الترجمة شرقا وغربا، من الوعي الذاتي إلى الوعي بالآخر

الأحد 2014/02/09
تخطيط: ساي سرحان

في مقاله ” عرب وشرقيون في لحظة وجودية فارقة “، العرب 5-1-2014 ” طرح الشاعر نوري الجراح جملة من الأسئلة الصحيحة ذات إغراء بالحوار. من هذه الأسئلة السؤال حول العرب والآخر.

ولعمري إن وعي هذه العلاقة في تطورها، ووعي العلاقة ذاتها مسألة تلقي بظلها على مستقبل الوجود الذاتي.

وآية ذلك أن الوجود الذاتي للعرب ووعي هذا الوجود وطبيعته لم ينفصل عن الآخر بل وهو الذي سيحدد شكل العلاقة ومدى فاعلية الآخر و استمرارها. دعوني أحدد أولاً على المستوى الفلسفي مفهوم الآخر في تعينه العام والخاص.

الآخر نمط من الوجود الإنساني تنظر إليه جماعة أو أمة أو قوم على أنه آخرها، وتقيم معه علاقة ما فيها حظ من الترابط. وبهذا المعنى ليس كل وجود إنساني متعين هو آخر.

فمنغوليا مثلاً هي وجود إنساني ( سياسي – اجتماعي – أخلاقي – اقتصادي – فكري – عسكري ) ليست آخر بالنسبة إلى العرب. الآخر هو من تقيم معه علاقة عداء أو ودّ أو حاجة أو تأثير متبادل أو تأثير من جانب واحد أو إعجاب أو احتقار إلخ.

تأخذ العلاقة هنا شكل علاقة بين ذاتين كل منهما آخر وذات معاً. إذا تحدثنا الآن عن سكان البلدان العربية بكل أقوامهم وتعدد أديانهم ومذاهبهم سنجد أن نمطي الوعي بتحديد الآخر وبه، أقصد النمط الشعبي والنمط النخبوي متقاربان جداً من حيث الماهية رغم اختلاف السلوك.

من هو آخر العرب؟ لا نريد العودة إلى التاريخ القديم، لقد استيقظ العرب في عصر النهضة على آخرين يخترقان عالمهما اختراقاً عظيماً: الآخر التركي والآخر الغربي.

مع هذين العالمين تشكل الوعي العربي بالآخر ولأول مرة على شكل وعي مكتوب. فإن القرن التاسع عشر شهد الوعي – الموقف من آخرين سيحدّدان مصيره اللاحق. فحين انهارت رابطة الدولة العثمانية ونشأت النزعة الطورانية ومن ثم النزعة القومية العربية انتصب التركي والغربي معاً كآخرين. التركي المهيمن والغربي المخلص. التركي الذي حال بين العرب وتقدمهم والغربي المتقدم وطريق التقدم معاً.

كان من الطبيعي أن يكون الآخر – الغرب مصدر إلهام بالنسبة إلى المثقف العربي الذي اعتقد بكل بساطة أن تقدمه ثمرة أفكار فحسب فراح يعب من الأفكار ويترجم.

ففي الوقت الذي راح الغرب يدخل شيئاً فشيئاً عالم المدينة الشرقية: القاهرة، الإسكندرية، حلب، دمشق، القدس، يافا، بيروت بوصفه نمط حياة النخبة وراحت النخبة المثقفة تترجم إبداعات الغرب. ليس مصادفة أن يترجم فتحي زغلول ” شقيق سعد زغلول ” كتاب آدمون ديمولان ” سر تقدم الإنكليز السكون ” وسر تقدم الأمم لجوستاف لوبون.

سر التقدم، تلك هي المسألة. وذلك هو السؤال: كيف تقدم الغرب؟ الجواب عن هذا السؤال قائم في تجربة الغرب، التجربة التي اعتقد العربي أنه قادر على إنتاجها بمجرد أن يتعرف عليها. لقد ظلت لعنة هذا الاعتقاد مستمرة حتى يومنا هذا.

ولو تتبعنا سيرة الترجمة بوصفها سيرة وعي بالغرب وبالذات لوجدنا أنه ما من مفكر – فيلسوف أو أديب أوروبي ذي شأن كبير أو أقل شأناً لم يحضر في العربية مُتَرجَماً.

ويبدو لي أن زاد العربي الفكري كان أقل من أن يساعده على إيجاد أجوبة عن أسئلته المعيشة، فراح يطرح على الغرب أسئلته الممضّة.

أجل حددت الأيديولوجيا بوصفها وعياً ذاتياً بالمستقبل المتَرجم فكرياً أو أدبياً وهي إذ حددت ماذا ستأخذه من الغرب حددت الغرب أيضاً.

لو تأملنا الترجمة بوصفها وعياً ذاتياً بالآخر – الغربي لوجدنا مونتسيكو، وأوغوست كونت، و روسو، وغوستاف لويون، وميكافيلي، وديكارت، وإسبنيوزا وهيغل وماركس و دارون ثم سارتر وكامو وهيدجر ومونيه وراسل و فرويد وقس على ذلك.

وفي الرواية سنجد ديكنز وهمنغواي ودوستوفسكي وتولستوي ومن ثم ألبيرتو مورافيا وقس على ذلك أيضاً.

في النقد الأدبي ترجمت البنيوية والواقعية والاشتراكية والتفكيكية فضلا عن ترجمة كتب المستشرقين من بروكلمان حتى جاك بيرك.

الغرب مصدر الأفكار الضرورية لتقدم الشرق العربي.

الغرب عقد اجتماعي وقانون وعلم وعدالة وتطور وحرية وسلم وإبداع ومناهج بحث في العلوم الإنسانية والنقد الأدبي هكذا نظر إلى الغرب.

هذا الوعي بالغرب عبر الترجمة هو في الوقت نفسه وعي بأن العرب بلا عقد اجتماعي، بلا قانون بلا…. كل ما ترجم من أفكار.

إن هو وعي يريد عبر تعرّفه على أدب المتقدم أن ينتج أدبه الشبيه بأدبه الواقعي والمعقول واللامعقول، حتى أن حركة التجديد الشعري ” شعر التفعيلة رُدّ إلى أثر الشعر الإنكليزي ورومانسية مدرسة أبولو رُدت إلى رومانسية الشعر الفرنسي.

ولقد ترتب على ذلك أن التأليف نفسه صار تأليفاً مترجماً. وحين انتصب الاتحاد السوفيتي قطباً عالمياً تحول السوفيت وحلفاؤهم إلى آخر – مُعلم لدى المثقف الشيوعي أو الماركسي فترجم لينن وستالين وترجمت الروايات السوفيتية استروفيسكي بولغاكوف، شولوخوف وترجم شعر رسول حمزاتوف، وعندما زال الاتحاد السوفيتي لم تعد جمهورياته المستقلة آخر، حتى روسيا لم تعد آخر، ولم يعد أحد يكترث لكتب المادية التاريخية والمادية الجدلية وتاريخ الماركسية والشيوعية العلمية.

هذا يدل على أن الوعي الأيديولوجي بالاتحاد السوفيتي الذي هو – كما قلنا – وعي بالواقع قد مات وماتت معه الحاجة إلى روسيا.

وقس على ذلك اليابان التي لم تشكل آخر بالنسبة إلى العرب إلا بوصفها قوة اقتصادية. فراح العرب يبحثون عن سبب النهضة الأوروبية وبعد تحولها إلى حاضرة في الحياة.

راحت الترجمة عن اليابانية تشق طريقها إلى العربية وبخاصة الرواية، ولكنها لم تجد حضورها لدى القارئ العربي. من يعرف أسماء: ساسواكا، و رواية البشارة، وهاروتي مرداكامي و روائعه “جنوب الحدود” و”غروب الشمس″… إلخ ( هناك عدة روايات ترجمت أخيراً).

أما الهند والتي لم تشكل آخر حديثاً للعرب فما خلا طاغور والأفلام فليس هناك علاقة ترابط مع الهند.

ولسائل أن يسأل لماذا دخل الأدب الأميركي – اللاتيني عالمنا؟

إنها اللغة أولاً والتي حولت الأدب الأميركي – اللاتيني إلى أدب عالمي ومن ثم إن أميركا اللاتينية كانت الشبيه قبل أن تتجاوز دكتاتوريتها. وهناك تأكيد ما ذهبنا إليه حيث الآخر الغربي هو الآخر الذي يدخل وعينا ووجودنا الروحي ونمط حياتنا أقصد ما يدرس في أقسام الأدب العربي والتاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع والأدب الإنكليزي والأدب الفرنسي. ففي جميع أقسام التاريخ تقريباً في الجامعة العربية يدرس الطالب تاريخ اليونان وتاريخ الرومان وتاريخ البيزنطيين وتاريخ أوروبا في القرون الوسطى وتاريخ أوروبا الحديث وتاريخ أوروبا المعاصر وتاريخ أميركا.

ولكن ليس هناك مقرر مستقل لتاريخ الهند وتاريخ الصين أو تاريخ اليابان أو تاريخ إيران الحديث والمعاصر وإذا ذكرت تركيا تذكر في مقررات الإمبراطورية العثمانية. وقس على ذلك ففي مقرر تاريخ الآداب العالمية – في أقسام اللغة العربية لا يدرّس إلا الأدب الأوروبي ومناهج النقد الأدبي الأوروبي.

أما في أقسام الفلسفة فحدث ولا حرج. حيث جل مقررات الفلسفة هي أوروبية – أميركية. أسس قسم اللغة الإنكليزية وقسم اللغة الفرنسية مع تأسيس الجامعات العربية، فيما أن تأسيس أول قسم للغة اليابانية في القاهرة كان عام 1974 وفي دمشق عام 2010. وقس على ذلك في أقسام الكليات الأخرى.

بقي أن أقول: إن قانون ابن خلدون مازال فاعلاً في إطار العلاقة الأوروبية – الأميركية العربية، حيث الضعيف مولع بتوليد القويّ وترجمته، المتخلف مولع بتقليد المتقدم ولهذا فهو لا يجد نفسه مولعاً بالتعرف على الشبيه الهندي والتركي والإيراني. ومازال الأمر على هذا النحو حتى هذه اللحظة من التاريخ ولسنا ندري متى ينشأ الوعي الذاتي تأسيساً على الذات نفسها لا على وعي الآخر.

11