التزام المغرب بحفظ حقوق الإنسان في أقاليمه الجنوبية يقطع الطريق أمام المشككين

الأربعاء 2014/11/05
أهالي مخيمات تندوف يدفعون ثمن تواطؤ البوليساريو مع الجزائر

الرباط- لم يفلح التقرير الأخير الذي صدر عن منظّمة هيومن رايتس ووتش بخصوص ملف الصحراء المغربية في تغيير مسار القضية أو التأثير على الموقف الدولي الثابت والداعم للحق المغربي في سيادته على أرضه ومساندته في سد الثغرات أمام تسلّل خطر الإرهاب القادم من مخيمات تندوف.

التقرير الذي صدّر مؤخّرا عن المنظّمة “حقوق الإنسان”، غير الحكومية، تحت عنوان “خارج الرادار: حقوق الإنسان في مخيمات اللاجئين في تندوف”، طالب مجلس الأمن الدولي بتوسيع ولاية بعثة المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان، مدّعيا أن “اللاجئين الصحراويين في مخيّمات تندوف يواجهون قيودا على بعض حقوقهم”.


كيف كانت ردود الأفعال الدولية؟


أثار توقيت صدور التقرير كثيرا من الجدل في الأوساط الحقوقية والرسمية الدولية، قبل المغربية، حيث ردّت جهات عديدة، معروفة بموضوعيتها، على ما اعتبرته سياسية الكيل بمكيالين التي تتبعها منظمة “هيومن رايتس″، وندّدت بـ”الانحراف المقصود” في تقرير المنظّمة.

بشهادة الجميع، قطع الاهتمام المغربي الواضح بقضايا حقوق الإنسان طريق التشكيك أمام كل المنظمات التي تريد المس من مصداقية الرباط في ما يتعلق بهذه القضايا المحورية، وما التقرير الأخير لمنظمة هيومن رايتس ووتش حول وضعية حقوق الإنسان بمخيمات تندوف إلا محاولة لتشويه القضية وتغيير مسارها.

وفي هذا السياق، أكّد عدد الخبراء الدوليين، من بينهم بيتر فام، مدير مركز “أفريكا سانتر”، التابع لمجموعة التفكير الأميركية، أطلانتيك كاونسيل، أنّ التقرير سقط في “مقارنات خاطئة” بين هذه المنطقة الخارجة عن القانون، بجنوب غرب الجزائر، والأقاليم الجنوبية للمغرب التي “تشهد تطورا هائلا في هذا المجال”.

وأضاف الخبير الأميركي قائلا: “أعتقد أنه من المجحف ومن قلة المعرفة، بل ومن غير الواقعي أن يتم القيام بهذه المقارنات المغلوطة بين الوضعية التي تسود في تندوف، حيث يعيش اللاجئون في ظروف غير إنسانية خارج نطاق القانون الدولي، وبين دولة ذات سيادة، عضو بالأمم المتحدة، تشهد دينامية مستمرة وغير مسبوقة في مجال التنمية”.

تسعى قيادة البوليساريو الانفصالية بالدفع نحو تغيير طابع مهمة بعثة المينورسو

وخلص مدير أفريكا سانتر إلى أنه “لا يمكن بكل بساطة إجراء مقارنة مع ما هو سائد بمخيمات تندوف”. ومعروف أن مخيمات تندوف، أصبحت، في الفترة الأخيرة تصنّف على قائمة الأماكن الخطرة على الأمن الإقليمي وحتى الدولي؛ حيث كشفت تقارير استخباراتية عديدة أن هذه المنطقة أصبحت تشكّل بؤرا إرهابية.


لماذا تغلق المخيمات أمام المراقبين؟


شهادة بيتر فام السابقة، يؤكّدها السفير الأميركي الأسبق، إدوارد غابرييل، الذي أكّد أنه في مجال حقوق الإنسان، لا يمكن أن يكون هناك أي وجه للمقارنة بين الأقاليم الجنوبية، قطب التقدم والتنمية البشرية في كافة أبعادها، ومخيمات تندوف التي ترزح تحت قبضة من حديد تفرضها ميليشيات البوليساريو. وأبرز إدوارد غابرييل، في معرض تعليقه على تقرير منظمة “هيومن رايتس ووتش”، أن “الأقاليم الجنوبية شهدت، خلال السنة الماضية فحسب، ما لا يقل عن 80 زيارة قام بها مختلف المراقبين ووسائل الإعلام الدولية”.

وأكّد السفير الأميركي، في تصريح لوكالة المغرب العربي، “أنّ المتسبب، من دون أدنى شك، في إغلاق مخيمات تندوف أمام زيارات المراقبين الأجانب، هي العصابات الإجرامية التي تسيطر على المنطقة وتتواطؤ مع الجماعات الإرهابية”، مشيرا إلى “أنّ رفض الجزائر والانفصاليين لفكرة إحصاء السكان المحتجزين يخفي خشيتهم من فضح عمليات التحويل والاتجار في المساعدات الدولية، ومن أن يتم تخفيض عدد هذه الساكنة”.


أين يكمن الدور الجزائري؟

بيتر فام: من المجحف إجراء مقارنة مع ما هو سائد بمخيمات تندوف


في ذات السياق، لخّص باباكار ديالو، المدير العام لمركز الدراسات الدبلوماسية والاستراتيجية بدكار، النزاع الدائر حول الصحراء المغربية في كونه “لا يمثل قضية لتصفية الاستعمار، وإنما هو عدوان من قبل دولة جارة لها أهداف للهيمنة بالمنطقة، وتستضيف على أراضيها جماعة انفصالية تنشط ضد المغرب”.

وقال ديالو، أمام اللجنة الرابعة للأمم المتحدة، إنّه “لا يمكن لأيّ إنسان عاقل وحكيم أن يتجاهل مسؤولية الجزائر في هذا النزاع المفتعل”، مشيرا إلى أنّ قضية الصحراء المغربية “هي بالتالي ترتبط بمبدأ عدم التدخل، الذي لا ينبغي بموجبه لأي دولة أن تتدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى”.

وبالنسبة لديالو، فإن الجزائر التي “هي بصدد اللعب بالنار”، مدعوة إلى تحمل مسؤولياتها، لا سيما أمام الأخطار التي تهدد المنطقة. وقال “إنّ الحقائق اليوم واضحة، وأن تفعيل التعاون بين بلدان اتحاد المغرب العربي وتحقيق الأمن بمنطقة الساحل والصحراء رهين باعتماد مقاربة تروم تحقيق الاستقرار المستدام في هذه المنطقة”.

من جهة أخرى، لاحظ الخبير السينغالي أنّ نزاع الصحراء المغربية، الذي تم افتعاله ويتم استغلاله من قبل دولة جارة (في إشارة إلى الجزائر)، التي ترعى الجماعة الانفصالية للبوليساريو، يمثل عاملا لزعزعة استقرار المنطقة برمتها، كما يشكل تهديدا مستمرا للسلام والأمن في المغرب العربي، وبكل دول الساحل، وأفريقيا برمتها.

وتابع أن تقارير متطابقة تشير إلى أن البوليساريو “لا تشارك فقط في مافيات التهريب، وإنما يتواطؤ بعض أعضائها أيضا مع الجماعات الإرهابية، خصوصا القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”.

وبالنسبة إليه، فإنه ينبغي حماية الصحراء المغربية من شرّ الأعمال الخطيرة التي تقوم بها البوليساريو بشكل متطور وبمساعدة دولة ليست لها طموحات سوى التخفي وراء الوجود الوهمي لما يسمى ادعاء بـ”الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية لتوسيع استراتيجيتها التوسعية، ومعاكسة جهود المغرب لبناء السلام والأمن المستدام في هذا الجزء من العالم”. وحذر ديالو من أن “تنتقل عناصر البوليساريو، التي ليس لها ما تخسره، إلى صفوف منظمة إرهابية دولية كبرى”.


لماذا صدر التقرير في هذا الوقت؟


تعتبر مهمّة بعثة المينورسو (التي طالب تقرير هيومن رايتس بتوسيع صلاحياتها)، والتي تأسست بقرار أممي صادر عن مجلس الأمن رقم 690 في أبريل 1991، الأساسية تنظيم استفتاء في منطقة الصحراء المغربية لتقرير مصير سكانها وحفظ السّلام.

وتسعى قيادة البوليساريو الانفصالية المدعومة ماديّا من الجزائر بالدفع نحو تغيير طابع مهمة هذه البعثة من أجل ترويج المغالطات وتضليل المجتمع الدولي، وهو ما يشكل ابتعادا عن المسار الذي رسمته الأمم المتحدة بالاتفاق مع الأطراف المعنية بغرض إيجاد حل سلمي وعادل ودائم للنزاع حول الصحراء.

أوضح الحنودي أن التقرير يتغاضى عن الانتهاكات والتجاوزات والمضايقات، التي تمارس ضد المحتجزين الصحراويين بتندوف دون حسيب ولا رقيب

واعتبر مراقبون أنّ هذا التزامن بين صدور تقرير منظمة هيومن رايتس مع إعلان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، القاضي بترأس خوسيه راموس هورتا لفريق مستقل رفيع المستوى معني بعمليات السلام والذي سيشرف على عديد القضايا التي من بينها ملف الصحراء المغربية لم يكن مصافة. خاصّة أنّ هورتا، الذي سبق أن ترأس تيمور الشرقية، معروف بأنّه موال للأطروحات الانفصالية، لذلك لقي تعيينه ترحيبا في صفوف البوليساريو.


ما يجدر بالمنظمات الحقوقية أن تفعله؟


اعتبر علي الحنودي، الباحث في القانون الدستوري، أنّ الدعوة المغرضة لتوسيع صلاحيات بعثة المينورسو لمراقبة حقوق الإنسان في الصحراء المغربية “خرق لمبدأ كونية حقوق الإنسان وتغريد خارج سرب التوافقات الدولية الهادفة إلى تعزيز الاستقرار وضمان السلم والأمان بالمنطقة” .

وأكد أنّ تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش يجانب الحقائق من منطلق أنه يكيل بمكيالين، إذ في الوقت الذي يبدي “حرصه” على توسيع صلاحيات المينورسو لتشمل مجال حقوق الإنسان رغم الجهود الحثيثة التي بذلها ويبذلها المغرب في هذا المجال تشريعا وميدانيا، فإنه يمر بشكل سطحي عمّا يقع في مخيمات تندوف.

وأوضح الحنودي أن التقرير يتغاضى عن الانتهاكات والتجاوزات والمضايقات، التي تمارس ضد المحتجزين الصحراويين بتندوف دون حسيب ولا رقيب، حيث تصادر حقوقهم وحرياتهم في التنقل والتعبير والرأي ناهيك عن أبسط الحقوق الإنسانية الأخرى.

ورأى أنّه “من الأجدر أن توفّر المنظمات الحقوقية الدولية جهودها، ليس لتأخير مسلسل تسوية النزاع المفتعل في الصحراء المغربية بشتى المبررات، وتبخيس جهود المغرب في مجال حقوق الإنسان في محيط إقليمي متوتر وغير مستقر، بل للوقوف بشكل دقيق على أوضاع الصحراويين المحتجزين السائدة منذ عشرات السنين في مخيمات العار وحرمانهم من أبسط الحقوق تحت رحمة حفنة من العساكر، مع رفض الجزائر باتفاق مع البوليساريو إحصاء سكان هذه المخيمات لطمس الواقع وتسويف مطالب المحتجزين الصحراويين”.

إن التزام المغرب بالمواثيق والتشريعات والمعاهدات الدولية المؤطرة لمجال حقوق الإنسان وأولوية المرجعية الدولية، التي تسمو عن المواثيق الوطنية كما هو منصوص عليه دستوريا، يعني أنّ الرباط متشبثة بمبدأ كونية حقوق الإنسان قولا وفعلا ،كما نوه بذلك المجتمع الدولي في مناسبات عديدة.

7