التسامح.. معجزة من صنع مانديلا

الخميس 2013/12/12

سأعود لاستكمال الحديث عن الإسلام السياسي في ليبيا بعد الوفاء بواجب رثاء أسطورة العصر الذي رحل أخيرا عن عالمنا المناضل نيلسون مانديلا. وأهمية هذا الرجل أنه بطل من عصرنا، وينتمي للحقبة الزمنية التي ننتمي إليها، وعايشنا مراحل نضاله وكنا في حالة تورط عاطفي وانفعالي مع القضايا التي ناضل من أجلها، وبعضنا كان على تماس معه في هذه القضايا. فنحن لا نستدعي بطلا قديما من التاريخ ولا نستحضر ذكراه، باعتباره مثلا وقدوة، ولكننا نستحضره ونستذكره، باعتباره جزءا من حياتنا، ونلتمس في تاريخه وسجله النضالي جزءا من تاريخنا وتفاعلنا مع هذا النضال ومساهمتنا أو مساهمة بعضنا فيه.

وعن نفسي أقول أنني شاركت في مظاهرات تحمل صورته، وتطالب بالإفراج عنه عندما كنت طالبا في بريطانيا أواخر الستينات، ثم عدت إلى بريطانيا مستشارا إعلاميا، قبل اشتعال الثورة في سويتو، وكنت جزءا من الحراك المناصر للثورة، وساهمت في إصدار صحف ومجلات كانت دعما وتأييدا لثوار جنوب أفريقيا. وبعد ذلك كنت متابعا دؤوبا لكل ما أعقب ذلك النضال من مراحل أسفرت في النهاية عن إطلاق سراح مانديلا.

وأسعدني الحظ أن أحضر احتفالات أعياد الثورة في بريتوريا، أثناء تسليم السلطة من مانديلا لنائبه ثوم امبيكي. وأقول أن معجزة مانديلا التي تجعله متفردا بين المناضلين ليس مدة سجنه الطويلة، ولا طبيعة النضال ضد حكم الأقلية البيضاء وما اقترفته من جرائم ضد بني قومه. معجزته أنه دخل على حالة كانت عصية على الحل، بل حالة شبه مغلقة وبشكل مأساوي على أصحابها، فما كان موجودا في جنوب أفريقيا ليس وجودا استعماريا، كما هو حال دول أفريقية أخرى، رحل عنها الاستعمار تحت ضربات المناضلين من أهلها، بل حالة خاصة جدا.

فالعنصريون البيض كانوا يعتبرون أنفسهم أهل البلاد، توارثوها عن أسلافهم جيلا بعد جيل، ولا يرى الواحد منهم وطنا غير هذا الوطن، وكانوا قد صنعوا لغة خاصة بهم، وتاريخا يربطهم بالأرض ويصنع لهم جذورا فيها، وكانوا صناع نهضتها العلمية وتطورها الصناعي الذي يضعها في مصاف الدول الأوروبية وأكثرها تقدما ورخاء، ولكنه رخاء وتطور تحتكره الأقلية البيضاء وتنتفع به، بينما الأغلبية السوداء من أهل البلاد ظلت تعاني العوز والمهانة وتتعذب بممارسات الاضطهاد العنصري.

+ وهذه الجالية البيضاء، رغم دور الجلاد الذي تقوم به، تعيش حالة من الرعب خوفا من أن يثور العملاق الأسود ويحطم قيوده وينهض للانتقام منها، ولهذا فهي لن تتطوع بتنحية السلاسل والأغلال من يديه وقدميه، لأن هذه السلاسل هي مصدر الأمان لسلامتها، والضامن الوحيد الذي يؤكد لها أن العملاق الأسود لن يقوم بسحقها تحت قدميه، وهذه كانت الحالة التي تواجه كل من يريد مقاربة المشكل في جنوب أفريقيا.

ولم يكن موقف مناضلين آخرين غير منديلا، يطالبون بالحرية والانعتاق من ربقة الاستغلال والتفرقة العنصرية، يستطيع أن يفتح أفقا ويقدم حلا لجوهر المعضلة، وهو كيف سيتعاملون مع الرعب الذي تعيش فيه الأقلية البيضاء، بل هم يضيفون مزيدا من المادة المشتعلة التي تؤجج هذا الرعب لأنها غالبا ما تكون مصحوبة بدعاوى الانتقام والثأر.

وهنا تأتي عبقرية مانديلا الذي فتح أفقا جديدا وكسر الغلاف الحديدي الذي كان ينغلق على القضية، عندما جاء بأطروحته ذات الأبعاد الإنسانية التصالحية؛ أطروحة التسامح التي اقترنت بمقولة شهيرة له تقول: «نحن نغفر ولكننا لا ننسى»، بمعنى أن الدرس والعظة والعبرة تبقى ماثلة أمام الأعين لكي لا يعود هذا الماضي الكريه، ويقول في مذكراته أن إلهامه الأكبر، وقدوته العظيمة كان سلفا عظيما صالحا، ونبتة نبتت في أرض جنوب أفريقيا، عانى أيضا من ظلم الجالية البيضاء وبدأ نضاله في جنوب أفريقيا، ثم لبى نداء الأمة الهندية التي كانت ترسف في أغلال العبودية والاستعمار. فانطلق ليقود مسيرة التحرير في الهند، المهاتما غاندي، نبي العصر في الهند والرجل الذي ارتبط تاريخه في بواكير حياته وشبابه بالنضال ضد العنصريين في جنوب أفريقيا، هذا كان مصدر إلهامه لإتباع طريق المقاومة السياسية التي تنبذ العنف ولا تلجأ لسفك الدماء، بالإضافة طبعا إلى أن الله حباه بالانتماء إلى إحدى العائلات الملكية التقليدية في أرياف جنوب أفريقيا، ذات مال وجاه، فاستطاع إكمال تعليمه حتى تخرج من إحدى كليات القانون وافتتح مكتبا للمحاماة في جوهانزبيرغ، وخاض غمار السياسة حتى صار صاحب موضع قيادي في حزب المؤتمر الوطني، حزب السود الذين يطالبون بالتحرر من أغلال الرق والتفرقة العنصرية وهيمنة الأقلية البيضاء على مقدرات الأغلبية السوداء.

ورغم اتهامه من قبل السلطات البيضاء بالمشاركة في ارتكاب العنف، والقبض عليه ومحاكمته بناء على ذلك والحكم عليه بالإعدام، فقد كان منذ بداية تاريخه نابذا للعنف ومعتمدا الحراك السياسي السلمي، وتحت الضغط الدولي تحولت العقوبة من إعدام إلى سجن مؤبد.

وواكب هذا السجن حملات عمت العالم تطالب بإطلاق سراحه وتعتبره بطلا من أبطال الحرية والدفاع عنها، واستطاع عبر المفاوضات التي أجريت معه في سجنه أن يصل إلى صيغة مع السلطة الحاكمة وأن ينزع بفضل توجهاته الإنسانية وروح التسامح والغفران التي تميز بها خطابه وطرحه السياسي روح الغل والحقد المتبادل بيني عنصري الأمة، وأن يصل بشعبه إلى بر الأمان ويقوده إلى أرض الحرية والعدالة والرخاء والأمان والتعايش السلمي بين الماضي والحاضر، وبين البيض والسود. وأنشأ جهازا قضائيا وسياسيا برئاسة القسيس توتو، لإقامة المصالحة وإنصاف المظلومين، ومحاسبة ذوي الإجرام وكانت عملا ناجحا، أسهم في ذوبان الأحقاد وبناء الثقة، ووضع البلاد على طريق الوداد الاجتماعي، والتعايش بين كل الأجناس، ونال كل من مانديلا وصديقه وزميله القسيس توتو جائزة نوبل للسلام اعترافا من العالم بالجهد الخارق الذي بذلاه في إرساء أسس المحبة بين أبناء شعبهما. علاقة ملتبسة جمعت بين نيلسون مانديلا والطاغية الليبي معمر القذافي تستحق الوقوف معها واستجلاء خفاياها في فرصة قادمة بإذن الله.


كاتب ليبي

9