التركية.. لغة أردوغان الجديدة لبناء قوة ناعمة في العالم العربي

النظام التركي يريد ترسيخ نفوذه في البلدان العربية عبر استخدام سلاح اللغة كقوة ناعمة تساهم في انتشار التمدد الثقافي التركي في المنطقة.
الاثنين 2018/04/16
أردوغان يثق في قدرة اللغة على استعادة حلمه العثماني

أسطنبول – جاء في تقرير لمعهد جيتس ستون الدولي، خلال يناير الماضي، أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعيش في عالم من صنع مخيلته، حيث يشعر من خلاله بأنه قادر على السيطرة على الدول العربية.

ورغم أن الدول العربية ترفض كل أشكال إعادة الاستعمار العثماني القديم، إلا أن النظام التركي يستخدم كل الوسائل المتاحة لبسط نفوذه في المنطقة العربية سياسيا واقتصاديا وثقافيا، وبمثل الضغوط العسكرية التي يمارسها حاليا في سوريا والعراق، لا يُغفل النظام دور “اللغة” في ترسيخ هذا النفوذ خاصة وأن القوة الناعمة التركية نجحت في التسلل إلى المشاهد العربي.

ويعتقد مراقبون أن تركيا عملت على استخدام هذا السلاح بشكل احترافي، وقد تجلى ذلك في العدد الكبير من المسلسلات التركية والأفلام التي تمت مشاهدتها في التلفزيون العربي والفارسي والبلقاني والقوقازي، وكان لهذه المسلسلات والأفلام والدعايات السياحية تأثير قوي في جذب جميع المشاهدين لزيارة تركيا للسياحة واستهلاك البضائع التركية واستخدمت أيضا الترويج للغة التركية.

ولعل التيقن بمدى الرغبة التركية في التمدد ثقافيا بالعالم العربي، يفسر القرار الأخير بمقاطعة القوة الناعمة التركية من أكبر المحطات العربية، لإدراكها أن هاته القوة لا تختلف عن القوة الصلبة الأمنية فكلاهما تجتمعان على هدف السيطرة على الشعوب وخدمة أجنداتها السياسية للفتك بالأمن القومي العربي.

 

منذ سقوط النظام السوفييتي وسيطرة نظام القطب الواحد على العالم تيقنت القوى الإقليمية الطامحة إلى السيطرة واسترداد نفوذها، من ضرورة مراجعة خياراتها لتحقيق هذا الهدف البراغماتي، وهو ما أدركته تركيا التي تواجه في فترة حكم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ضغوطا سياسية واقتصادية، وعلى طريقته الشعبوية يحاول أردوغان الحفاظ على قاعدته الشعبية داخليا، أما خارجيا فقد اختار استعمال الأسلحة الثقافية، وذلك من خلال الترويج للغة التركية وتلقينها خاصة للاجئين ليستخدمها كقوة تأثير يستطيع من خلالها التوسع في العالم العربي، منتهزا بذلك حالة عدم الاستقرار والحروب المشتعلة على أكثر من جبهة.

وعلى إثر هذه المقاطعة بدأت الخيارات الثقافية التركية تتراجع، ولم يبق للنظام غير الترويج للغته التركية فمآربه البراغماتية تحرضه على نشر لغته للحفاظ على قوة تأثيره في العالم العربي.

وتستغل أنقرة في ذلك الحروب الدائرة بالمنطقة منذ سبع سنوات خاصة في سوريا ومصر واليمن وليبيا والعراق، حيث فتحت حدودها للاجئين السورين. ورأت أنه من الضروري أن يتعلموا اللغة التركية وينهلوا من منابعها لتحقيق رغبة دفينة في سيطرة على شعوب مستعمراتها القديمة.

وفي الفترة الأخيرة توسعت المؤسسات التعليمية المعنية بتعليم اللغة التركية بشكل كبير في العديد من مناطق البلاد، ولا سيما في مدينة إسطنبول، والعاصمة أنقرة، لتأمين المناخ الملائم لتعلم اللغة، واستيعاب أكبر عدد من الطلبة الأجانب، المقبلين على تعلمها. الأمر الذي لم يلاق استحسان دول غربية كفرنسا التي انتبهت لمحاولات أنقرة في استثمار لغتها كورقة نفوذ ثقافية بديلة، وهو ما دفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مارس الماضي بالتعهد بمضاعفة عدد الطلبة الدارسين للغة الفرنسية خارج بلاده وهو ما يفسره مراقبون باحتدام التنافس على استخدام كل وسائل السيطرة بين الدول الإقليمية الكبرى.

تأثير العربية

تأثرت اللغة التركية على مرّ التاريخ وعلى مدى قرون بشكل لافت باللغتين العربية والفارسية وبشكل خاص باللغة العربية باعتبارها لغة القرآن الكريم أي اللغة الأولى والأم للمسلمين.

وبات من الواضح كم المصلحات العربية المستخدمة فيها، وإن تراجعت اللغة العربية مقارنة بنظيرتها التركية، نظرا للتقارب الجغرافي بالإضافة إلى التأثر الحضاري بدول المنطقة، ويقدر العديد من الخبراء عدد المفردات المتطابقة والمتشابهة المستخدمة في العربية والتركية بأكثر من 7 آلاف كلمة.

وأوضح معلم اللغة التركية لغير الناطقين بها فرقان شيمشك، في تصريحات لوكالة الأناضول أن “اللغة التركية تعتبر من اللغات السهلة إذا ما قورنت باللغات الأخرى في العالم، كالعربية والروسية، وتكمن السهولة في أن كل حرف فيها يعبر عن صوت معين، ونتيجة لذلك فإن كل ما يقرأ يكتب، ولا توجد بها أحرف تقرأ ولا تكتب، أو العكس”.

ورأى أن “أكثر من 40 بالمئة من مفردات اللغة التركية تتشابه إلى حد بعيد مع العربية، بالإضافة إلى كلمات اللغة الفارسية”.

وحول الصعوبات التي قد تواجه متعلم التركية، خاصة على مستوى النطق الصحيح، أوضح شيمشك أن “مخارج الحروف التركية وإتقان أصواتها لا تتم إلا بالتلقي المباشر، عن شخص يتقن تلفظ هذه الحروف، وإذا ما أتقنها فقد امتلك المفتاح الذي يمكنه من التقدم في تعلم التركية خلال بضعة أشهر”.

وتتعدد أهداف تعلم اللغة التركية لدى الجالية العربية في تركيا، والتي تجاوزت أعدادها أربعة ملايين شخص، فلكل غاياته؛ منهم من يتعلمها بهدف الدراسة في الجامعات أو المدارس التركية، والآلاف للعمل والاستثمار، وآخرون بهدف الانسجام والاندماج مع المجتمع المحلي لكن الهدف الرئيسي للاجئين السوريين هو الهروب من قساوة الحرب ببلدهم.

لا يغفل النظام التركي عن دور اللغة في ترسيخ نفوذه، خاصة وأن القوة الناعمة التركية نجحت في التسلل إلى المشاهد العربي

وفي السنة الأخيرة، ارتفع عدد العرب المتحدثين باللغة التركية بشكل كبير جدا، نتيجة مكوثهم سنوات عدة في الداخل التركي، ونظرا لحاجتهم الماسة إلى الانسجام مع وسطهم الجديد، على صعيد الحياة اليومية، أو المؤسسات والدوائر الرسمية.

فئات عربية تعلمت اللغة التركية:

* مكتسبون بالممارسة: ساهمت الحياة اليومية بكل تفاصيلها، بشكل كبير وفعال في جعل العرب يكتسبون اللغة التركية، فمن المواصلات إلى المطاعم والمقاهي وحتى المساجد التي تُلقى فيها خطبة الجمعة بالتركية، اكتسب العرب جزءا كبيرا من لغة البلاد.

يقول رجل الأعمال العراقي حامد محمد إن “للمعاملات اليومية أثرا كبيرا في اكتساب اللغة التركية، من خلال المطاعم والمواصلات والبنوك والدوائر الرسمية”.

ويضيف “قدومي إلى تركيا كان قبل ثلاث سنوات والآن أتحدث بشكل يكفيني للعمل والتفاهم مع المجتمع حولي، وأظن أني سأتقدم في اللغة أكثر مع مرور الزمن”.

* الطلاب : تعتبر اللغة التركية لغة التدريس في معظم الجامعات والمدارس التركية، والتي وصل عددها إلى أكثر من 180 جامعة، وبشكل عام لا يستطيع الطالب الأجنبي دخول الجامعة إلا بعد أن ينهي مرحلة دراسة اللغة التركية.

 وتقول لبنى ياسين، البالغة من العمر 24 عاما، إنها “قدمت إلى تركيا قبل سنتين، عن طريق المنحة المقدمة من قبل الحكومة، لدراسة الاقتصاد في جامعة إسطنبول”.

وتشير الشابة الفلسطينية “كانت مشكلتي في البداية في التكلم، ولكني كنت أفهم التركية بنسبة كبيرة، وبعد انتهائي من مراحل الدروس، رجعت إلى مركز اللغة في جامعة إسطنبول، للالتحاق بالمركز من جديد والتسجيل في دورات المحادثة التي تقيمها الجامعة، من خلال مجموعة من المعلمين والطلبة، بالإضافة إلى الجولات الميدانية اليومية، وهكذا استطعت التغلب على مشكلة النطق لدي”.

أردوغان يعيش في عالم من صنع مخيلته
محاولة لإعادة الاستعمار العثماني القديم

ويتلقى اليوم نحو 16 ألف طالب أجنبي تعليمهم في الجامعات التركية، وذلك فقط ضمن برنامج المنح الدراسية “YTB”، والتي توفرها رئاسة الوزراء التركية، علما أن برنامج المنح المذكور تلقى أكثر من 100 ألف طلب للدراسة في البلاد خلال العام الماضي من 160 دولة حول العالم، ويعمل خلال السنوات الأخيرة على توفير 4500 منحة سنويا.

إجمالا يصل عدد الطلاب الأجانب في تركيا في الوقت الراهن، إلى 110 آلاف طالب بعد أن كانوا 50 ألفا فقط عام 2012.

وتعتزم “YTB” تقديم خدمات تدريس اللغة التركية لنحو 3600 شاب سوري خلال عام 2018، بالتنسيق مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

* أبناء الوافدين: تعتبر اللغة التركية للكثير من أبناء الوافدين الذين قدموا إلى تركيا هي اللغة الأُم، لأن غالبيتهم يلتحقون بروضات ومدارس تركية، منذ نعومة أظافرهم، فيكتسبون اللغة خلال وقت قصير، ويتقنونها فهما وتحدثا.

ومعروف أن المهارات اللغوية تبدأ في التشكل في مرحلة الطفولة، كما تترسخ بالذهن في هذه المرحلة العمرية أساسيات تعلم أي لغة، من نطق صحيح وقواعد، بشكل أسهل، لذلك تتحدث غالبية أبناء الوافدين التركية بطلاقة تماما كأبناء البلد.

وبات أكرم الخطيب، أحد أبناء الوافدين الفلسطينيين، والذي وصل إلى تركيا قبل 6 سنوات طليق اللسان في اللغة التركية، رغم أنه بدأ تعلمها عندما كان عمره 17 عاما، وقد التحق وقتها بمركز “تومر” لتعليم اللغة التركية في منطقة تقسيم بإسطنبول.

يقول الخطيب “بسبب صغر سني نسبيا، وقدرة المدرسين على استخدام أحدث أساليب التعليم، استطعت خلال ستة أشهر أن أفهم المتحدث بالتركية أمامي، وأجيد التحدث أيضا بنسبة 70 بالمئة”.

قضى الشاب الفلسطيني وقتها 10 شهور في المركز، يدرس خلالها اللغة بواقع خمسة أيام أسبوعيا، وخمس ساعات يوميا، فكانت تلك الفترة كفيلة بأن تصبح التركية لينة على لسانه وأن تجد طريقها بسهولة إلى عقله.

غير أن الخطيب لم يكتف بذلك، وقرر منذ 4 سنوات دراسة الطيران باللغة التركية، ليسبر المزيد من أغوار اللغة، وتصبح كما يقول “شبيهة إلى حد كبير بلغتي الأم”.

وهناك آخرون تعلموا اللغة في الخارج، وانكبوا على دراستها في بلادهم قبل مجيئهم إلى تركيا، من خلال المراكز الثقافية التركية المنتشرة في العالم، حتى أصبح الكثيرون منهم يمتلكون الكثير من أساسيات اللغة، الأمر الذي سهل لهم إلى حد بعيد التقدم لاحقا والانسجام بسهولة في الحياة داخل البلد.

7