظل في وجدان الإنسان، لكن المشكلة هي في عدم وعي كثير من الآباء بأهمية غرس هذه القيم والمبادئ في نفوس الأبناء، مع غياب دور المؤسسات المجتمعية الأخرى، مثل المدرسة والنوادي، وغياب القدوة في المنزل، فإذا كان الأب ينهى أولاده عن شرب السجائر، وهو يشرب أمامهم، فكيف يقنعهم بالآثار السلبية للتدخين، وفي هذه الحالة، فإن الابن لا يكترث لنصائح الأب.

أما الدكتور سليم إبراهيم أستاذ علم الاجتماع فيقول: من الضروري أن يتكامل العامل الاجتماعي المتمثل في العادات والتقاليد مع العامل الديني، فالخوف من يوم الحساب يجعل الشخص يبتعد عن شرب المنكرات أو الإفطار في رمضان، وهذا يمثل 90 بالمئة من المسألة والـ 10 بالمئة المتبقية للعامل الاجتماعي، ففي كل إنسان هناك الخير والشر، والثواب والعقاب.

وينتقد دور المسجد شبه الغائب عن التفاعل مع مثل هذه القضايا المصيرية، وكذلك دور المعلم، والأدوار الأسرية شبه الغائبة أيضا، فهذه أدوار مكمّلة لبعضها البعض، فإذا تكاملت فإننا سنصبح في مجتمع مثالي.

ويضيف الدكتور محمد محمود أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر: إن الرقيب الذاتي هو “الضمير الأخلاقي”، الموجود في كل شخص، والذي يمنع الشخص من الوقوع فريسة للانحراف، فهناك إنسان لديه ضمير حي، وآخر ضميره ميت، وهذه مقولة على ألسنة الناس على مدار اليوم، معظم الجرائم الموجودة في المجتمع نتيجة ضعف الضمير، لأن الضمير هو مجموعة القيم والمبادئ التي يمتلكها الشخص داخله، نتيجة التربية الصحيحة، التي ينشأ عليها الطفل منذ صغره، عن طريق الوالدين في مرحلة ما قبل المدرسة، أي خلال السنوات الخمس الأولى، فهذا الضمير أشبه بـ"رادار داخل الإنسان" ينذر بوقوع الخطر، ويمنع الفرد من ارتكاب الخطأ.

وحول وجود فجوة فكرية بين الآباء والأبناء، تمنع أولياء الأمور من معرفة كيفية تفكير الأبناء، أو ضبط سلوكياتهم في العصر الحديث، ينفى الدكتور محمد محمود أستاذ الطب النفسي أن يكون هذا العامل من العوامل المؤثرة في زيادة الانحراف، والسبب، لأن اختلاف المستوى التعليمي لا يمنع دور الأب في الرقابة على الأبناء، فعدم معرفة الأب بالكمبيوتر، لا يمنعه من التدخل في رقابة الابن، لأن غريزة الأبوة مع خبرة الحياة التي مر بها الأب، تجعله يعرف الجيد من السيئ، ويستطيع أن يوجه أبناءه إلى الأساليب الصحيحة، والدليل أن جيل الآباء الذي تربينا على أيديهم كانوا أميّين، ومع ذلك أوصلوا جيلنا إلى المستوى الجامعي وما فوق الجامعي، فالأمية ليست تعليمية، لكنها أمية الدور الذي يلعبه الأب في المنزل، فمن الممكن أن يكون الأب متعلمًا وحاصلاً على أعلى الدرجات العلمية، لكنه أميّ في التعامل مع أهل بيته، وهذا هو الخطر الحقيقي.

20