الترجمات الكبرى تعود إلى الظهور في المكتبة العربية

الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي حفر عميقا في رأسمال القيم الجمالية والشعورية لدى القارئ العربي من خلال نقله "الحر" لنصوص سردية أوروبية، شكلت أرضية لأدبائنا وقرائنا.
الأحد 2018/02/25
الترجمات الحرة صنعت الوعي الأدبي السردي العربي الحديث (لوحة: أحمد عبدالعال)

تحتفظ ذاكرة القارئ العربي باسمين خالدين في الترجمة الأدبية السردية وهما اللذان زحزحا تقاليد القراءة الإبداعية وأثرا بشكل جوهري في صياغة الذوق الفردي والجماعي لمجتمع النخب العربية والأدبية منها على الخصوص على مدى القرن العشرين تقريبا وأقصد بهما: مصطفى لطفي المنفلوطي (1876-1924) والدكتور سامي الدروبي (1921-1976).
لقد حفر الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي عميقا في رأسمال القيم الجمالية والشعورية لدى القارئ العربي من خلال نقله “الحر” لنصوص سردية أوروبية، شكلت أرضية لأدبائنا وكتابنا وقرائنا. لقد أسس مصطفى لطفي المنفلوطي انقلابا في ما يمكن تسميته بـ”إمتاع” القراءة نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
وأعتقد أن جميع الروايات والقصص التي ترجمها مصطفى لطفي المنفلوطي تتلخص في:
“في سبيل التاج” لفرانسوا كوبي “بول وفرجيني- الفضيلة” لبرناردين دو سان -بييرالشاعر – سيرانو دو بيرجوراك” لإدموند روستان ” ماجدولين أو تحت ظلال الزيزفون” لألفونس كار Sous les tilleuls: Alphonse Karr
 جميع هذه الترجمات الحرة أو الاقتباسات المفتوحة هي التي صنعت الوعي الأدبي السردي العربي الحديث، والغريب أن مصطفى لطفي المنفلوطي لم يكن يعرف الفرنسية، ولكنه كان ذكيا عارفا بعمق الشعور الجمعي العربي، أو على الأقل المصري، ويروى أنه لجأ إلى أحد معارفه من العائلة والذي يبدو أنه كان يعرف الفرنسية، وكان يطلب منه أن يروي له، على جلسات، تفاصيل قراءاته في الأدب الروائي الفرنسي. 
يستمع المنفلوطي إلى “راويه” ويأخذ ملاحظاته بدقة، ويسجل أسماء الشخوص الروائية وتصاعد الحبكة وتشبيك الحكاية، ومع نهاية الجلسات، يكون المنفلوطي قد بنى الرواية بمخيال شرقي، وركّب تفاصيلها على شخوص وشخصيات تستند إلى قيم سردية شرقية. وهكذا جاءت “الفضيلة” و”سيرانو دو برجوراك” و”ماجدولين” و”في سبيل التاج” امتدادا لأسلوب ألف ليلة ولية.
ولقد كان شهر رمضان الذي كان شهر فرح وإخاء ومودة وسهر وسمر، وكانت العبادة فيه هي هذه العلاقات الإنسانية المتميزة بالمودة وبدين متسامح، دين للفرح والبهجة والأدب والقراءة، كان هذا الشهر الديني من العوامل التي ساهمت في رفع منسوب الترجمة الأدبية إلى العربية، لأن العامة كانت تريد أن تقرأ حكايات للتسلية ولكن أيضا للتعرف على قيم شعوب أخرى.
ولعل الكثير من دور النشر والمجلات التي كانت ذائعة الصيت كانت تبرمج نشر روايات في رمضان بشكل استثنائي، لأنها تدرك أن القارئ ينتظر مثل ذلك، ربما لتجزية الوقت ولكن في الوقت نفسه لتعلم أشياء من ثقافات أخرى.

كان القارئ العربي يحترم المترجم المثقف الذي نذر حياته للترجمة في ظروف لم تكن هيّنة ولا سهلة لا اجتماعيا ولا سياسيا ولا تكنولوجيا، وانطلاقا من هذا الإحساس الحضاري كان ينتظر صدور الترجمات بكثير من الشغف

فشهر رمضان الذي حولته الجماعات الإرهابية في الكثير من الدول العربية إلى موعد للقتل وتنفيذ الاغتيالات في المثقفين والفنانين والجامعيين ومنتجي القيم والخيرات الفكرية والجمالية، كان في عهد مضى شهر المنافسات على ترجمة الروايات وعلى بذر خيرات متعة القراءة.
بعد تجربة المنفلوطي في إنشائه السردي الترجمي انتقل القارئ العربي إلى تجربة جمالية أخرى، من الخمسينات حتى نهاية السبعينات، ومع ترجمات الناقد والدبلوماسي السوري الدكتور سامي الدروبي (1921-1976) بدأت تهتز وبشكل واضح تقاليد القراءة وأيضا الذائقة الفردية والعامة التي تتعامل مع السردية العربية الجديدة.
 فترجماته “الأعمال الكاملة لدوستويفسكي” (12 مجلدا) و”السيرة الذاتية: الطفولة- المراهقة-الشباب” و”الحرب والسلم” (أربعة مجلدات مع صياح الجهيم) و”أقاصيص سيباستوبول” لليو تولستوي و”الدار الكبير- النول- الحريق” ثلاثية محمد ديب وغيرها من كتب الفلسفة وعلم النفس.
كان مشروع الدكتور سامي الدروبي عاملا أساسيا في انقلاب تقاليد القراءة العربية، كانت حدثا أدبيا مثيرا ونافذة أساسية لجيل كامل متعطش لمعرفة الآخر والاطلاع على ما يشغله من قيم وأفكار وقناعات سياسية وأخلاقية وجمالية وأدبية، وكانت النخب تؤمن بأن انخراطها في العالم يمر بالأساس من خلال الأدب وأساسا بالرواية.
كان القارئ العربي يحترم المترجم المثقف الذي نذر حياته للترجمة في ظروف لم تكن هيّنة ولا سهلة لا اجتماعيا ولا سياسيا ولا تكنولوجيا، وانطلاقا من هذا الإحساس الحضاري كان ينتظر صدور الترجمات بكثير من الشغف، والكثير من القراء كانوا يحجزون نسخهم مسبقا، بمجرد أن يقرأوا خبرا عن قرب صدور رواية أو جزء من رواية.
كانت ترجمات سامي الدروبي لتولستوي ودوستويفسكي وغيرهما، مشروعا حضاريا كبيرا، وكان القارئ على موعد وبلهفة مع صدور كل جزء، ويتلقف أنباء عن سلسلة الترجمات وصدور الأجزاء.
وإذا مجتمع القراءة في العالم العربي قد مر بفترة صمت ثقافي تجاه ترجمات سامي الدروبي، ومقاطعة قراءة الروايات الضخمة، كالحرب والسلم أو آنا كارنين أو الجريمة والعقاب.. لفترة تجاوزت الربع قرن، وبالتالي توجه القارئ العربي إلى الكتب الدينية الأيديولوجية المتطرفة، وذهابه أيضا لقراءة واستهلاك كتب ثقافة الفاست-فود-أدب، فالملاحظ، وذلك من خلال معرض الكتاب الدولي في الجزائر، ولدى الكثير من المكتبات العمومية، أن هناك عودة لقراءة مثل هذه الروايات المترجمة التي هي تسجيل تاريخي لمحنة الفرد في صراع التاريخ، هي روايات تكتب تاريخ العاطفة الإنسانية المهددة من قبل الحروب والقمع والاستبداد والمليئة في الوقت نفسه بالحلم والتوقان إلى بناء عالم الخير والرفاهية والحب والعدالة.
بعودة روايات تولستوي ودوستويفسكي إلى فضول القراءة، هل دخلنا في منطقة جديدة من مناطق مناخ القراءة في العالم العربي والمغاربي، ربما؟

10