الترميم العشوائي أتلف الملامح الأصلية لثالث أقدم مساجد أفريقيا

الاثنين 2015/04/06
المسجد لم يلق اهتماما من طرف المسؤولين

تونس- تسعى السلطات التونسية للحد من العمليات الإرهابية التي تستهدف إرثها الثقافي ومعالمها الأثرية في المقابل أهملت عديد المعالم التاريخية ومنها المساجد القديمة التي باتت مهددة بالتلف لغياب استراتيجيات الصيانة والترميم التي تعنى بحفظ هويتها وطابعها التاريخي.

مسجد “سيدي صاحب الوقت” وسط مدينة قفصة جنوب غربي تونس أحد هذه المعالم التي ينهش الإهمال جدرانها ويضر طابعها المعماري الأصلي. ترتفع مئذنة هذا المسجد غير آبهة بمرور الزمن شاهدة على عراقة هذا المعلم التاريخي الذي يقول مؤرخون إنه ثالث أقدم مسجد في أفريقيا، ويشتكي زواره والمترددون عليه من تعرضه للإهمال من قبل السلطة القائمة والباحثين.

ومسجد “سيدي صاحب الوقت”، أو الجامع الكبير كما يسمى في قفصة تم تشييده خلال عهد الأغالبة (184هـ/80م-296هـ/909م) في القرن التاسع ميلادي مثلما تدل على ذلك لوحة رخامية على أحد جدرانه. وكان قد أقيم على أنقاض كنيسة كما يتبين من رسوم الصليب على أعمدة وتيجان بيت الصلاة المغطاة بمادة الجبس.

و”ليس هناك تاريخ محدد بدقة لبناء هذا المسجد”، كما يقول الشيخ محمود بن المختار فاخت، إمام الجامع ومدير فرع التعليم الزيتوني في محافظة قفصة البالغ عدد سكانها نحو 337 ألف نسمة من أصل حوالي 11 مليون نسمة. والتعليم الزيتوني هو تعليم أهلي تقليدي يرجع إلى جامع الزيتونة، وله فروع في أرجاء تونس، لكن تم إيقافه بعد استقلال تونس من الاستعمار الفرنسي وتأسيس الجامعة العصرية في بداية الستينات من القرن الماضي، ثم عاد بعد الثورة التونسية لاستئناف نشاطه التعليمي. ويستدرك فاخت بقوله “المرجح هو أن بداية بناء المسجد كانت عام 70 هجري على يد يزيد بن معاوية، قبل أن يتم الإنجاز عام 103 هجري”.

منذ تأسيس المسجد وضعت أمامه ساعة شمسية جاء منها اسم المسجد، ويستدل بها على توقيت الصلوات الخمس

فيما تقول سارة بن حمد، وهي متفقدة في معهد التراث (حكومي) إن “الأبحاث تفيد بأن تأسيس المسجد يعود إلى القرن الثالث هجري في العهد الأغلبي، ولم نجد ما يدل على سنة تأسيس المسجد تحديدا، وما تم ذكره إلى الآن هو مجرد اجتهادات. وتوضح بن حمد أن “المسجد شهد عمليات ترميم وتحسين في الفترة الحفصية (أسسها أبو زكريا يحي بن حفص في تونس ودامت بين عامي 1229 و1574) وفي الفترة العثمانية (منذ 1574 حتى 1881).

و”مع فتح معهد التراث في قفصة قبل ثلاث سنوات تعهد المعهد بالمحافظة على هذا المعلم، ومن الممكن أن تحدد الأبحاث التي ستجرى تاريخ هذا المسجد”، وفقا للمتفقدة في معهد التراث.

وتشغل قاعة الصلاة قرابة 60 مترا على 15 مترا، وخصص جزء منها كقاعة صلاة منفصلة للنساء وساحة خارجية تستغل صيفا لأداء صلاة العشاء، والتراويح. من جانبه يوضح إمام المسجد، أن المؤرخين يجمعون على أن الجامع الكبير في قفصة هو ثالث أقدم الجوامع في أفريقيا بعد مسجدي عمرو بن العاص في القاهرة بمصر وعقبة بن نافع في مدينة القيروان التونسية.

و”المسجد الكبير” في قفصة صنف كمعلم تاريخي من قبل الدولة التونسية منذ 1 مارس 1915، بأمر من الباي (والي عثماني) محمد الناصر (حكم من 11 مايو 1906 إلى 8 يوليو 1922).

ويقول الشيخ الشادلي غلالة، أحد كبار الحي الموجود به المسجد وأحد أكثر المترددين عليه للصلاة “للأسف هذا المسجد لم يلق اهتماما من طرف المسؤولين والباحثين رغم أنه معلم تاريخي شاهد على الحضارة الإسلامية”. وفي أحد أركان المسجد، وتحديدا في مكان المحراب الأصلي للمسجد قبل أن يتم تحويله بعد التوسعة، توجد، على أحد رفوف الخزانات مخطوطات نادرة كتبت بخط اليد، لكن جراء الإهمال لم يعد باستطاعة القارئ قراءة عناوينها ولا بعض محتوياتها.

هذه المخطوطات تعود إلى بداية القرن التاسع عشر ميلادي، وتتحدث عن السيرة النبوية، وتتضمن تفاسير الأحاديث والقرآن، ومن الصعب التعرف على مؤلفيها لتلف أجزاء منها.

مسؤولون يجمعون على أنه حدث خطأ فادح في عملية الترميم، التي لم تكن تحت إشراف مختصين

توفيق غلالة، وهو مؤذن المسجد الكبير، يقول إن “هذا المكان أصبح روضة قرآنية، وكانت يحتوي عددا هاما من المخطوطات التي تم نقلها إلى جهات غير معلومة.. للأسف لم نجد متابعة لهذا المسجد من الدوائر الرسمية”.

وفي أواسط تسعينات القرن الماضي قامت السلطات المحلية والمركزية بإعادة تهيئة المسجد لكنها، وبحسب غلالة، “لم تكن وفق مقومات صيانة المعالم التراثية.. فلم يكن البلاط مثلا متطابقا مع الزخرفة الإسلامية القديمة”، ويضيف إن “المسجد أٌغلق أواسط التسعينات حين بدأت عملية ترميمه، ومُنع الجميع من الدخول إليه.. أعتقد أن عملية التهيئة كانت بحثا عن تحف أثرية للمتاجرة بها، وكان ترميم المسجد غطاء قانونيا لها”.

ومنذ تأسيس المسجد وضعت أمامه ساعة شمسية، وجاء منها اسم المسجد (سيدي صاحب الوقت)، ويستدل بهذه الساعة على توقيت الصلوات الخمس عبر خطوط العرض والطول التي أقيمت بهندسة رياضية. وبينما ينظر إلى هذه الساعة، يقول إمام المسجد، الشيخ فاخت “للأسف تم ترميم الساعة بطريقة غير علمية، فأصبحت اليوم عبارة عن لوحة تذكارية لا أكثر”.

وبحسب سارة بني حمد، والمتفقدة بمعهد التراث والمهتمة بالمعمار الإسلامي، فإن “المعهد، ومنذ تأسيسه قبل أربع سنوات في قفصة، مهتم بمتابعة ترميم المعالم التاريخية، لكنه غير مسؤول عن عمليات الترميم التي أجريت قبل ذلك”.

ويجمع مسؤولون في المعهد، على أنه “حدث خطأ فادح في عملية الترميم، التي لم تكن تحت إشراف مختصين”. ويرى المهندس المعماري باسم كحواش، أن “السلطات المعنية، وخاصة المهتمة بالتراث، تعمل دوما على إقصاء المهندسين المعماريين من عمليات ترميم المواقع الأثرية، وعادة ما تتم إعادة التهيئة بعيدا عن المقاييس العلمية التي تحافظ على جمالية المعمار والقيمة التاريخية التي تبقى دليلا للدارسين.. ولا بد من إعادة الاعتبار للمسجد الكبير وترميمه بشكل علمي مدروس”.

12