التزوير الصريح بموسوعة غوغل المريح

السبت 2017/09/30

كنتُ كتبت مرةً أو خمس مرات إنَّ الضرر الذي أنتجه الفيسبوك وصاحبه مارك الحيّال وأخوته بالرضاعة من نفس صدر الإلكترون والبواحث العملاقة وموسوعات العم “غوغل” هو أعظم من الفوائد التي حصدتها الرعية العاطلة عن العمل والتفكير.

فوق هذه المنصة الغابوية الشاسعة، تأسست جيوش إلكترونية عظمى وتجاوزت في تأثيرها كل جيوش المنصات الدعائية المكتوبة والمسموعة والمرئية، وهي تنعم بدنانير دسمة وحصانات قوية لن تطالها يد القانون، حيث لا ميثاق شرف يعمل ولا قوة ضمير تتحرك في مستنقع التدويخ الكبير.

على هامش وفي قلب تلك المنصة المذهلة، قامت مدارس لتعليم الحيلة والخديعة في عمليات تصنيع الخبر غير اليقين، وفي قتل الوعي الجمعي وتفكيكه عبر التدويخ والمعمعة والبلبلة ونشر القنوط من أجل إيصال الناس إلى سنّ اليأس وخلط الورق وجعل البذاءة والوضاعة ثقافة غير مخجلة مع عجز تام للدول الكبرى والصغرى والنامية والنائمة في عمليات مكافحة هذا الطوفان الخطير، حيث عصا القانون بمقدورها فقط ضرب وإيقاف الحرامي الذي يحمل جسداً بشرياً صوب باب البنك، وتفشل في إيقاف الحرامي الإلكتروني الذي سيتجول بحرية وطمأنينة في خزائن المال وفي خزنة العقل المستسلمة لقدرها الجديد.

فوق هذه الشاشة الملتبسة المقنّعة بالصور والأسماء والتوصيفات الوهمية المستعارة، صار بمقدور الغزاة الإسرائيليين أن يصنعوا لهم تأريخاً حديثاً عجزت عن خلقه كل حفرياتهم تحت مدينة القدس العربية وما حولها، وصار بمستطاع الوحش الأميركي تلميع قنبلته النووية وتبرير قتل الأبرياء وتحطيم أوطانهم وأحلامهم وبهجاتهم الممكنة.

في باب العلم والفهم والإبداع، لم يعد الطالب النجيب بحاجة إلى سهر وكد ونهر قهوة وشاي ومعمل سجائر كي ينجز أطروحة الحصول على شهادة يرفرف فوقها حرف الدال العظيم، بل سيحتاج فقط إلى سهرة ممتعة وجولة نهارية أو ليلية في أرض المحرك العملاق “غوغل” فينسخ من تلك البوابة عشر صفحات ومن قريبتها عشراً وبضغطة زر هنا وكبسة هناك ستنمو الأطروحة وتسمن المعلومة ومن ثم تقدم للأساتذة النائمين الكسولين، فيرشون على الطالب الذكي مطر المديح ويرمون بحضنه أول أقسام حرف الدكترة المهيب.

نعم أيها السادة فثمة تأريخ جديد ومختلف يكتب لنا بالتدريج والتأني، فاليوم هم يدسون سطراً أو سطرين كاذبين في جسد واقعة مصنوعة من ألف سطر، وغداً سيضاعفون جرعة الكذب الذكي المنظم، وبعده يصير الكذب في الواقعة هو المتن وتذهب الحقيقة صوب الهامش.

24