الترفيه في السعودية انعتاق ثقافي واقتصادي

الثلاثاء 2017/05/09
الحق في الحياة

ذات مرة، وبينما كان عالم الاجتماع الأميركي ريتشارد سينيت (وهو موسيقي أيضا) يقوم ببروفة على ثمانية شوبرت مع عازف الكلارينيت آلان روسبريدجر وجه الأخير ملاحظة لسينيت قائلا “أيها البروفيسور، نوتتك العالية قاسية”. ومع أن سينيت كان يعزف بشكل بارع إلا أنه اعتاد العزف منفردا، وحين وجد نفسه بين مجموعة عازفين يشكّلون هارموني واحدا ضاعت الحدود الصوتية التي يجب أن تكون عليها النوتة الجماعية.

وفي ما يخص إنشاء دور للسينما ودار للأوبرا في السعودية، تأتي تصريحات رئيس هيئة الترفيه السعودية مؤخرا وكأنه سينيت يعزف منفرداً. فالعمل ضمن الرؤية الإستراتيجية التحولية للبلاد كان محتاجا للكثير من الخطط الميدانية التي تراعي الطبيعة الاجتماعية المحافظة للسعوديين؛ فمن غير المتخيل أن نقفز على الواقع دون أن نفهم تركيبة بنيته السوسيولوجية والسيكولوجية التي أصبح عليها بعد هيمنة التيار الديني لأكثر من نصف قرن.

نتكلّم عن جيلين سعوديين تربيا على ثقافة “الحرام والممنوع”، وامتزجت عقولهما مع الخطاب الديني الشعبي المثخن بالتشدد وبالتطرّف، وبعدم الوسطية، وبمفاهيم عقدية متجذرة، مثل “الفرقة الناجية” و“الإسلام هو الحل”. هذا بالإضافة إلى تأثرهما بالصراعات الأيديولوجية المرتبطة بالإرهاب الإسلامي، ابتداء من زمن الصحوة وتشدد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وامتداد حركة الأفغان العرب في الداخل، مرورا بتشكّل تنظيم القاعدة، وانتهاء بداعش.

هذه التيارات المتطرفة المتتالية منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي، والتي عززت من خطاب التوحش في العقل الباطن الاجتماعي، كان لا بد من رصدها بعناية للوصول إلى صيغة يمكن فهمها وتفكيكها للعمل على تمرير المشروع الثقافي في نسيج المجتمع السعودي، دون أن يقع في التغير المفاجئ الذي ربما قد يلقى بعض المعارضة الشعبية.

ما تصنعه الهيئة مهم على الصعيدين الثقافي والاقتصادي، ولكن الخطيب يدرك أنه أمام تركيبة اجتماعية قبلية في منتهى التعقيد

لقد بات كل شيء جائزا ومباحا في لمح البصر، سواء داخل المنظومة الدينية أو خارجها، فالسينما والموسيقى والحفلات والأوبرا ستفتح أبوابها قريباً في السعودية. وأكثر من ذلك لدينا وعد من الهيئة بتوفير ترفيه يشبه بنسبة 99 بالمئة ما يحدث في لندن ونيويورك. وهنا أضع نفسي أمام احتمالين؛ إما أن رئيس الهيئة لا يعرف ما يحصل في لندن ونيويورك، وإما أنه يراهن على جهل الشعب السعودي بذلك. وكلا الاحتمالان مرّ.

ما يجعلني لا أعوّل على تصريحات رئيس الهيئة، وأعتبرها مجرد مونشتات حماسية لا أكثر ولا أقل، هو أنه لا أحد يعرف من أين يستقي أرقامه وإحصائياته، فهي تشعرني أنه يقولها من باب التفاؤل وحسن الظن؛ فأن تسمع منه أن أغلبية السعوديين “معتدلون”، وأنه يعوّل على الشريحة الوسطى منهم التي تمثل 80 بالمئة من السكان هو أمر غريب. من أين جاء بهذا الرقم؟

هذا الرقم يقدّم حكاية مختلفة عمّا تخبرنا به ردود الفعل الشعبية على فعاليات الهيئة، إما في الواقع الذي تشهده البلاد، وإما في مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن السؤال هو: هل التشدد أصيل في الكتلة الشعبية السعودية، أم أنه أمر عارض يمكن معالجته بالخطط الإستراتيجية طويلة الأمد؟

ما تصنعه الهيئة مهم على الصعيدين الثقافي والاقتصادي، ولكن الخطيب يدرك تماما أنه يحرق المراحل، وأنه أمام تركيبة اجتماعية قبلية في منتهى التعقيد، وأنه ليس بإمكانه أن يضع تاريخا محددا لقراراته المشروعة دون العودة للقرار السياسي الذي بيده تغيير المنظومة بأكملها بحيث تتوافق مع إيقاع النوتة الموسيقية بالكامل.

لدينا مجموعة مفارقات في المنظومة لا بد من العمل عليها؛ إذ من غير المعقول أن يتكلم مسؤول في هيئة الترفيه عن تدشين دار للأوبرا في حين لا تزال المؤسسة الدينية الرسمية والمناهج الدراسية وخطباء المساجد تلقن أطفالنا بأن الموسيقى والغناء والسينما حرام. مع ملاحظة أن كلا الخطابين رسميان.

ضمن هذا السياق يجب العودة إلى مقترحات سابقة كان قد وضعها رئيس الهيئة على طاولة مفتي المملكة في يناير الماضي أكّد فيها أن الهيئة لم تسمح للسينما بعد، وأنها ستعمل وفق ضوابط الشريعة في حال السماح بها. هذا بالإضافة إلى تصريحه الأخير، قبل أيام، بأن الإعلام فهم حديثه لرويترز خطأ، وأنه لم يعن ما تناقلته الصحف. لو تأملنا كل ذلك فسنكون ساعتها أمام معادلة مستحيلة الحل. فهل تريد الهيئة فعلا أن تنعتق من سطوة رجال الدين؟. ولو أرادت ذلك، هل ستستطيع؟

12