التركمان… الإسلام بوابة إلى المشرق العربي

الاثنين 2015/01/12
زحف التركمان لم يتوقف عند أفغانستان بل امتد حتى فلسطين

بغداد- تدرجت العشائر التركمانية في منطقة الشرق الأوسط لتحتل مكانة معتبرة بين الأقليات الإثنية في المنطقة، ولعبت دورا محوريا في حركة وقائع التاريخ التي مرت عليها.

والتركمان تسمية تطلق على فئات من أصول تركستانية متواجدة في عدة بلدان من آسيا الوسطى والشرق الأوسط، مثل العراق وإيران وسوريا وفلسطين.

وكان التركمان يشكلون في الأصل التاريخي القديم، جزءا من مجموعة الشعوب التركستانية (الناطقة باللغات التركية) المنتشرة في عموم منطقة وسط آسيا، التي تحدها الصين وإيران وأفغانستان وروسيا.

وبعد انتشار الإسلام بين هذه الشعوب، ومشاركتها الفعالة في الجيوش الإسلامية، بدأت تنتقل إلى بلدان الشرق الأوسط وبلاد القوقاز وتشكل جزءا من نسيج شعوبها، فتواجدت الجماعات الناطقة بالتركية في إيران والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين، بل إنها أصبحت غالبية ونشرت لغتها التركية في آذربيجان (الإيرانية والمستقلة) وكذلك في بلاد الأناضول التي أصبحت مقرا للدولة العثمانية ثم أطلق عليها تسمية “دولة تركيا”.

وفي سوريا يتوزع التركمان على مختلف القرى والمدن، وتجمعاتهم الأكبر في محافظات دمشق (جنوب) وحلب (شمال) واللاذقية (غرب) وحمص (وسط).

ويعتقد أن الأقلية التركمانية هناك، تشكل امتدادا للأقلية التركمانية في شمال العراق، وهي لا تختلف عنها كثيرا مع أنه من الصعب القول بوجود روابط وصلات بين التركمان عبر الحدود السورية-العراقية، حيث يرد أن قدومهم إلى المنطقة يسبق العثمانيين بقرون.

وترجع مصادر تاريخية زمن هجرة التركمان إلى الشرق الأوسط إلى أواخر القرن السابع الميلادي، حيث اندفعت القبائل التركمانية من موطنها في وسط آسيا غربا باتجاه المنطقة، واستقر قسم منها في إيران، وقسم آخر في العراق ومناطق من بلاد الشام، ليشغلوا بذلك خط التماس بين الدولة العربية الإسلامية والدولة البيزنطية وأماكن الثغور من شمال العراق وحتى شمال آسيا.

كثيرون يقولون إن الأدب العثماني ليس إلا أدب الترك الأوغوز الذين استقروا في آسيا الصغرى أيام العثمانيين

والتركمان أقرب إلى البداوة، وكانوا يعيشون في أوضاع قاسية، أما من اختلط منهم بعد هجرتهم بسكان البلاد الأصليين العاملين بالزراعة والفلاحة، فقد مالوا إلى الاستقرار والتحضر، وكان للفارق في المستوى الحضاري والمعيشي بين الحضر والبدو من قبائل التركمان أثر في خلافاتهم.

واشتهر التركمان بصنع الطنافس (نوع من الأنسجة) التركمانية، ولا تزال شهرتها إلى الوقت الحاضر، وتقوم النساء والفتيات بصنعها، كما كان التركمان من أحذق الناس بعمل اللبود لأنه لباسهم، وكانوا يصنعون سهامهم من العظام، نظرا لشح الحديد في أراضيهم، وليس للتركمان في تركستان زرع إلا الدخن، وكان غذاؤهم ألبان الإبل ولحومها، وأكثر ما يأكلون لحوم الصيد. وينظر إلى التركمان عموماً على أنهم رجال حرب ماهرون في الرماية من على ظهر الخيل، وكان القائد العسكري عندهم يعرف بلقب شباسي (أوشوباصي). ويقول الباحث التركي محمد مختار فاتح إنه قبل دخول التركمان إلى الدين الإسلامي كانوا شامانيين في القرن الرابع للهجرة.

والشامانية مذهب يقوم على الكهانة والسحر والاشتغال بالطب بالاستعانة بالقوى الفائقة للطبيعة، وكان واسع الانتشار بين القبائل البدوية التي تعيش في سهول آسيا وسيبيريا، وقد بقيت آثار الشامانية بادية بشكل أو بآخر في عقائد التركمان بعد إسلامهم، وذلك بتأثير الدراويش الجوابين والمتصوفة الذين نشروا الإسلام بينهم كالقلندرية والحيدرية وغيرهما، ومن ذلك أنهم أخذوا أسماء إثني عشر صنفاً من الحيوان سموا بها إثنتي عشرة سنة من سنينهم.

وظل التركمان بعد هجرتهم إلى آسيا الصغرى متأثرين بهذه الأفكار في حين انقرضت الديانات السابقة بينهم ولم يبق لها بقية إلا في بقاع قليلة.

وجاء الأوغوز الذين استقروا في آسيا الصغرى بجميع مأثوراتهم الأدبية. ويقول كثيرون إن الأدب العثماني ليس إلا أدب الترك الأوغوز الذين استقروا في آسيا الصغرى أيام العثمانيين.

من بين التركمان ظهر علماء في اللغات، كان من أشهرهم محمود بن الحسين الكاشغري الذي ألف أول معجم عربي تركي

ويقوم هذا الأدب، الذي استمر تطوره منذ عهد السلاجقة، على آداب لهجات أقدم منه، وظل متصلا بهذه الآداب في جميع عصور تطوره، وصار في القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي أهم فرع من فروع الآداب التركية وأغناها، وكان له أثر في آداب اللهجات الأخرى.

وكان الشعر من أبرز معارف التركمان، وجل شعراء القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من قبيلة غوكلن التركمانية، ويرجع ذلك إلى أنها قد أخذت في حياة الاستقرار قبل غيرها من القبائل، وفي طليعة هؤلاء الشاعر مخدوم قلي ووالده دولت محمد ملاَّ آزادي.

ويقول فاتح إنه ظهر من بين التركمان علماء في اللغات، كان من أشهرهم محمود بن الحسين الكاشغري الذي ألف أول معجم عربي تركي سماه “ديوان لغات الترك”، وقد أخذ معلوماته عن أنسابهم وأحسابهم من الأمير إينانج الذي كان من أسنِّ القوم وأعرفهم بأنسابهم. كما صنف بعضهم في التاريخ، وحوى كتاب “ملك نامه” أخبار التركمان والسلاجقة.

ويرد في كتب التركمان بشكل عام بعض المعلومات شبه الأسطورية عن عقائدهم وعباداتهم قبل أن يدينوا بالإسلام، من ذلك ما يذكر عن اجتماع أرواح الموتى كل سنة ليلاً ودخولها لأمصارها السابقة، وما يذكر عن اقتتال الجن المؤيدة لكل فئة من الناس قبل حدوث المعركة بين البشر، وأن الانتصار يكون لفئة الناس التي يتغلب مؤيدوها من الجن.

12