الترجمة بين الأمانة والمقروئية

ترجمة النص الأدبي تخضع لكيفية تعامل المترجم من حيث محافظته على النص الأصلي في بنيته وأسلوبه ولغته أو التصرف فيه وتطويعه لذائقة المتلقي.
الخميس 2019/06/27
المترجم حامل رسائل مختلفة (لوحة للفنان بسيم الريس)

تثير الترجمة، رغم أهميتها، الكثير من الأسئلة من قبيل هل نترجم النصّ كما هو أم نجمّله؟ هل نحافظ على أسلوب الكاتب أم نبسّطه لنضمن وضوحه ومقروئيته؟ هل تجوز أَقْلَمة الأصل لجعله مناسبا للفضاء اللساني المتلقي؟ ألا نكون بذلك قد خنّا النص والكاتب معا؟ وإذا سلّمنا جدلا بألا محيد عن الخيانة في بعض الحالات، فما مقدار ما يسمح به من خيانة حتى لا يغدو النص مسخا؟

يشترط في المترجم امتلاك اللغات التي يتوسل بها امتلاكا تامّا، ولكن ينبغي عليه أيضا أن يكون عارفا بالروح التي تسري في كل واحدة منها وتمنحها الحياة، ملمّا بالتاريخ الذي صنَع الألفاظ المتداولة اليوم، واعيا بالعلاقات المعقدة التي تصل بعضها ببعض، عليما بما يقابلها في منطق اللغة الأخرى وواقعها،لأن الزاد اللغوي لا يني يتطور، ويُدمج ألفاظا من أصول أجنبية تأخذ مسارا مغايرا في بيئتها الجديدة، وتنأى بها عن معانيها القاموسية، فتحيل في أذهان المترجمين على معانٍ غير التي عهدوها.

الترجمة والنص الأصلي

ولما كانت حياة أيِّ عمل ترجميّ مرهونة بعبورها حدود ثقافة الأصل ودخولها في اللغة الهدف، فإن المترجمين يختلفون في التعامل مع النص الذي يُقبلون على ترجمته. منهم من يسعى جهدَه للمحافظة على النص الأصلي في بنيته وأسلوبه ولغته، أيّا ما تكن تعقيداته، ومنهم من يتصرف فيه فيطوعه لذائقة المتلقي في اللغة الهدف كي يضمن مقروئيته، بدعوى أن الإبقاء على النص موضوع الترجمة كما هو قد ينفّر القارئ، بل يوهمه بأن ذلك تقصيرٌ من المترجم.

المترجمون يختلفون في التعامل مع النص الذي يُترجمونه؛ منهم من ينتصر للأصل وآخرون يرون أنه اختلاف عنه

من ذلك مثلا ما عاشه أندري ماركوفيتش عندما قرّ منه العزم على إعادة ترجمة أعمال دستويفسكي، بعد أن لاحظ أن من سبقوه غيّروا لغة الكاتب الروسي وأسلوبه، فهذبوهما ليكونا مناسبين لذائقة القارئ الفرنسي، والحال أن الرجل كان يكتب بعنف، ويكثر من التكرار، ولا يعبأ بالبنية الصرفية. ورغم أن ماركوفيتش أقام الدليل على أن المترجمين تعمّدوا خيانة نصوص الكاتب الروسي وحرّفوا بعض أحداثها لجعلها “مقروءة” على حدّ زعمهم، فقد برز من النقاد من صرّح أنه لم يستطع مواصلة قراءة ترجمة ماركوفيتش لرواية “الأبله”.

والسبب يكمن في المسافة اللسانية بين لغات الأمم المختلفة، ويكمن أيضا في صعوبات أدبية صرف تتعلق بالطريقة التي صيغ بها هذا النص أو ذاك في لغته الأصلية، وغالبا ما يجد المترجم نفسَه منساقا إلى رغبة إدخال ذلك النص في إطار أولويّاته الأدبية، أي أقلمة النص الأجنبي لجعله متماهيا مع الثقافة المتقبلة. هذا الاختيار يسمح لا محالة بتقريب النص من ذائقة القارئ، وتيسير قراءته، ولكنه يُفقِد كلّ ما يمكن أن يَصدمَ قناعة ذلك القارئ، ويقودَه إلى اكتشاف كتابة تختلف اختلافا جذريا عمّا اعتاد عليه، وتُخلخل ما استقر في ذهنه من مفاهيم.

وهذا ما بيّنه مترجم آخر هو الفرنسيّ ديديي شيش، المتخصص في ترجمة الأدب الياباني إلى الفرنسية، فقد لاحظ تجنّي المترجمين الفرنسيين والإنكليز على رواية “شمس غاربة” لدازاي أوسامو (1909-1948)، إذ أخضعوها للمفهوم الغربي للرواية وذائقة القارئ الأوروبي، وتجاوزوا عن كثير من خصوصياتها كعمل يرجع بالأساس إلى ثقافة معينة هي الثقافة اليابانية، التي تتميز بالراهنية (genzaishugi)، تستوي في ذلك لغتها وفنونها وآدابها.

فالثقافة اليابانية، كما يقول، تقوم على طريقةٍ لمقاربة العالم تؤثِر قوة الانفعال والتأثر الآن وهنا، لأن الزمن في نظر اليابانيين ليس انسيابا متواصلا بل هو سير متقطع، وتتابُع بُرُهاتٍ حاضرة، ومتتاليةُ آنٍ متلاحقة لا يمكن بلورتها في حكاية. فالعالم عندهم لا يُدرَك مباشرة بكيفية تركيبية، بل من خلال تشتت يتبدى للوعي شيئا فشيئا ولو بكيفية مضطربة. أي أن الكاتب الياباني ينطلق من صفحة الأشياء ويتوقف عند عناصر متفرقة هي لحظات راهنة في ذهن المتلفظ، ما يعني أن اللغة اليابانية هي لغة تَشظٍّ أصليّ، تفضل إدراك المباشر، فلا ماضيَ فيها ولا مستقبلَ كما هو موجود في كثير من اللغات الأخرى، لأن الزمن النحوي عادة ما يُعبَّر عنه بألفاظ تعكس ردود الفعل الحاضرة أمام أحداث الماضي أو المستقبل.

وهو ما يفسر الطابع المفكك لكثير من السرود اليابانية التي تروي لحظات متجاورة أكثر من كونها مرتبة، ما يعطي انطباعا بأننا إزاء لفافة مصوَّرة تحوي مشاهد موضوعة جنبا إلى جنب، كتعاقب لحظات راهنة تعادل إحداها الأخرى، يشار إليها، كما في الهايكو، بعبارات تحيل على الفصول تسمى كيغو (kigo) لا تضع الأحداث في كرونولوجية محددة، بل تشير إلى عَود أبديّ للحاضر، ما يجعل فكرة راو عليم يعطي العملَ وجهتَه وتناسقَه معدومة، وينأى بها عن مفهوم الرواية كما يتصورها الغرب، لأن تصوّر الزمن ليس نفسَه.

تفاصيل مهمة

عملية‭ ‬الترجمة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬مشهد‭ ‬الإبداع‭ ‬الأدبي (لوحة: عبدالله محمد الطيب)
عملية الترجمة في قلب مشهد الإبداع الأدبي (لوحة: عبدالله محمد الطيب)

ومن مظاهر أقلمة النص الأجنبي وإخضاعه للثقافة المتلقية، ولو قسرا، ما أسماه كاظم العلي أستاذ نظريات الترجمة بجامعة البصرة “التكافؤ بالاختلاف”، ومفاده أن الفعل الترجميّ لا يتحقق على أكمل وجه بالتشابه الشكلي بل بالاختلاف، ويضرب مثلا على ذلك بيتا لشكسبير هو “Shall I compare thee to a summer’s day” (هل ينبغي أن أشبّهك بيوم من أيّام الصّيف؟) عرّبه يوئيل عزيز بـ“إلى أيّ يوم من أيام الربيع أشبّهك؟” فاستحسنه الأستاذ العلي بحجة أن “الصّيف الإنكليزي المعتدل الجميل لا يعادله صيفنا الحار البغيض”. ويضيف في نفس السياق “وحتى يشتغل التعبير “كحامل التمر إلى البصرة” في الإنكليزية، يجب أن يتحول التمر إلى الفحم والبصرة إلى نيوكاسل”، فيغدو ذلك المثل العراقي بقدرة قادر “كحامل الفحم إلى نيوكاسل” (Carrying coal to Newcastle).

ولنا أن نتساءل هل يعيش شكسبير في بلاد الرافدين حتى نغيّر بيته؟ وهل يقيم البصريّ في بريطانيا كي يستعمل المثل الإنكليزي أعلاه؟ ألم يكن من الأفضل الإبقاء على الأصل وشفعه بهامش يشرح، لمن لا يعلم، فارقَ المناخ بين البلدين، واستنادَ الأمثال الشعبية إلى الواقع المحلي الذي نتجت فيه؟ هل يغيّر المترجم وصف بورخس أو خوليو كورتاثر أو أدولفو بيوي كاساريس للبرد القارس الذي يلمّ ببوينس آيرس في شهري يونيو ويوليو من كل عام، إرضاء لقارئ عربي يعاني القيظ في ذَينك الشهرين؟ أم يلتزم الأمانة، ثم يورد في الهامش أن أشهر الحرّ في تلك المدينة هي ديسمبر وينايروفبراير؟

وهل يصح مثلا أن نترجم العبارة الفرنسية “une nouvelle qui lui fit chaud au cœur” (حرفيّا: خبر دفّأ قلبه، بمعنى أفرحه، أسعده) بـ”خبر أثلج صدره”، دون مراعاة الفرق بين سعي الغربي إلى الحرّ وضيق العربي به حدّ تمني الثلج في بلدان تسمع به ولا تراه؟ فنقع في ما وقع فيه بشارة الخوري حين قال “فحرقنا نفوسنا في جحيم من القبل”، والحال أن العربي ينشد في القُبلة بردا ورضابا لا نارا موقدة”. يقول بشّار بن برد “تُريك في القول جَشّابا وإن ضحكت/ أرَتْك من ثَغرها المثلوج جشّابا”، فهو يشبّه الثغر بقطر الندى في صفائه ونظافته وتبرّده، مثلما يشبّهه بالمشرب الذي يقصده المرء للارتواء في قوله “فلستُ بناسٍ من رُضابِكِ مَشربا/ وقد حانَ مِن شمسِ النّهار غُروبُ”، أو قوله “وثغرٌ باردٌ عَذبٌ/ جرى فيهِ الأعاجيبُ”.

قد تبدو تلك كلُّها تفاصيل، ولكن إهمالها أو تحريفها للأسباب التي بيّنّا تحيد بالأصل عن معناه. لذلك حذّرنا الجاحظ من عمل المترجمين، حين قال “فإنّا نوجِدكم من كذبِ التراجمة وزياداتهم، ومن فسادِ الكُتّاب من جهة تأويل الكلام، ومن جهة جهلِ المترجم بنقل لغة إلى لغة”.

15