التزام إيران بالاتفاق النووي أمر مشكوك فيه

السبت 2015/04/11
الترويج لسلمية المشروع الإيراني لا ينفي رغبة طهران في امتلاك القنبلة النووية

القاهرة- تفيد تحليلات العديد من الخبراء والباحثين بأنّ إيران لن تلتزم ببنود الاتفاق النووي الأخير، وستمضي في سياسة المراوغة بغاية ربح الوقت وهو ما يستدعي من المجتمع الدولي صياغة خطة ردع بديلة في حال إخلالها بالتزاماتها، وفق دراسة صادرة عن المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية، تطرقت خلالها الباحثة سارة خليل إلى عرض ورقة بحثية للخبير الأميركي بينيت رامبيرج.

توصلت الولايات المتحدة وإيران في إطار مفاوضات مجموعة خمسة زائد واحد، التي انعقدت في لوزان السويسرية مطلع شهر أبريل الجاري، إلى المعايير الأساسية لاتفاق شامل بشأن البرنامج النووي الإيراني، وهو الاتفاق الذي طال انتظاره لسنوات شهد العالم خلالها توترات ومفاوضات طالما باءت بالفشل مع طهران من أجل الحؤول دون حصولها على أسلحة نووية.

وتتمثل أهم نتائج المفاوضات في التوصل إلى اتفاق يقضي بمنع إنتاج إيران القنبلة النووية في مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عليها، والموافقة على برنامج نووي إيراني سلمي.

وعلى الرغم ممّا أحرزته المفاوضات الأخيرة من تقدم ملموس؛ فإنه ما زالت هناك شكوك مُثارة بشأن مدى التزام طهران بالاتفاق، خاصة وأنه بالنظر إلى الخبرة الدولية في المفاوضات مع طهران، يتّضح أنها غالبا ما ترغب في كسب مزيد من الوقت من خلال اللجوء إلى سياسة “المراوغة” بهدف التقدم في برنامجها النووي.

وبناء على ما سبق، يتناول، بينيت رامبيرج، الخبير السابق في الشؤون السياسية والعسكرية بوزارة الخارجية الأميركية، جملة الشكوك المُثارة حول مدى التزام طهران بالاتفاق الأخير، في ورقة تحليلية نشرها موقع مجلة “فورين أفيرز”الأميركية، تحت عنوان “صفقة أم لا: لماذا ينبغي على واشنطن وضع خطة بديلة”، موضحا أنّ الخبرة التاريخية في حالات مماثلة تثبت أن إيران لن تفي بوعودها، مُركزا على أهمية وضع خطة ردع بديلة تجنبا لأي انفلاتات لاحقة.

تنفيذ الاتفاق يتوقف على التزام المجتمع الدولي بمنع إيران من أن تصبح أول دولة تمتلك أسلحة نووية في القرن الـ21

هل ستلتزم إيران بالاتفاق

لا يتحدد نجاح المفاوضات النووية الإيرانية بالتوصل للاتفاق الإطاري الأخير، أو التّوقيع على اتّفاق نهائي في يونيو المقبل، وفق رامبيرج، ولكنّ الأمر يعتمد على مدى التزام إيران بعملية تطبيق الاتفاق خلال السنوات المقبلة. ولذلك يجب على مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) توسيع نطاق زياراتهم للمواقع النووية المُعلنة، ومحاولة الوصول إلى المواقع المشتبه بها. وهنا بالتحديد يكمن الدور الهام لوكالات التجسس العالمية في بذل قصارى جهدها للكشف عن التهديدات الحقيقية والمعلومات الكاذبة التي ربما تُروّجها طهران.

وانطلاقا من حالة الشدّ والجذب التي شهدها العالم على مدار السنوات الأخيرة بسبب البرنامج النووي الإيراني، أشار رامبيرج إلى تطلّعات دول العالم أجمع إلى معرفة تطورات هذا البرنامج، الذي تحوم حوله العديد من الشبهات، بشكل مستمر أملا في التوصل إلى اتفاق نهائي تقوم طهران بتنفيذه، من شأنه القضاء على فرضية حصولها على السلاح النووي.

واعتبر أنّ تلك التطلعات والطموحات العالمية مُخالفة للتاريخ الإيراني النووي الطويل الذي يتسم بالمراوغة، وهو ما يثير تساؤلا حول الإجراءات التي ينبغي على المجتمع الدولي اتخاذها في حالة مراوغة طهران؟ خاصة أنّ عديد المعطيات التاريخية تفيد بأنها لن تلتزم بالاتفاق بل ستمضي في سياسة المراوغة.

وعلى الرغم من أنّ وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، أشار إلى أنّ الاتفاق الإطاري الأخير، يؤكّد عودة العقوبات في حالة عدم التزام إيران ببنوده، إلاّ أنّ رامبيرج أوضح أنه ليست هناك أي أدلة يُمكن الاستناد إليها في ما يتعلّق بالتزام طهران بتنفيذ بنود الاتفاق. وبالتالي، فإنّ الأمر يقتضي وضع نموذج لتنفيذ الاتفاق، من شأنه جعل تكاليف عدم التنفيذ شاقة للغاية، ممّا سيجعل النظام الإيراني القائم يُفكر كثيرا قبل مخالفتها.

ونادرا ما كان يتم اقتران تنفيذ الاتفاقات بالعقوبات في جل القضايا النووية التي شهدها العالم شأن العديد من معاهدات الحد من التسلح التي انعقدت بين واشنطن وموسكو أثناء الحرب الباردة، فقد كانت المصلحة المشتركة في الحد من سباق التسلح بين الجانبين، وإدراكهما لتكلفة المنافسة، فضلا عن احتمال لجوء أيّ منهما إلى إستراتيجية “واحدة بواحدة ” عند مخالفة الجانب الآخر للاتفاق، تلعب دورا بالغ الأهمية في بقاء الطرفين على مستوى واحد من التّسلح.

وقد ساهمت القوة العسكرية لدى الجانبين بشكل كبير في ضمان تنفيذ الاتفاقات، وفق رامبيرج. وكانت النتيجة أنه على الرغم من النزاعات الدولية بسبب عدم التزام موسكو بالتجارب النووية، ونشر نظام الرادارات وغيرها، فإنّ جوهر المعاهدات كانت لا تزال جارية في حينها.

المجتمع الدولي مطالب بوضع خطة ردع بديلة أمام طهران

وفيما يتعلق بمسألة العقوبات، أوضح أنّه على الرغم من أنها ليست السبب الرئيسي في الحد من تسلح القوى العظمى، إلاّ أنّها كانت أساس المحاولات الأميركية لوقف حصول العديد من الدول على القنبلة النووية، ولكن هذه الإستراتيجية أثبتت فشلها لاحقا إلى حدّ كبير.

وقد سبق للولايات المتحدة أن قطعت المساعدات العسكرية والاقتصادية عن الهند وباكستان وكان لذلك تأثير محدود، كما أن تهديدها بوقف المساعدات العسكرية عن إسرائيل لم يُرهب هذه الأخيرة، وكذلك الأمر بالنسبة للإجراءات الدولية المكثفة لعزل كوريا الشمالية، بل على العكس من ذلك بدت بيونغ يانغ وكأنّها تُفضل العزلة.

ولذلك أشار إلى أنّه لا يُمكن للولايات المتحدة أو شركائها في المحادثات النووية “مجموعة (5+1)” اللجوء إلى إستراتيجية “واحدة بواحدة” لمنع استكمال البرنامج النووي الإيراني

ولفت إلى أنّ انتشار الأسلحة النووية سيزيد حتما من حالة عدم الاستقرار التي يشهدها الشرق الأوسط. وأمّا في ما يتعلق بإستراتيجية العقوبات، فيرى أنها ربما كانت أداة مفيدة في لجوء طهران إلى طاولة المفاوضات، لكنها لم تُجبرها على الامتثال إلى اتفاق مجموعة الخمسة زائد واحد، وهو ما يستدعي وضع خطّة ردع بديلة.

ضرورة وضع خطة بديلة

فرضيّة عدم التزام إيران ببنود الاتفاق، يرى الخبير السياسي والعسكري الأميركي، أنّها تفرض وضع خطّة ردع بديلة تجنبا لأيّ احتمالات قد تنشأ بغرض إعفاء طهران من أيّ سوء فهم يُمكن أن يلعب بطريقة أو بأخرى دورا في حصولها على الأسلحة النووية، مشيرا إلى ضرورة إقرار هذه الخطّة الردعية البديلة، أو الاحتياطية من قبل مجلس الأمن، ومن ثمّ يجب أن تدعم من قبل تحالف الراغبين.

ويجب أن تقضي هذه الخطة بأنه إذا وجدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنّ إيران لا تمتثل لما نصّت عليه بنود اتفاق مجموعة (5+1)، فمن المتوقع البدء حينها في تنفيذ النموذج الأمني الرادع لحظر الانتشار النووي، لافتا إلى أنّ إيران لا تبدى رغبة كبيرة في التخلص من الأنشطة المشتبه بها لتجنّب المزيد من تداعيات العقوبات التي تهدد اقتصادها.

وذكر أنّه في حالة تم إثبات مراوغة إيران، فيجب خلال الأسبوع الأول، أن يطالب مجلس الأمن أو تحالف الراغبين بالتّحقق من المخالفات التي كشفت عنها الوكالة الدولية للطاقة، في غضون أسبوعين من الزمن. أما خلال الأسبوع الثالث، فإنّ الاستمرار في عدم الامتثال للاتفاق سيسفر عنه تأجيل جميع أنشطة التجارة الدولية لعزل الاقتصاد الإيراني.

الخبرة الدولية في المفاوضات مع طهران توضح أنها غالبا ما ترغب في كسب مزيد من الوقت من خلال اللجوء إلى سياسة المراوغة

وفي الأسبوع الخامس، يجب أن تتوقف جميع الأنشطة البحرية والجوية التجارية الموجهة إلى طهران لزيادة عزلتها الإقليمية والدولية . وفي الأسبوع الموالي، يجب أن يقوم الشركاء بحصار جوي وبحري على البلاد، مثلما كان الأمر في أزمة الصواريخ الكوبية.

وبعد كل تلك الخطوات يجب أن تترأس الولايات المتحدة الأميركية عملية توجيه ضربات جوية لطهران لتدمير جميع المواقع النووية المشتبه بها، مع القيام بهجمات إضافية على المواقع الإستراتيجية الأخرى، إلى أن تسمح طهران بدخول المفتشين الدوليين إلى أراضيها للتخلص من المواد النووية المهربة.

وهذه الخطة من شأنها، وفق الخبير رامبيرج، ردع إيران متى ارتأت أنّ المجال مفتوح أمامها لتطوير برنامجها النووي لغايات غير سلمية تهدف إلى إنتاج القنبلة النووية والمواصلة في سياستها المخاتلة للقوى الدولية.

وأشار رامبيرج إلى أنّ تنفيذ الاتفاق سيتوقف على إصرار والتزام المجتمع الدولي بمنع إيران من أن تصبح أوّل دولة تمتلك أسلحة نووية جديدة خلال القرن الحادي والعشرين، مشيرا إلى أنّه إذا كان المجتمع الدولي جادّا فإنّ عليه وضع خطة عمل ليكون لدى آية الله خامنئي يقين من العواقب المحتملة في حالة عدم الالتزام، لردع أيّ انتهاكات في المستقبل.

ليخلص في ختام ورقته إلى أنّ الاتفاق الأخير، الذي تمّ في لوزان السويسرية، لا يعدّ سوى إحدى الحيل الخداعية التي دأبت عليها طهران ليكون لديها وقت كاف للتخطيط، أملا في التلاعب بالمشاركين في المحادثات لكسب المزيد من الوقت للحصول على قنبلة نووية، وهو ما يجب إدراكه والتصدى له منذ الآن لما يمكن أن ينتج عنه من عواقب وخيمة على أمن المنطقة واستقرارها.

اقرأ أيضا:

دبلوماسي سعودي: إيران لا تريد العيش في سلام مع جيرانها

6