الترجمة نشاط ثقافي وسياسي جماعي وليست مهنة فردية

"مكتوب" مشروع يناهض الاستعمار بترجمة الأدب العربي إلى العبرية.
الجمعة 2021/06/25
الترجمة أداة ثقافية – سياسية

أكدت هيئة تحرير مشروع "مكتوب" المتخصص في ترجمة الأدب العربي إلى اللغة العبرية على أهمية الترجمة كفعل ثقافي وسياسي في مواجهة الاستعمار والمغالطات التاريخية وغيرها. وهو ما تستمر فيه بشكل جماعي، رغم الجدل الذي يثار حول الترجمة إلى العبرية، من دون أن يكون أصحابه ملمين بالتفاصيل والأهداف. في ما يلي حوار مع هيئة تحرير مشروع "مكتوب" مع مجلة بانيبال التي تصدر باللغة الإنجليزية، في حديث حول أهم قضايا الترجمة.

لندن - نشرت مجلة بانيبال في العدد رقم 70 ربيع 2021 مقابلة مع هيئة التحرير المشرفة على مشروع مكتوب لترجمة ونشر الأدب العربي بالعبرية في حديث لتوضيح الكثير من النقاط الهامة حول الترجمة الأدبية من العربية إلى العبرية والتي تشوبها عدة مغالطات.

بداية يتطرق في الحديث مع هيئة تحرير “مكتوب” عن أهمية هذا المشروع وأسباب اختياره لترجمة الأدب العربي إلى العبرية، حيث يبين القائمون على المشروع أنه مشروع ثقافي مستقل مُخَصَص لترجمة وإتاحة الأدب العربي إلى اللغة العبرية، تأسس في العام 2016 بمبادرة مشتركة لشخصيات ثقافية فلسطينية ويهودية مناهضة للاستعمار.

وأضافت هيئة التحرير “يرى مشروع مكتوب أنه بترجمة وإتاحة الأدب العربي والفلسطيني إلى قراء العبرية مقاومة لنظام الفصل والعلاقات الاستعمارية بين اليهود والفلسطينيين، وبضمنها واقع الأبرتهايد اللغوي حيث أن 99 في المئة من اليهود الإسرائيليين لا يستطيعون قراءة نص أدبي بالعربية، وأقل من 1 في المئة من الكتب المترجمة للعبرية هي كتب عربية، وحيث يسود مبنى القوة الاستعماري على العلاقة بين اللغتين، وتهيمن النظرة الاستشراقية الإسرائيلية تجاه الثقافة والمنطقة العربية، ويقوم الإعلام الإسرائيلي بالتحريض الإعلامي والعنصري والتقديم السطحي لها، وحيث يتم إنكار التاريخ الفلسطيني والنكبة في المناهج الدراسية والمؤسسات الأكاديمية”.

الترجمة ليست فردانية

ينظر مشروع مكتوب إلى الترجمة كنشاط ثقافي وسياسي جماعي، وليس كمهنة فردانية محايدة و”شفافة”، وكفعل في العالم يسعى إلى تغييره.

مشروع "مكتوب" يسعى للوصول إلى نطاق أوسع من جمهور القراء، لتعزيز التحدي الثقافي – السياسي الذي تثيره الكتب

وتتم الترجمة في مكتوب من خلال نموذج خاص يميزها عن كل مشاريع الترجمة الأخرى، وهو نموذج ثنائي القومية وثنائي اللغة، بحيث يأخذ المحررون والمترجمون الفلسطينيون، الذين يجيدون اللغة العبرية، دورا مركزيا في المشروع بكل مراحله. كما أن نموذج عمل مكتوب يدمج “الصوت” في سيرورة الترجمة، ويعتمد أسلوب نقل حرفي للكلمات العربية بالعبرية مختلفا عن أساليب النقل الحرفي السائدة، وهي أساليب استعمارية تم اعتمادها لكي تلائم “الأذن” اليهودية الغربية.

وتتكون هيئة التحرير المصغرة من المحرر الرئيسي يهودا شنهافشهرباني (عالم اجتماع نقدي معروف ومناهض للاستعمار ومناصر للقضية الفلسطينية، مترجم وكاتب مؤلف كتاب “اليهود العرب”)، والمحرر المساعد الكاتب والمترجم إياد برغوثي، والمحرر المساعد يوني مندل (الباحث في علم اجتماع اللغة والمعارِض للمفاهيم الاستشراقية بتدريس اللغة العربية) والمترجمة كفاح عبدالحليم ومركزة التحرير حنان سعدي.مشروع سلسلة مكتوب، كما تذكر هيئة تحريره، هو مشروع ثقافي مستقل غير تجاري ولا يتوخى الربح، ولا تربطه أدنى علاقة مع أي جهة رسمية أو حكومية. فيما يُرصد ريع مدخولات الكتب المترجمة لتمويل ترجمة وإصدار كتب إضافية، من العربية إلى العبرية، ومشاريع ثقافية فلسطينية محلية.

وحول ما إذا كان “مكتوب” دار نشر أم سلسلة كتب تصدر عن ناشرين مختلفين، تقر هيئة التحرير أنه سلسلة كتب، وأن كل القرارات وسيرورة العمل حول الكتب تُتخذ وتنفذ من قبل هيئة التحرير المصغرة بصورة مستقلة ومهنية تماما، من اختيار الكتب، وإجراء المراجعات، والتحرير، وحقوق النشر وحتى إنتاج الكتاب، كما تتم الاستعانة بعدة دور نشر بالأساس من أجل توزيع الكتاب على المكتبات وجمهور القراء.

ترجمة وإتاحة الأدب العربي والفلسطيني إلى قراء العبرية مقاومة لنظام الفصل والعلاقات الاستعمارية بين اليهود والفلسطينيين
ترجمة وإتاحة الأدب العربي والفلسطيني إلى قراء العبرية مقاومة لنظام الفصل والعلاقات الاستعمارية بين اليهود والفلسطينيين

نتطرق إلى أبرز العناوين التي أصدرها المشروع حتى الآن، ليقر مسيروه أنهم منذ العام 2017 أصدروا ما معدله أربعة كتب سنويا، أبرزها مجموعة من الترجمات لأعمال أدبية روائية وقصصية، فلسطينية وعربية، ذات صلة بالسردية التاريخية الفلسطينية والعربية في السياق الاستعماري، وهي “زمن الخيول البيضاء” لإبراهيم نصرالله، “أولاد الغيتو – اسمي آدم” و”نجمة البحر” و”مجمع الأسرار” لإلياس خوري، “ذاكرة الجسد” لأحلام مستغانمي، وقصة الأطفال “الأولاد يضحكون” لزكريا تامر.

كما أصدروا كتاب “الرسائل” لمحمود درويش وسميح القاسم، وكتاب “ماش على الريح” لسلمان ناطور (الكاتب الفلسطيني الراحل، وهو أحد مؤسسي سلسلة مكتوب)، ورواية “بردقانة” للكاتب الفلسطيني إياد برغوثي. ومن أهم إصداراتهم أيضا كان كتاب “بلسان مبتورة: أدب فلسطيني مترجم إلى العبرية” والذي يجمع ثلاثا وسبعين قصة من تأليف سبعة وخمسين كاتبا وكاتبة فلسطينيين من الداخل، ومن قِطاع غزة، والضفة الغربية والشتات الفلسطيني.

كما نشروا السنة الماضية ترجمة لرواية “شلومو الكردي وأنا والزمن” للكاتب اليهودي العراقي سمير نقاش.

كما أصدر مكتوب ترجمات لكتب ويوميات تاريخية أبرزها الكتاب الشهير “عجائب الآثار في التراجم والأخبار” لعبدالرحمن الجبرتي، وكتب “عام الجراد: الحرب العظمى ومحو الماضي العثماني من فلسطين – يوميات جندي مقدسي عثماني 1915 – 1916” الذي حرره الباحث الفلسطيني المعروف سليم تماري.

وفي الشعر صدرت عن مكتوب ترجمة لكتاب “اللزوميات – ديوان لزوم ما لا يلزم” لأبي العلاء المعري، وكراريس شعرية والمجموعة الشعرية “لا أملك إلا الأحلام: مختارات من الشعر الإيزيدي”. ولديهم كذلك مشروع “الكراريس”، المكرس لشعراء وكتاب فلسطينيين، والذي قدموا ضمنه كراسة شعر “لاجئة وحبل غسيل” للشاعرة رجاء غانم دنف، وكراسة قصص قصيرة جدا “روتين” لمحمود شقير، وكراسة “مسرحية أيام التنظيم” لأيمن كامل اغبارية.

تحد ثقافي سياسي

راوية بربارة، إياد برغوثي وحنّة كوشافي
راوية بربارة، إياد برغوثي وحنّة كوشافي

هناك بعض دور النشر في إسرائيل أصدرت أعمالا أدبية من دون الحصول على موافقة من المؤلفين، لكن هيئة تحرير مشروع مكتوب توضح أن لديها سياسة واضحة، بموجبها لا تتم الترجمة دون الحصول، على الأقل، على موافقة للترجمة من الكاتب أو الكاتبة أو ورثتهم.

وتضيف “نحن نعتقد أن الترجمة من دون الحصول على موافقة سرقة أدبية وجريمة ثقافية – سياسية، وقد أعلنا موقفنا الرافض لهذا الأمر في عدة أحداث تبين فيها أن دور نشر إسرائيلية سمحت لنفسها أن تترجم وتنشر نصوصا لكاتبات وكتاب عرب دون الحصول على موافقتهم على ذلك، وقد عارضنا هذه الإصدارات بشدة. نحن نعي الظروف والإشكاليات والنقاشات حول مسألة الترجمة إلى العبرية، ونحترم توجهات الكتاب والكاتبات ومواقفهم في حال رفضوا الترجمة، لكن تسرنا أكثر موافقة الكتاب والكاتبات على أن نترجم أعمالهم بعد أن يدركوا خصوصية مشروعنا وهويته وتوجهاته وأهدافه وأهميته السياسية والثقافية”.

وعن كيفية تعامل الصحافة الأدبية في إسرائيل مع هذه الإصدارات التي قدمها المشروع، وإن كانت قد نالت متابعات أو مراجعات في الصحف العبرية، توضح الهيئة أن غالبية إصداراتهم تحصلت على مراجعات في الصحف العبرية، ولاقت اهتماما في أهم الملاحق الثقافية والأدبية، مستدركة أن هناك كتبا حصلت على اهتمام أكثر من غيرها وكتبت حولها العديد من المراجعات، خصوصا كتاب “أولاد الغيتو” لإلياس خوري، وكتاب “بلسان مبتورة” و”عجائب الآثار في التراجم والأخبار” للجبرتي.

أم عن اهتمام القارئ الإسرائيلي بإصدارات مكتوب، فيشير القائمون على المشروع إلى أن هناك تفاوتا بين الكتب، إذ هناك كتب وصلت منها الآلاف من النسخ للقراء ولاقت نجاحا باهرا ومفاجئا، فيما كتب أخرى لاقت اهتماما أقل على مستوى القراء في العالم، لكنها لاقت اهتماما من قبل النخب الأكاديمية والأدبية والمهتمين بالدراسات التاريخية.

 ويسعى مشروع مكتوب في هذه المرحلة للوصول إلى نطاق أوسع من جمهور القراء، لتعزيز التحدي الثقافي – السياسي الذي تثيره هذه الكتب.

15