التسامح آخر اهتمامات "الدعوة إلى التسامح"

التسامح بمفهومه الاصطلاحي في القاموس السياسي، ليس تلك القيمة الأخلاقية في السلوك الفردي، والتي تأخذ مشروعيتها من الطبيعة الإنسانية في ضرورة الذهاب نحو الآخر والترفّع عن الحساسيات الاجتماعية وكل ما من شأنه أن يعيق التواصل بين البشر، بل مسألة براغماتية معقدة، يذهب ضحيتها أحيانا مفهوم التسامح نفسه حين يدخل المطبخ الانتخابي.
الخميس 2016/09/22
وعود السياسيين الأوروبيين تتحكم في الاختيارات الانتخابية للمسلمين

“التسامح” بات في الحياة السياسية مشروعا تنمويا تخطط له الحكومات وتتنافس حوله الأحزاب، ويدرسه الخبراء الاقتصاديون والاجتماعيون والعسكريون أيضا، ذلك أنه هم استراتيجي ومؤشر على نجاح الخطط والبرامج أو فشلها.

أصبحت نسبة التسامح في بلد من البلدان، تقاس بالأرقام، تدرس بعناية، وينكب على دراستها محللون واستراتيجيون، فيطلقون على ضوء نتائجها رسائل الطمأنة أو صفارات الإنذار والاستغاثة.

لعلّ من المفارقات الأقرب إلى الطرافة في هذا الصدد أن يكون الداعي إلى التسامح “غير متسامح” في شخصه، لكنه مجبر على “التسامح” بمفهومه الاجتماعي والسياسي، وهو أمر يشبه الانفصام أو “الشيزوفرينيا السياسية” في ظاهره، فتجد زعماء دول ورؤساء أحزاب يفصلون بين أهوائهم ونزوعاتهم الشخصية وبين مخططاتهم السياسية، كأن يكون ذا نزعة عنصرية واضحة للعيان في سلوكه الشخصي.. وصاحب “خطاب تسامحي” في نشاطه المهني والتزاماته السياسية أمام جمهوره.

الأمثلة كثيرة على ما تقدم ذكره لدى سياسيي أوروبا وأميركا، كالنكتة السوداء التي تروى عن زعيم ومؤسس “الجبهة الوطنية” اليمينية الفرنسية، جان ماري لوبان، والمعروف بتطرفه في كراهية الأجانب والعرب على وجه الخصوص، وتقول “النكتة السوداء” أنّ أحد أتباع لوبان قد حكم عليه بالإعدام وطلب منه أن يبدي أمنية ينفذونها له في الحال قبل إعدامه، فقال “أريد أن أغير جنسيتي إلى أي جنسية عربية” استغربوا هذا الطلب الغريب وظنوا أنه قد غيّر من عقيدته العنصرية إزاء العرب فأجاب “لا..إنما أردت فقط أن تتخلص فرنسا من أحد العرب المسلمين”.

لعلّ من المفارقات الأقرب إلى الطرافة في هذا الصدد أن يكون الداعي إلى التسامح “غير متسامح” في شخصه، لكنه مجبر على “التسامح” بمفهومه الاجتماعي والسياسي، وهو أمر يشبه الانفصام

لا نستغرب من هذا الأمر إذا علمنا بأنّ أحد مرافقي لوبان، كان عربيا مسلما، ومساعدا له في حزبه اليميني المتطرف، وهذا النموذج متكرر في أكثر من منظمة حزبية غربية سواء كانت في أوروبا أو أميركا فيما يحيل إلى المقولة الشهيرة “كلمة حق يراد بها باطل”. الحقيقة التي لا ينبغي التغاضي عنها هي أنّ الديانة الإسلامية في أوروبا وأميركا ودون غيرها من العقائدـ صارت تحشر في كل المنابر السياسية ويزج بها في كل الملفات الساخنة وتستحضر في كل المناظرات الانتخابية، وأصبح مسلمو فرنسا في هذه الأيام مثلا، أبرز رهانات الحملات الانتخابات الرئاسة 2017.

وتناولت مختلف ألوان الطيف السياسي قضية الإسلام في فرنسا، الذي يمثل ثاني ديانة في البلاد بنحو 5 ملايين مسلم كورشات العمل التي يقيمها “الحزب الإشتراكي” الفرنسي، وملتقيات “الجمهوريين” (“الإتحاد من أجل حركة شعبية” سابقا/ يمين وسط)، و”الإجتماعات الصيفية” لرئيسة “الجبهة الوطنية” (يمين متطرّف).. كل هذه الفعاليات بدأت ترسم ملامح معركة الانتخابات الرئاسية المقررة في فرنسا العام القادم، حيث تتمحور في مجملها حول عدد من القضايا الاجتماعية، لكن مع تركيز لافت على وضعية المسلمين في البلاد.

المواضيع التي أقحمت، أو حتى فرضت نفسها في هذا السباق الانتخابي المحموم كثيرة ومتنوعة، لكن مصدرها الرئيسي هو “الإسلام والمسلمون في فرنسا”، وكأنّ هذا الشعار الأخير هو “الراعي الحصري” لكل هذه المهرجانات الانتخابية، فمن الجدل المتفجر حول لباس البحر الخاص بالمسلمات الذي يصطلح على تسميته بـ”البوركيني” في فرنسا، إلى مسألة الحجاب وتمويل المساجد و”مدى ارتباط المسلمين بقيم الجمهورية الفرنسية”، إلى غير ذلك من القضايا التي لا تفلت واحدة فيها من السؤال عن “وضعية الإسلام والمسلمين في الجمهورية العلمانية”.

ويظل “الإسلام والمسلمون” في أوساط اليمين الفرنسي، أو على الأقل بالنسبة للرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي (2007-2012) ورئيس الوزراء الأسبق فرنسوا فيون (2007-2012)، اللذين يعتبران من أبرز الوجوه المرشحة في انتخابات اليمين التمهيدية للسباق الرئاسي، مشكلة أساسية وورقة يراهن عليها. في هذا الصدد قال فيون خلال الملتقى الصيفي لحزب “الجمهوريين”، “لا أتحدث عن مكافحة الطائفية، كي لا أسمي المشكل الذي لدينا مع الإسلام” غير أنه أردف ملمحا “الكاثوليكيون والبروتستانتيون واليهود والبوذيون والسيخ، لا يهددون الوحدة الوطنية”..أليس هذا التصريح عنصرية فاضحة وتمييزا دينيا لا يحتاج إلى برهان؟

ومن جانبه، لم يغير ساركوزي لهجة خطاباته، حيث تحدث، بشكل تفصيلي، عن مواقفه في كتاب حملته الانتخابية، الصادر في شهر أغسطس الماضي تحت عنوان “كل شيء من أجل فرنسا”، بالقول “لنقلها بوضوح دون أي نفس جدلي، صعوبات الجمهورية، اليوم، ليست مع الديانات. لكن واحدة من بينها لم تقم بالعمل اللازم، الذي لا مفر منه، للاندماج …على الإسلام التأقلم مع فرنسا”. ومن جانبها، قالت مارين لوبن رئيسة حزب “الجبهة الوطنية”، إنها لا تهاجم الإسلام، بل “الأصولية الإسلامية”، مشيرة إلى أن الإسلام “متناسب” مع قيم الجمهورية.

13