التسامح "لغة الأقوياء" أمام العنصرية التي اجتاحت الملاعب

الخميس 2014/05/08
رياضيون وسياسيون يطلقون حملة "كلنا قردة" ضد العنصرية تعاطفا مع ألفيش

برشلونة - تفشت ظاهرة السلوكيات العنصرية في مدرجات ملاعب كرة القدم، في الآونة الأخيرة، مُثيرة من حولها العديد من الأسئلة عن الغاية الأسمى التي جُعلت لأجلها هذه اللعبة، كونها تسعى بالأساس إلى التقريب بين الشعوب والأمم وترمي إلى ترسيخ قيم المنافسة الشريفة المبنية على أسس الروح الرياضيّة واحترام المنافس مهما كان عرقه أو دينه أو لونه، في محاولة لترسيخ قيم التسامح والتعايش بين بني البشر من بوّابة الرياضة التي تحصد مئات الملايين من المتابعين والمتأثّرين بها في العالم.

تحشد النزعات العنصريّة الفجّة التي تشهدها ملاعب كرة القدم، الأسبانيّة على وجه الخصوص، تكرّرت للأسبوع الثاني على التوالي مع حادثة جديدة كان ضحيتها السنغالي، بابا كولي ديوب لاعب فريق ليفانتي. فقد قام أحد مشجعي نادي أتلتيكو مدريد بتقليد صوت القرد بالقرب من مسامعه أثناء المباراة التي جمعت بين فريقه ونادي أتلتيكو يوم الأحد الماضي.

وجاء رد فعل ديوب، في بداية الأمر، بالرقص بطريقة ساخرة كالقرد، ولكنه أعرب في وقت لاحق عن غضبه إزاء هذه السلوكيات العنصرية المشينة والمتكرّرة، والتي تحطّ من قيمة البشر وترفع عن الإنسان إنسانيّته الصّرفة.

ولم يكن بابا كولي الضحيّة الوحيدة لمثل هذه الممارسات، فقد سبقه اللاعب البرازيليّ ، داني ألفيش، الظهير الأيمن لنادي برشلونة الأسباني، الأسبوع الماضي، عندما قام أحد مشجعي فيا ريال بإلقاء ثمرة موز عليه، أثناء مباراة جمعت فريقه بهذا النادي ضمن منافسات الدوري الأسباني. وقال ألفيش خلال مقابلة مع البرنامج الجماهيري “فانتاستيكو”، الذي تبثه شبكة غلوبو التليفزيونية البرازيلية: “يجب أن تكون هناك عقوبة ضد السلوكيات العنصرية، ولكن لا أعتقد أنه يجب الرد على الإساءة بإساءة أخرى مماثلة”.

هذا الردّ الذي لا يخلو من نبرة التسامح، يُثبت وعي صاحبه بالقيم الإنسانيّة التي تجمع بين جميع البشر، والتي يجب أن تكون الرياضة أحد وجوهها، كونها قادرة على نشر الأفكار بسرعة هائلة بين شرائح عديدة وأعداد كبيرة من النّاس المتابعين لها، سواء كانت هذه الأفكار سلبيّة تحضّ على الكراهيّة والعنف والعنصريّة أم إيجابيّة تعلي قيم التسامح وتنشر أجواء التحابب في ما بينهم.

على المسؤولين الرياضيين أن يعيدوا إلى كرة القدم الغاية الأسمى التي جعلت من أجلها وهي التقريب بين الشعوب

ألفيش الذي تعامل مع الحادثة التي تعرّض لها بردّة فعل فيها من السخرية ما يميط اللثام عن وعي هذا اللاعب وإدراكه لخطورة هذه الممارسات، وطرق التعامل معها، وما يمكن أن ينجرّ عنها من خلال ردّة فعل سلبيّة، يمكن أن تتلقفها الجماهير وتترجمها إلى عنف واقتتال طالما شهدتهما ملاعب العالم وسقط على إثرهما عدد من الضحايا الأبرياء، حيث أخذ الموزة التي ألقيت عليه وأكلها دون مبالاة، وقال ألفيش: ” عندما تحدث إحدى الكوارث في العالم يتأثر الجميع بشكل كبير، ولكن سريعا ما تدخل المشكلة طيّ النسيان. لا يعجبني أن يحدث هذا مع مشكلة العنصرية، لأنّه أمر في غاية الجديّة”.

وتجدر الإشارة إلى أنّ نادي فياريال كان قد عاقب، دافيد كامبايو(المعتدي على ألفيش) بإنهاء عمله داخل المركز التدريبي وإلغاء عضويته في النادي، بالإضافة إلى حرمانه من دخول ملعب “ماغريدال” مدى الحياة.

غير أنّ ألفيش شدد على أن هذه العقوبات القاسية لن تحل المشكلة على الإطلاق، قائلا “يجب علينا أن نتعلم احترام الآخرين، ولكن في الوقت نفسه لا يمكن أن تكون العقوبة على هذا النحو بإلغاء عضويته في النادي، وحرمانه من عمله في حين أنّه أب لأطفال ولديه عائلة يجب أن يعتني بها”. وأضاف علينا أن نكون متسامحين وأن نحارب مظاهر العنصريّة بالقيم النبيلة”.

من جهته، قال اللاعب السنغالي بابا كولي ديوب: “يحزنني أن تصدر الجماهير أصوات القردة على مسامعي، حيث أتعرض لهذه الممارسات مرارا وتكرارا في كثير من الملاعب.. لا أعرف ما إذا كانت العنصرية نوعا من أنواع قلة الاحترام؟ يجب أن تتوقف الجماهير عن إلقاء هذه الأصوت على مسامع اللاعبين أصحاب البشرة السوداء، فنحن بشر مثلهم”.

الرياضة قادرة على نشر الأفكار بسرعة مدهشة بين جماهيرها العريضة سواء كانت تحض على الكراهية أم تنشر أجواء التحابب

وتخطت أثار الحوادث العنصرية الحدود الأسبانية، حيث أثارت الحادثتان اللتان تعرض لهما كل من ألفيش وديوب عاصفة من التعليقات والرسائل على مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت.

وقد علق البريطاني، جاري لينكر، اللاعب الدولي السابق على هذا السلوك المشين قائلا “يجب على المسؤولين عن الكرة الأسبانية أن يعيدوا إلى كرة القدم الغاية الأسمى التي جُعلت من أجلها؛ وهي التقريب بين الشعوب على أساس الاحترام المتبادل”.

يذكر أنّها ليست المرة الأولى التي تقع فيها مثل هذه الحوادث ذات “الطابع العنصري” داخل الملاعب الأسبانية ، فقد تعرض الكاميروني صامويل إيتو عندما كان يلعب لصالح نادي برشلونة عام 2006 لحادث عنصرية يماثل ما تعرض له باب ديوب، عندما غادر ملعب سارقسطة بسبب صياح الجماهير بأصوات تقلد أصوات القردة.

كما تعرّض أيضا، آلان نيوم، لاعب نادي غرناطة، صاحب الأصول الكاميرونية لحادثة عنصرية من قبل بعض جماهير نادي إلتشي، خلال إحدى المباريات. وتجدر الإشارة إلى أنّ العديد من الرياضيّين الدوليّين والزعماء السياسيين، قد تعاطفو مع حادثة “الموزة” التي ألقيت على ألفيش، ونظّموا حملة “كلّنا قردة” على شبكات التواصل الإجتماعي، نشروا من خلالها صورهم وهم بصدد أكل الموز، في تعبيرة منهم عن رفضهم لهذه الممارسات العنصريّة غير المقبولة.

ورغم تكرّر هذه الممارسات والنزعات العنصريّة، ومدى تأثيرها في نفوس المُستهدفين بها والجماهير التي تريد أن تظلّ الرياضة فسحة أمل لعالم موحّد يقوم على التعايش والسلام، على حدّ سواء، إلاّ أنّ الإجابة التي صدح بها ألفيش في ردّه على سؤال المذيعة المتعلّق بكيفيّة مُجابهة مثل هذه الممارسات المُهينة، لها أن تكفّ مثل هذه النعرات وأن تُلخّص جوهر الرياضة ومن ورائها الإنسان في جملة واحدة، حيثُ قال: “سأردّ على من أهانني بأنّ الأقوياء هم من يسامحون دائما”.

13